مزارع اللذة

بسّام الطعّان قرأها 495
   مزارع اللذة (قصة قصيرة)

بسام الطعّان

 يا لها من مزارع، كلها ظلال وطيبة وحنان، مزارع اللذة والبرتقال والليمون والزنبق. هل في بلادنا التي هجرها المطر وتركها للأتربة والغبار مثل هذه المزارع؟

 قادتني المسافات إلى تلك المزارع التي لم أعد أذكر أين تقع، وما أن دخلتها حتى أخذتني الأحلام إلى واحة محاصرة بالضباب، وأطاريف شـقائق النعمان، والغيوم، والدفء الخلاب، وهناك على سرير من عشب رطب، فردت أجنحتي، عزفت المواويل، قطفت وردة تنثر من حولها العبير، شممتها باشتياق وحب لا ينضب، فشربت غديراً من بهجة.

 ارتويت من عبير الوردة، فرميتها على العشـب، ولكن يا للعجب، ويا للغرابة، فبعد لحظات، شعشعت الوردة، وخرج من بين أوراقها دخان بنفسجي له رائحة اليانسون، من شدة دهشتي نهضت، لكني تسمرت في مكاني، وبدوت مثل شجرة تهزها الريح.

 انبثق أمامي فجأة مخلوق على شكل فتاة أجمل من الضوء، فتاة عارية تماماً وتغطي بنثار شعرها مواضع اللذة في الجسد.

 لا أعرف من أين جاءت، فهل خرجت من بين أوراق الوردة؟ أم من الدخان الكثيف والطيب الرائحة؟

 أخذني الاندهاش إلى رعشة، والرعشـة إلى خوف، والخوف إلى جلوس، جلست كما لو أن صوتاً عجيباً أمرني، وبقيت أنظر وأنتظر ما يبدر منها.

 ـ هل كنت تبحث عني؟

 ألقت كلامها واقتربت مني، فهاجمتني زوبعة لها رائحة أخاذة، وما لبثت أن خدرتني، وسمحت للوسن أن يغزو عينيَّ ببطء.

 جلست أمامي على ركبتيها وهي تنظر إليَّ بفخذيها الشهيين، فتحولتُ إلى لص محترف وسرقت نظرة لئيمة، فرأيت من بين شعرها المنسدل على الأرض أشياء كادت تفقدني صوابي.

 في غفلة مني، طبعتْ قبلة حارة على خدي، ثم نهضت وابتعدت بخفة ورشاقة، طار الوسن من عينيَّ، وانبعثت فيَّ رغبة الفرح والركض نحو جسدها المثير بمنعطفاته، وجباله، ووديانه، وسهوله اللينة، لكنني لم أجد لها أثرا.

 أين ذهبت؟ هل اختفت خلف الشجرة الوارفة الظلال التي لم أعرف كيف ومتى زرعت؟ أم ذابت مع حبات المطــر الناعمة والدافئة التي بدأت تتساقط للتو؟

 عزف قلبي ألحان الناي، فأرسلت للعشب دموعي التي سارت فيها مراكب حزينة، وظل إحساس أكثر من لذيذ ينتابني ويأخذني إلى عوالم غريبة.

 انتفضت أوردتي، وريداً بعد وريد، فنهضت وكل همي أن أصل إلى حالك شعرها وبياض جسدها، خطوت خطوات مصابة بالخدر اللولبي، فارتطمت بحجر كبير وسـقطت على الأرض، من أين جاء هذا الحجر؟ فهو قبل دقائق لم يكن موجوداً.

":أيا حلوة... سألتك بالبرتقال والليمون والزنبق أن تأتي". قلت وأنا أتدحرج نحو حسرتي المؤكدة.

 انزرعت أمامي مرة أخرى وكأنها انبثقت من أريج تلك النباتات، أو هبطت من السماء، وكانت هذه المرة ترتدي قميص نوم شفافاً أرزق بلون السماء، ومن تحته مواضع اللذة واضحة كعين القمر، وبدأ صوتها يعيد إليَّ الحياة التي انشدها.

 ـ هل كنت تبحث عني؟

 همست لنفسي كلاماً مبهماً ودخلت في عالم مفخّخ، كانت معبأة باشتعالات محببة، وقميصها يهتز مثل المروج الندية، على غير توقع قدمت لي نهديها الشامخين، ودعتني دون جواز سفر للتوحد مع جسدها المهيأ للخصب.

 غراً كنت، لم أتحرك من مكاني، بدوت مثل من يدخل متاهة، ثم وزعت في الواحة كلاماً لا ينتمي إلى الكلام، أما هي فجلست قبالتي، أطلقت ضحكة رنانة، وأرسلت إليَّ شفتيها الوحشيتين ببطء شديد وهي مغمضة العينين، طارت من شـفتيها طيور برتقالية وحمراء وبيضاء، وظلت تدعوني لأن أشرب من مياهها حتى الارتواء، لكن الطيور المثيرة حاصرتني وزادتني ارتباكاً، وبعد تردد وخوف، أرسلت إليها شفتين محملتين بالحنين نحو المذاق العجيب وأنا مغمض العينين، لكن تلك الصورة العذبة ما لبثت أن اختفت، ووجدت نفسي ممدداً على الأرض، جرفتني سيول الحسرة إلى البعيد البعيد، مسحت فمي ونظرت من حولي فلم أر أمامي غير صحراء قاحلة ولا أثر فيها لأقدام إنسان، وظلت هي في عينيَّ وميضاً يمتد إلى المدى.

 " أين أنت يا حلوة الحلوات؟"

 صحت وأنا أدور وأوزع ابتهالاتي وأتيه في لوحة رسمها خيالي.

 عند الأصيل الذي صارت سماؤه حمراء فاتحة، رأيتها تستريح فوق شجرة برتقال وترسل إليَّ إشارات لم أفهمها، غير أنني ومن شدة فرحي الطفولي، هرولت نحوها، وحاولت الصعود لأنهل منها، لكن فلاحاً ابن فلاح، منعني بصوت أجش وأخرجني من المزارع.

 صار الكون هادئاً، والمساء فتح أبوابه للحكايات، والطيور أخذها النوم، والأشجار التزمت السكينة، فعدت بحزن إلى البيت، فتحت الباب، فوقفت في مكاني وتجمدت مذهولاً، رأيتها جالسة بأريحية على الأريكة وتتفرج على التلفاز، فأشهرت فرحي، بعثرت ذهولي نثاراً للصالة، تقدمت، ومددت لها يدين مشتعلتين بجمر الشوق:

 ـ آه يا حلوة.. أين كنت؟ منذ مدة وأنا أبحث عنك.

 ـ ماذا بك يا ولد؟! منذ الصباح لم أخرج من البيت. قالت أمي وهي تبتسم.

 شعرت بخجل شديد، ولم أعرف ماذا أقول، وغبت في تداعيات مؤلمة، بعد حين جلست مع أبي وأمي وأختي على سفرة الطعام:" كيف أشتهي الطعام وهي بعيدة عني؟" رفعت اللقمة إلى فمي، فرأيتها تمر من أمام النافذة المقابلة لي وهي تستعير أجنحة حمام، بغتة نهضت دفعة واحدة، هرولت نحو النافذة، لكني لم أنتبه، ارتطمت بالصينية المليئة بالصحون، عندئذ تناثر الطعام، أبي تراجع نحو الوراء وتأفف، أمي شهقت، وأختي خطفت إبريق الشاي قبل أن ينقلب ويحرق قدميها.

 ـ ماذا بك هل جننت؟

 ـ منذ أن جئت إلى البيت وأنت لست طبيعياً.

 أما أختي فجعلت البيت قراطيس للضحك.

 لم أستمع لأحد، فتحت النافـذة، تطلعت في كل الاتجاهات والارتفاعات، وعدت إلى مكاني خائباً، منطفئاً، ومختنقاً بالبكاء والخجل، قدمت لي أختي كأس الشاي، وقبل أن آخذه من يدها، شهقتُ، وارتدت ملامحي ثوباً غريباً، كانت الحلوة ممددة في الكأس، تريني كل مواضع الجسـد، وتدعوني إليها، وفجأة وربما دون وعي، خطفت الكأس، أكلت بنظراتي الجائعة أجمل ما في الجسد، ثم بدأت أرقص وأغني، وسط دهشة أختي التي نظرت إليّ بغرابة، أما أمي فحاولت أن تعيد إليَّ صوابي، وظل أبي يبحلق في وجهي ويضرب كفاً بكف.

bassamtaan@yahoo.com