إلى فيروز في عيد ميلادها: حبيتك تَنسيت النوم
إلى فيروز في عيد ميلادها:
حبيتك تَنسيت النوم
فاطمة ناعوت
تعودتُ، وآليتُ على نفسي عهداً، أن أنشرَ مقالاً عن فيروز في عيد ميلادها في نوفمبر من كل عام. مقالاً مُحبًّا بقدر ما منحتني فيروز من بهجة، وطاقة حبّ للحياة، وقوة أواجه بها الواقعَ وعثراته. لم أوفِها حقَّها أبداً. ولن أوفيها. لأن ما منحتني، وتمنحني كل نهار، أكبرُ جدًّا من قدرتي على ردّ الجميل، وإن حاولتُ. هذا العام فكرت على نحو مختلف. لن أكتب مقالا لها، أو عنها، لأن الكثيرَ مما قد يُقال فيها يظلُّ قليلا! لكنني سأكتبُ عن موسوعة جميلة كُتبت حول تجربتها الثرية في المسرح مع رفيقيْ رحلتها الأخوان رحباني.
أما صاحبُ هذه الموسوعة فأحد المفتونين بالإبداع الرحبانيّ الفريد، وما أكثرهم، في أرجاء الوطن العربي والعالم. الرحابنة الذين حصدوا قلوبَ أجيال متعاقبة منذ بدأوا، قبل قرابة النصف قرن، تجربتهم الثريّة من أشعار وأغنيات ومسرحٍ وموسيقا، تلك التجربة التي لا شيء يشبهُها إلا نفسُها. مفيد مسُّوح، كاتب من سورية وبروفيسور في الجيولوجيا، قدّم للمكتبة العربية سِفرا غنيًّا عنوانه "جماليات الإبداع الرحباني" عن دار "بيسان" في بيروت. تناول فيه بالتحليل النقديّ الجماليّ المفصّل أحدَ دروب منجزهم الإبداعيّ المتنوع: هو المسرح الرحباني. موسوعة ضخمة تتألف من مجلديْن، يقع كلٌّ منهما في 450 صفحة من القطع المتوسط، تضمُّ السبع عشرة مسرحيةً التي قدمها عاصي ومنصور الرحباني مع درّة عقدهما الفريد: فيروز، عطفا على كلّ من: وديع الصافي، صباح، نصري شمس الدين، وسواهم من رموز الإبداع اللبناني الرفيع، على مدى سبعة عشرة عاماً بدءاً من 1960 وحتى 1977.
المسرحيات بالترتيب الزمني هي:
موسم العز (1960)،
جسرُ القمر(1962)،
الليلُ والقنديل (1963)،
بياعُ الخواتم (1964)،
دواليبُ الهوا (1965)،
أيام فخر الدين (1966)،
هالة والملك (1967)،
الشَّخص (1968)،
جبال الصَّوان(1969)،
يعيش يعيش (1970)،
صحّ النوم (1971)،
ناس من ورق (1972)،
ناطورة المفاتيح (1972)،
المحطة (1973)،
لولو (1974)،
مَيْس الريم (1975)،
بترا (1977).
يقول الشاعرُ اللبناني "هنري زغيب" في مقدمته تلك الموسوعة، وهو الذي سبق وأصدرَ المجموعةَ المسرحية الرحبانية الكاملة: "لم يكن الحلمُ في تقديم النصِّ المسرحيّ الرحبانيّ، بل في الإضاءة عليه سردًا وتفصيلا وقراءةً نقديةً مُحبّةً، تبرزُ ما فيه من ثنايا وجمالات، وقد جاء مَن تولاها في هذا السِّفر المُعمّق." ثم فنّد زغيب ما يميّز كتابَ مسوّح، عما سبقه من إصدارات عن الرحابنة، من حيث الإطار، والشكل، والمضمون. أما منصور الرحباني فقال عن الكتاب ذاته: "مع مفيد مسُّوح أعدتُ قراءةَ الأعمال الرحبانية بعينَيْ القارئ لا المؤلف، فإذا بها، على قلم هذا الباحث الأمين، إضافةٌ عاليةٌ راقيةٌ إلى الرسالة الرحبانية التي كمْ كنّا، عاصي وأنا، نحلمُ أن تَبلغَ الناسَ كما أردناها لهم."
عملَ مسوَّح على استخلاص النصّ المسرحيّ من سياقاته الغنائية والتمثيلية، ثم تقديمه للقارئ مُجردا كنصّ أدبيّ. كما اهتم بإدراجه كما هو: بلهجته اللبنانية الدارجة الفاتنة، من أجل تكريس فكرة صحيحة يؤمن بها، هي أن ذاك النصَّ يظلُّ، بحقّه الخاص، محتفظا بجماليات إبداعه من خلال نسيجه الأدبي فقط، عابرا الصوتَ، مهما كان عذبا شجيًّا، والموسيقا مهما كانت رفيعة متجددة فاتنة، والأداءَ المسرحيّ مهما كان مُتقنًا. اشتغالُه على النصّ المسرحيّ هو لونٌ من ردّ الاعتبار لتلك الفرائد الأدبية التي ربما تطمرها آلياتُ النسيان والتناسي بسبب ندرة وجودها الآن وبسبب الشهرة الواسعة التي حصّلتها الأغنياتُ التي قُدمت عبر هذه المسرحيات بعدما انسلختْ من سياقاتها، فعُرفت كأغنيات مفردة، بعيدا عن جسدها المسرحيّ الكامل.
من ملامح ثراء تلك الموسوعة تقديمُ المؤلف كاملَ السياق الحضاريّ والفلكلوريّ والبيئيّ والثقافيّ الذي أرهصَ لكتابة هذه المسرحية أو تلك. ففي مسرحية "موسم العزّ" يرسم لنا صورةً قلميةً شاملة لطبيعة الضيعة اللبنانية النموذجية التي تحتفي بتضفير "الحبِّ مع العمل" لدى أهلها عبر الزمن مُعليةً من شأن العمل الجماعيّ المرتبط بالأرض ومواسم الحصاد. موسم العز، أو موسم قطف الحرير الذي تنتجه دودةُ القزّ الجميلة، وما يصاحب ذلك من مواسم أعراس لشباب الضيعة وصبيّاتها. راسما تأريخا بانوراميا شاملا لذلك الطقس الاجتماعيّ الفاتن في كل أرجاء الأرض بدءًا بالصين، بلد الحرير الأول في التاريخ، ثم مرورا بكل البقاع التي سمحت لها طبيعتُها الجغرافية ومُناخُها بإنتاج هذا الكنز السحريّ الأبيض. كذلك الطقس الفولكلوري في لزوم أن يحملَ العريسُ "القَيْمة"، وهي ثِقَلٌ ضخم، تعبيرا عن قوته، فتقبله العروس وأهلها زوجا، مادام أثبه فتوّته. أيضا رقصة الدبكة التي تميّز بلاد الشام ويتقنها بنوها. ثم المباريات التي تُقام بين شبيبة الضياع من أجل المسامرة والمفاخرة بالقوة وجمال الغناء والشعر والرقص. مؤكِدا عبر كل ذلك على شاعرية الأخوين رحباني واتصالهما الحميم بالطبيعة الجبلية الفاتنة، وعمق إحساسهما بقيمة المشاعر والحب والإعلاء منها. ثم يورد مقولة عاصي في هذا الشأن: "إن الرائعَ هو ما كان منسجما مع الطبيعة والحياة."
سنتعرف من خلال الكتاب على الشخصيات الشهيرة في القاموس الرحبانيّ تلك التي غدت أقانيمَ ورموزا تعبّر عن سمات معنوية بشرية عديدة. مثل "راجح": المخرِّب الغامض، "غيبون": الحاكم الطائش، "فاتك": الحاكم المستبد، "مرهج القلاعي": الصعلوكُ الذي أسقطته الفتياتُ من أحلامهن، وكذا نعرف من هم نواطير الثلج وسواها من مفردات الرحابنة.
في المسرحية الشهيرة "بياع الخواتم"، نتعرف على فكرة "صناعة الخوف"، من أجل حشد أبناء الوطن وطاقاتهم على مشروع يجمع شتاتهم ويوحد صفوفهم من أجل مواجهة خطر قادم. مختارُ الضيعة يخترع شخصيةً وهميةً أسماها "راجح"، وهو شرير جاء لمهاجمة القرية، حتى أنه سيغدو لدى أبنائها "الفزّاعة المرعبة". يهابون بطشه مع أنهم لم يروه أبدا بل يسمعون عن حكاياه المخيفة التي يحكيها المختار دون دليل ملموس على حدوثها. فيصدقونه ويخافون. وحين تتجسد الشخصيةُ أمام عيونهم رجلا حقيقيا يكتشفون أنه ليس إلا بياعَ الخواتم الذي جاء ليزيّن معاصمَ بنات القرية بأساوره وخواتمه! ثم يخطب لابنه غادتهم الجميلة "ريما"، فينقلبُ الخوفُ مرحًا وفرحًا وتعلو من جديد قيمةُ الحبّ، التي أفرزها الخوفُ والترقّب.
"رح نحكي قصة ضيعة/ لا القصة صحيحة/ ولا الضيعة موجودة/ بس بليلة/ هوى وضجران/ خرتش إنسان ع ورقة/ صارت القصة/ وعمرت الضيعة."
هذا التعميم والتمويه جاء من أجل تأكيد أن هذه الضيعة هي كلّ ضياع العالم، وأن "صناعةَ الطاغية" أو صناعة الرمز، إنما هي فكرةٌ إنسانية وسياسية عامة مارسَها كافةُ الزعماء في كل مراحل الخمول أو الضجر:
"الأهالي بدّن حكاية/ أنا خلقتلُّن لحكاية/ تايقولوا إني بحميهن/ من مجهول عليهن جايي." "هايدي يا ريما مش كذبة/ هايدي شغلة حد الكذبة/ بتوعي فيهن بطولة/ بتقطف من إشيا مجهولة." أو حتى في لحظات الهزيمة تجتهد الشعوب لخلق رمز أو بطل لتجتمع حوله قلوب الناس: "أنا جايي بيع/ هدايا المحبة/ وْلَوِّن الصَّبايعْ/ بموسم هالخطبة/ أنا يا حلواية/ صحبة الرضي/ بياع الفرح."
ثم نقرأ في المسرحية ذاتها واحدة من أجمل ما شدت فيروز:
"تعا ولا تجي/ واكذُب عليي/ الكذب مش خطية/ واوعدني إنو رح تجي/ وتعا ولا تجي." وكذا الأغنية التي فتنتنا نحن أبناء مصر على مدى عقود طوال، ولا يكاد يمرُّ يوم دون أن تُذاع في الإذاعة المصرية: "يا مرسال المراسيل/ ع الضيعة القريبة/ خدلي بدربك هالمنديل/ واعطيه لحبيبي/ ع الداير طرزتو شوي/ إيدي والإسوارة/ حيَّكتلو إسمو عليه/ بخيطان السنارة/ بخيطان زُرْق وحُمْر/ وغناني الصبيان السمر/ كتبتلو قصة عمر/ بدموعي الكتيبة/ خِدلي بدربك هالمنديل/ وأعطيه لحبيبي."
نحن بصدد جهد رفيع جادّ، ولغة راقية، وقراءة عميقة واعية، وإخراج أنيق، يليقُ بمحتواه، جعل من هذا الكتاب الموسوعيّ الشامل عملا فاتنا يليق بكنز عربيّ عزَّ نظيرُه اسمُه: التراثُ الرحبانيّ.
تم نشرها في جريدة "اليوم السابع" المصرية بتاريخ 2 ديسمبر
وهذا رابطها على موقع الجريدة على الشبكة
http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=54924&SecID=160&IssueID=33