كتاب يسدّ نقصاً كبيراً

عطية مسوح قرأها 1,246
  

كتاب يسدّ نقصاً كبيراً

عطية مسّوح   

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتجربته الاشتراكية، كُتب الكثير الكثير في العالم كله، حول أسباب ذلك الانهيار القريبة والبعيدة، وتنوّعت التحليلات والآراء، التي شارك فيها أوسع طيف من الباحثين، من يسار ويمين، ومن اشتراكيين ورأسماليين، ومن دينيين وملحدين وعلمانيين، ومن دعاة تحرّر وتقدم وتجديد إلى محافظين ومتشدّدين وأصوليين. وكان ثمة أسئلة تطرح طرحاً مباشراً حيناً، وغير مباشر حيناً آخر، وهو: ألم يكن الشيوعيون في قيادات الأحزاب العالمية والماركسيون المؤيدون للنظام السوفييتي، يدركون حجم الأخطاء التي تئن تحت ثقلها تلك التجربة الاشتراكية؟ هل كانت تلك الأخطاء خفية حتى على القادة الذين تعرفوا على تلك التجربة بعمومياتها وتفصيلاتها؟ ألم يكن داخل الاتحاد السوفييتي وحزبه رجال إصلاح يستطيعون أن يكشفوا الأخطاء ويدلّوا على طرق معالجتها؟

ثم: هل كان معارضو النظام السوفييتي كلهم رجعيين ودعاة رأسمالية؟ ألم يكن بينهم اشتراكيون وماركسيون وديمقراطيون؟

منطقياً، لا يمكن أن تخلو الساحة السوفييتية من معارضين اشتراكيين وماركسيين، ولا يمكن للحزب صاحب الخبرة والتجربة، صانع ثورة أكتوبر، أن يخلو من معارضين مخلصين، ذوي معرفة وشجاعة. وإذا كان النظام اعتمد، ولا سيما في عهد ستالين، على قمع مخالفي القيادة والقائد، وطمس آرائهم، و(تطهير) الحزب منهم، فإن الأمر لا يمكن أن ينتهي بذلك، والحياة تولّد المعارضين كل يوم، والخطأ لا بد أن يفرز نقيضاً له في عقول الناس وضمائرهم ومن ثم في سلوكهم.

لكن أين كانت تلك المعارضة؟ وهل طغت المعارضة الرجعية، القائمة على التعصب الديني أو القومي، أو معارضة دعاة عودة الرأسمالية، على أصوات المعارضة الاشتراكية الإصلاحية التي تريد تصحيح الاعوجاج من أجل نجاح التجربة الاشتراكية؟

يحاول مترجم كتاب (الإصلاح والدولة البيروقراطية) الأستاذ عدنان بدر حلو أن يجيب عن ذلك، في مقدمة الكتاب، قائلاً: (كانت هناك معارضتان لتلك الأنظمة الاشتراكية البيروقراطية الديكتاتورية: معارضة يمينية، تتخذ من التشهير مادة ووسيلة لتصفية التجربة الاشتراكية بالكامل. ومعارضة يسارية ديمقراطية تتصدى لمساوئ البيروقراطية الاستبدادية من أجل إنقاذ التجربة الاشتراكية وتطويرها وحمايتها.

وأغرب مافي الأمر هو أن الأنظمة والأحزاب الاشتراكية التي كانت حاكمة كانت تعادي المعارضة الثانية أكثر بكثير من معاداتها للمعارضة الأولى. (وقد قام الأستاذ عدنان بدر حلو بعمل جليل حين جمع عدداً من الأبحاث التي كتبها معارضان سوفييتيان ماركسيان وشيوعيان هما جوريس ميدفيديف وروي ميدفيديف منذ بدايات سبعينيات القرن العشرين، وتجاوب معها شيوعيون ويساريون في أوربا الغربية، فناقشوها وعلّقوا عليها وكتبوا رؤاهم المختلفة للنظام السوفييتي ومستقبله، من منطلقات الحرص على الاشتراكية. وترجم الأستاذ عدنان تلك الأبحاث وأصدرها في الكتاب الذي ذكرنا عنوانه. ليضيء بذلك جانباً كان شبه خفيّ على القارئ العربي.

شارك في التعليق على آراء روي وجوريس ميدفيديف ماركسيون من تيارات متنوعة، فمنهم شيوعيون اختلفوا مع السياسات الرسمية لأحزابهم، مثل فرانز ماريك النمساوي، وروجيه بانكان الفرنسي، ومنهم الباحثون الماركسيون مثل إدوارد طومسون الإنكليزي، ومنهم التروتسكيون مثل إيفان كرايبو، وكانوا جميعاً يتناولون النظام السوفييتي بالنقد، لا من موقع الداعية الرأسمالي، بل من موقع الاشتراكي المخلص.

وعلى سبيل المثال، فإن الباحث والإعلامي التشيكي جيري بيليكان، قال موضحاً طبيعة المعارضة الاشتراكية في بلاده: (المعارضة الاشتراكية ليس هدفها استعادة النظام الرأسمالي، بل إصلاح وتطوير طبيعة الدولة البيروقراطية المركزية القائمة إلى دولة اشتراكية حقّه توفر حريات واسعة).

وقال في تعليقه على احتلال تشيكوسلوفاكيا عام 1968 وقمع ما عرف بربيع براغ: (لقد شكل القضاء على ربيع براغ ضربة قوية جداً لحركة إحياء الاشتراكية، ليس في تشيكوسلوفاكيا فقط، بل في البلدان الاشتراكية الأخرى أيضاً، مما عزّز قوى الجمود العقائدي).

أما الماركسي اليوغسلافي ميخائيل ماركوفيتش، فيشير إلى موقف القيادات الحاكمة اللاجم لدور الجماهير الحقيقي والفعال، مؤكداً ضرورة فتح كل القنوات المؤدية إلى تعاظم الحركة الجماهيرية، لأن هذا هو طريق الاشتراكية الحقيقية: (بعد الإطاحة الناجحة بالسلطة السياسية البرجوازية، يقود طريق الاشتراكية عبر جهود جماهيرية متواصلة وثقافة جديدة وطريقة حياة جديدة، إلى زيادة المشاركة على كل المستويات الاجتماعية، من أجل التصفية التدريجية لبقايا المظالم القديمة والامتيازات البيروقراطية الجديدة، وخلق شبكة كاملة من مؤسسات الحكم الذاتي وتنظيمات المنتجين التي تميل إلى الحلول محل الدولة في وظائف التنسيق والتوجيه).

كما يشير إلى ضرورة ابتعاد المثقفين الماركسيين عن مستنقع التصفيق والتهليل لكل ما تقوم به القيادات قائلاً: (إن المثقفين الماركسيين يفشلون كلياً عندما يصبحون خدماً عقائديين للنخبة الحاكمة).

أما المادتان الرئيستان في الكتاب فهما المقابلة الصحفية التي أجرتها مجلة (اليسار الجديد) مع جوريس ميدفيديف عام 1979 ـ وهو شيوعي وباحث ماركسي وعالم في مجال علم الأحياء ـ عرض فيها آراءه في أوضاع القيادة السوفييتية وممارساتها في عهود ستالين وخروتشوف وبريجينف. والمقالة التي كتبها روي ميدفيديف عام 1973 بعنوان (مشكلات الانفتاح الديمقراطي والوفاق الدولي) ـ وروي هو مفكر ومؤرخ ماركسي معروف ـ وهي التي أرسلت إلى المفكرين الماركسيين الغربيين ونوقشت كما أشرنا. أما الفصل الختامي في الكتاب فهو تعقيب روي ميدفيديف على المناقشات، وهو فصل هام يحمل استخلاصات جدية.

الكتاب فريد من نوعه. وهو جدير بالقراءة المتأنية.

الكتاب: الإصلاح والدولة البيروقراطية.

المترجم: عدنان بدر حلو

الناشر: مركز الغد العربي للدراسات ـ دمشق ـ 2006.