الخلاص في المسرح الرحباني

أمل ديبو قرأها 858
 

في ثلاثية الإبداع الرحباني، يتناوب على اختلاف الوهج التماعُ النغم الموسيقي تارةً، وألقُ الكلمة الشعرية طوراً، فيعلو النفَس المسرحي ليحتضنَ اللحن والقصيدة معاً.

قلّما تخلو أغنيةٌ من مشهد مسرحي، واللّحن عند الرحبانيَّين مُمَسرح تصل معانيه بشحناتها وتأثيراتها حتى من غير كلام. النفَس المسرحي قاعدة الأعمال الرحبانية، يَمُدّها بنسغٍ حيويٍّ آتٍ من قلب الإنسانيّة، صاعدٍ إلى ما وراء مَحدوديتها، إلى إنسان مطلق من عقالاتها، ساكنٍ أرضَ الحلم، واصلٍ إلى الخلاص.

بين قلب الإنسانية ومَحدوديتها وآلامها وأرض السماوات المطلقة، يقف الإنسان لكنّه يسقط، يتوثّب لكنّه يهبط، يتخبّط ويتمرّغ في الأوحال الدُّونية لكنّ عينيه أبداً إلى فوق. إنه سيزيف مَحكوماً إلى اللانهاية بتكرار محاولة الخلاص من أرض العبودية.هوذا قدرُ الإنسان، الكائن الوحيد الذي يعي أنه من تراب ومن نور، يتجاذبه قطبان: إلهّي وحيواني، يحلو له القطب الأول والقطب الآخر تناوُباً أو تزامُناً، تَمازُجاً أو تَبايُناً، تؤرقه هذه الازدواجيّة، يلهو هرباً من المواجهة، أو يواجه فيلقى مصرعه. الأساطير، الشعر، الروايات الدينية، الوقائع البشرية، جميعُها مشْبَعَةٌ بهذه الازدواجية، كأن في الصراع بين قطبيها كلَّ ديناميّة الحياة والإبداع ومفتاح الخلاص.

تحضرني هنا صورتان:

الأولى: صورة كائن أُسطوري نصفُه الأسفل ثور أو حصان بقائمتين خلفيتين، والنصف الأعلى إنسان (في بعض الروايات) تمسك يداه بحربة تحاولان بواسطتها التخلّص من النصف السفلي للقضاء على حيوانيته، وهو مجمَّدٌ أبداً في هذه الحركة.

الصورة الأُخرى: رسمها جبران بإنسان مجنّحٍ، رجلاه مقيَّدَتان بسلاسل من حديد، معلّق في الهواء، ممدّد يواجه الناظر اليه كأنه يقول: "هذا هو الإنسان" (كلام بيلاطس حين عاين مأساة القدر البشري مجسّدة في شخص المسيح المعلّق بين صمت الألوهة البليغ وصراخ الناس الطالبين له الموت في عبوديتهم).

الرحبانيان خَلَقَا لهذه المأساة تجسيداً فنياً في وجوه عديدة ملتحفة بالرمز والشاعرية، كشفه منصور في "... وقام في اليوم الثالث"، بمشاهد واستشهادات حرفية للإله الذي تجسّد وابتلع حيوانية الإنسان في داخله مسمّراً إياها على الصليب.

"في قلب كل إنسان يتصارع الخير والشّر أو يتلازمان". هذه هي ميزة العمل الرحباني في عمق أعماقه. والرحبانيان ملتزمان مبدأ الخير، يسعيان للتعبير عنه، أي لعبوره من عالم الحق (العالم العلويّ) إلى الطبقات الدنيا، دنيانا، ليخلّصها من براثن الشّر. ويتمّ لديهما هذا العبور عبر مسرحيات ترتدي أبهى حلل الجمال الفنيّ اللائق بالخير والحق في اجتماعهما.

وفي هذا العبور غُربةٌ، هي غربةُ الكائن العلوي في "الأرض اليباب"، غربة "الأمير الصغير" الهابط من كوكبه السماوي إلى صحراء الارض (أنطوان ده سانت إكزوپِّري)، غربة الإنسان عن إنسانيته الحقّة. ذاقها اللبنانيون مثلثةً في هجرتهم الأولى من القرية إلى المدينة، من لبنان إلى الْمَهَاجر، من الوطن المثالي الروحاني إلى حضارة المادة المستفحلة. وهي أيضاً مأساة الرومنطيّين في أوروبا (غوته، شيللّي، بايرون، شاتوبريان، ده فينيي، ده موسّيه، لامرتين،...) وهي كذلك غربة المتصوفة عن المعشوق الإلهي، غربة الملوك الذين "تجتمع فيهم أحزان الناس" (ملكة بترا وزنوبيا)، وغربة الشعراء والأنبياء (المتنبي) وغربة الفلاسفة (سقراط)، هؤلاء الذين أتوا إلى البشر كي يخلّصوهم من العبودية والجهل، لكنّ البشر في جهلهم وحيوانيتهم لم يقبلوهم، لذا جاؤوا من العلى فلم يعرفوا للخلاص سبيلاً سوى الموت.

ولكن... مقابل هذا التغرّب، لا بدّ من عودة: إمّا إلى حضن القرية السعيدة والوئام والصلح والتناغم مع جمال الخليقة الأولى حيث الهناء والتوازن والانسجام مع الحقيقة الكونية (المسرحيات التي تتوّج فرحاً بانتصار الحق والخير) وإمّا إلى الموت وهو خلاص البطل من عقالات الشّر والقبضة الحيوانية، وعودته إلى حضن العالم العلوي تاركاً روحه في ثنايا أضلع الذين تناولوها من جسده الضحية حياة لأرواحهم.

إذاً ليس الموت نهايةً إلاّ للجسد. إنه بداية الرمز، بداية الأسطورة، بداية الحكاية، مفتاح المسرحيات عند الرحبانيين، لا يخافه المتنبي ولا سقراط، لا تخافه "غربة" التي تقول "الشماتة أصعب من الموت". وهؤلاء مصلوبون جميعاً كذاك الذي "أتى من فوق، تأنسن وعلّق على خشبة وصُلب عنّا... وقام في اليوم الثالث... كي تكون للذين قبلوه حياةٌ، وتكون حياة أفضل". كل مسرح عظيم ينعقد على المأساة الوجودية، على هذا الصراع الدهري بين المطلق والمحدود، بين المثال والمادة، بين الكلمة الفكر والمنفعة المادية. أتكون النهاية في ضيق القبر وعتمته وصقيع ترابه؟ مقابل ذلك نرى الخير المطلق يأبى أن يسلّم الإنسان إلى هذه النهاية فيُزوّده بالحلم ويلهبه بالشغف، ويُحرقه بالشوق، ويَعده بآخرة أفضل من الأولى، بحياة في المطلق لا ينال منها الشّر. هكذا، بالوعي وحده يتميّز ابن البشر عن سائر الحيوانات. سقراط يعرف الحق والحق يحرره من الخوف من الموت، يتجرّع كأس الموت بفعل إرادته الخاضعة للحق، لصوت الضمير، لحب الجمال: المعرفة الحقّة أن تعرف الخير فتتحرّر من الجهل، من الخوف، من عبودية الأهواء الحيوانية، من الأنا القاتلةِ الآخرين". عظمة الـ"أنا" في المسرح الرحباني أنها بالحب تغدو "نحن" فتصير حنطة يتغذّى بها كثيرون، وتشهد للحق مكتوباً في الطبيعة بإصبع الخالق. الطبيعة الكونية عند الرحبانيين في توازنها، عدالتها، فصولها، عطائها، سلامها، هي تجسيد الألوهيّة قبل السقطة، والسقطة هي القضية. في كل مسرحيّة وجهٌ من وجوه هذه القضية: سقط الإنسان من الملكوت الأعلى، وعلى الأرض تدبّ الأفاعي توسوس في أذني قلبه، أَنْ: كُنْ إلهاً فاتكاً، متسلّطاً، ظالماً، مقتدراً، متمنطقاً بالقوّة، وابطش فأنت مقتدر.

إنها "أزاهير الشّر" المتوهجة التي "بروقها خلّب" (كما وصف ميخائيل نعيمة أضواء الحضارة المادية). أن تعرف خلابتها وترفضها مُخالفاً قطيع العميان السائرين وراء القوة المادية السلطة والمال، أن تقف في وجه الشّر، هي معرفة مكلفة جداً لأنها تتطلّب الصمود ("جبال الصوان")، وتفرض محاربة المغتصب ("صيف 840"):

يا بتوصل على الموت             يا بتوصل عَ الحريّه

قد يبدو في هذا الكلام تضادٌّ بين الموت والحريّة. لكن الموت، في عمق النفَس الرحباني، هو أيضاً حريّة، لا بمعنى الانعتاق من أوزار الجسد بل بمعنى انطلاق الروح الشاهدة على الحق ودخولها في قلوب الأحياء الباقين. هذا الموت فداء، والفداء حياة وحريّة للذين صمدوا:

كتار؟ قلال؟ نكون... شو هَمّ... منكمّل باللي بقيو...

أؤسس على كلامي هذا، نظاماً قاعدياً تقوم عليه مسرحيات الرحبانيَّين، لأصل إلى أن المسرح الرحباني هو الساحة العامة (Agora)، فيها تنطرح هموم الناس وأوجاعهم، مطامحُ الحكام، جشع الطامعين، بطش الظالمين، ومخاوف الناس ومقاومة الطيبين. على المسرح يحصل الصدام، ويحصل أيضاً في قلب كل واحد على المسرح. من هنا أنّ عبقرية عاصي ومنصور كشفت المأزق على مستويين متلازمين: مستوى المسرح (تتوزع عليه أدوار الشّر والخير بين الأشخاص) ومستوى قلب كل إنسان (تتصارع فيه قوى الخير والشّر).

المسرحية مجال البحث عن الخلاص من هذا المأزق. والفن مجال حريّة يبدع الْمَخرَج من هذا المأزق. لا بدّ من اختيار النهاية، فلا بدّ للمسرحية من أن تنتهي. سأتكئ على كتاب مفيد مسّوح ("جماليات الإبداع الرحباني") وما جاء فيه من تأكيد على وفاء هذا العمل للعبقرية الرحبانية (كما قال عنه منصور الرحباني)، ولأنه "أوصَلَ الرسالة بأمانة" (كما قال عنه الشاعر والأديب هنري زغيب في شهادته لهذا العمل بالقيمة العظيمة والمتعة الرفيعة الراقية في دراسة أعمال الرحبانيين)، وأيضًا لارتياحي إلى ما لمسته من جدية وعمق في استنباط كافة المسرحيات التي وضعها الأخوان وأتابع وحدي الغوص في أعمال منصور ولملمة ما استطعت من شواهدها.

يلبس المأزق الوجودي عند الرحبانيين وجوهاً عديدةً تتنوّع بتنوع واقع البشر والوقائع التي يعيشونها. كل من وُلِدَ لا محالة واقع في هذا المأزق، مأزق الصراع بين الخير والشّر. قدر الإنسان أن يدخل في هذا الصراع، يوقظه الألم، يُمزّق الحجب عن عينيه، يثور فيه نبض حريّةٍ لولاها لا كان فنّ، ولا كانت مسرحية، ولا كان للحياة قيمة بها يشارك الإنسان خالقه في كتابة فصول مصيره.

في كل مسرحيةٍ قضيةٌ هي وجهٌ من وجوه مأزقٍ يرتدي لعبة فنيّة، موضوعاً معيّناً في زمن معيّن: واقعي ("صيف 840"، "پـترا"، "إيام فخر الدين"، "زنوبيا") أو في إطار رمزي ("جبال الصوّان"، "الشخص"، "جسر القمر") أو وهميّ ("المحطة"، "هالة والملك"، ...).

العملية المسرحيّة مواجهة بين قوى الشّر والخير الملاصق لها، يتواجهان على مسافة تروح تضيق مع تطوّر الأحداث المسرحيّة، ويتصاعد الاحتدام من المواجهة إلى الاشتباك إلى المجابهة فالقتال حتى الخلاص. الخلاص هو النهاية، نهاية المسرحيّة وبدء رحلة رسالتها في قلوب المشاهدين وعقولهم. وفيما أكتب هذه السطور فهمتُ قيمة استعمالنا في اللغة العامية كلمة "خلص" نعني بها "انتهى" أي وصل إلى الذروة وانتفى الصراع.

وفيما تتوزّع الأدوار بين الأشرار وناس الخير بمهارة فنيّة تُبرز الجوهر بدقّة القول والحركة وصفاء الصورة، تتدخّل العبقرية الرحبانية للتمييز بين الشّر وحامله فتمقت الشّر وترحم الشّرير. وتذهب أبعد: حين تجعل الشّرير المنبوذ هو نفسه المخلّص. فلا نكاد نقسو على المجرم حتى يلمس الرحبانيان قلبه بعصا الحب السحريّة لتكشف عمّا في قلبه من خير غاب تحت وطأة شّر استفحل فيه. الخاطىء مرحوم والضحية فادٍ. هذه عبقرية الرحبانيين تتجلى في "الليل والقنديل":

الهيئة يا منتورَه            إنتو بميل ونحنا بميل

إنتو بياعين الضو           ونحنا بياعين الليل

ما منسمح قنديلكن   يشرّدنا يغيّبنا

إذا تعلّق رح نطفيه  شو منعمل؟ قدرنا

المواجهة صلبة، القدر متربّص، ليس من نور ولا خلاص. والاحتدام بلغ ذروته لدى صاحب العتمة هَولو:

شو بدكن فيّي        ت تودو الضو علييّ

بدي كسّر هالقنديل   بإيديي، بتمّي، بعينيّي

ويواجه صوت منتورة التي كانت آوته في خيمتها أول طريق غربته:

وقِّف يا هولو عندك لفتة مكسورَه

بين القنديل وبينك    قصة منتورَه

لم ينسَ جميل فعلها، وعلى الفور يجيبها:

يا منتورَه

صوتِك شو بيعمل فييّ       بيأمرني بيسحرني بيطربني

مدري لوين بياخدني

لكن هذه النشوة لا تكفي، ولن ينغلب الشّر من الجولة الأولى. يواصل هولو وخاطر خطّتهما فيسرقان كيس الغلّة وتطفئ منتورة القنديل الكبير وتنسحب لتتوارى خلف حزنها، فلن يكون عيدٌ بعد سرقة مال الأهالي في كيس كان في عهدتها ويعبّر الناس عن انكسارهم وخيبتهم.

كيف عتّمت هالأرض              بس انطفا القنديل

ومتل اللّي طاف البغض            وتجرحو مواويل

الصراع هنا لم يعد بين أهالي الخير وناس العتمة، بل انتقل إلى قلب هولو بين البغض والحب. الخلاص في يده: يلعب قدره فإمّا أن يصغي لما أثاره فيه صوت منتورة وحمايتها إياه من قبل، أو أن يستسلم لقدر إجرامي استعبده حتى اللحظة. يأخذ مصيره بيده ويظهر على الأهالي:

لا حدا يقرّب... بدي إحكي القصَّه:

من فوق، من مْطلّ العتمِه

إقشع هالخيمة مضوايِه

وأعرف منتورة فرحانة وصوتا يحكي

ولما تطلعت من شويِّه

ولقيت الخيمِه مطفيِّه

تْهيألي زعلت منتورَه وبدّا تبكي

لا يا منتورة لا تفلّي

رح رجِّعلك كيس الغلِّه

وضليّ بِهالخيمِه ضلّي

وأصحي تفلّي

من هو المخلّص؟ المفعم بالإجرام في لفتة حنان، في حركة حب، غدا مخلّصاً بتر نصفه الهجومي الشّرير وانحنى لرضى تلك التي بِصَمْتٍ أحبّته، وبالحب خلّصته، فغدا بدوره مخلصاً الأهالي من شرّه وخلّص نفسه منه.

في "بياع الخواتم"، علّة المأزق كذبةٌ اخترعها المختار ليمّتن ثقة الناس بقدرته وسلطانه. يضرم نار الخوف من شرّ متربّص بأهل القرية، متجسّد بشخص وهمي أعطاه اسم "راجح". تعظم الكذبة، وتفرض العبقرية المسرحيّة وجود راجح "من لحم ودم" و "إلو إم وبيّ وعندو تلات اوْلاد". يدبّ الرعب في قلوب الأهالي إلى أن تنقشع الكذبة وتزول الازدواجية بين الشخصية الوهمية والشخصية الحقيقية لاسم واحد:

"يا جماعة اشكروا الله اللي إجا راجح المليح

وراجح المعتم أخدتو الريح".

من خلّص القرية من رعب كان يثيره راجح المعتم؟ ومن خلّص المختار من أوهامه بقدرته وإيهامه الأهالي بخطورة راجح يتربّص بهم؟ أنها الصبيّة التي تتابع بنفسها تطورات الكذبة، وتذهب بها إلى نهايتها حتى التخلّص منها. أنه قدرها لكنّها تختاره بوعي وإرادة: أن تكون ضحية الكذبة لتفتدي في الواقع أوهام الحيلة:

يا خالي... اخترعنا الكذبِه                وجايي تَ تاخدني الكذبِه

ما بيسوى إلاّ مَ إقبل                     حتى تضلّ الكذبِه كذبِه

في المسرحيتين الملحميتين "أيام فخر الدين" و"جبال الصوّان"، ساحة الصراع هي قلب الوطن، تتجابه فيه المثُل العليا الوطنية مع المساواة النفعية.

الفادي، الأمير فخر الدين، حسم أمره وأفرغ ذاته ليسكنه الوطن:

أنا شو بيهِمّ بقيت أو ما بقيت... هوي بيبقى

إذا اتّبعنا الازدواجية الفنيّة التي يعوّل عليه الرحبانيان لإبراز غنى شخصياتهم المسرحيّة، نرى في شخصية فخر الدين الفخر والتواضع متلازمَين، والعظمة والتواري متلازمين: "هلّق المفاوضَه صارت عليّي أنا". الخلاص الذي يحمله فخرالدين لشعب لبنان هو في التنازل عن السلطة بشرط وكرامة توخياً لحماية البلد من حرب طاحنة.

بوعي وحكمة وتفانٍ يعرف حدود المهمة التي أتى من أجلها.

انزرعت الأراضي، عليت الجسورَه

فإذاً صار بقدر روح...

أنا شو أنا شو بيهِمّ بقيت أو ما بقيت... هوي بيبقى

ما بدنا نهبّط يَلّي عمرناه          واللي بدنا نقولو قلناه

وعرفو بإنو لبنان كان وصار وبدّو يبقى!

لبنان انبنى...

وهلّق المفاوضَه صارت عليّي أنا

وتسأل "عطر الليل:

معقول تكون النهاية؟؟ هيك بيخلصو الأبطال!!!

يجبيها الشيخ خاطر:

بيخلصو الأبطال            وقصصهن ما بتخلص

بتضلّ القنديل               اللي مضويّ بالبال

لا ازدواجية في قلب الأمير فخر الدين. حسم أمره، لكنّه بتواضعه يجعل البطولة في آخر أيامه مزدوجة يتقاسمها مع "عطر الليل" التي استقبلته بهدية السيف:

قاطع مثل العدل، محني متل التواضع، وبْحَدوّ الفاصل بتخلّص لبنان

شاءت العبقرية المسرحيّة عند الرحبانيين أن يجعلا البطولة تتعدّى الشجاعة والقدرة والتفاني إلى موضع أرقى، فتوّجتْها بالتواضع، بتواضع الأمير العظيم يصغي إلى صوت الصبيّة تغني كلاماً يتقيّد به. ويفعّل التواضع:

كل واحد يا بنتي منّا إلو دور

أنا دوري بدّو يظهر بكرا بيذكرني التاريخ

بالمليح بالوحيش بدّو يذكرني التاريخ

لكن إنت دورك مخفي

ويمكن ما يذكرك حدا

ولا يكتب عنّك حدا

أنا بسيفي بحرر هالمناطق وبحقق لبنان

وإنتي بالغنيِّه بتخلّيلو اسمو يزهّر وينْما كان

روحي بهالطرقات فوتي ع البيوت

ضلّي عنو غني وغيرك خلّيه يغني

ومتى الكل صارو يغنّوه

بيصيرو يحبّوه ويريدوه

وبيصير هوّي الغنّيّه

وإذا يا عطر الليل صار ما صار وانكسر السيف

بتكمّل الغنيِّه

وجهان لعملة واحدة: العزم والفن، بطولة مزدوجة، بطلا المسرحيّة: هو مخلّص الواقع، وهي المخلّصة بالفن.

في مقابل تفاني الأمير ونكرانه ذاته، الأميرة منتهى هي الأنانية بذاتها:

الوطن أنا... ومني بتبدا الدني

وإذا أنا ما كنت، ما فيه وطن

كيف تواجه "عطر الليل" الشّر المعشش في قلب الأميرة المستبدّة؟ تقدم "عطر الليل" للأميرة أزهاراً. تسألها الأميرة ماذا في الباقة غير الزهور، تجيب "عطر الليل" برقّة مجبولة بالحب الموقظ الضمير، بخفر، بوجع، بتردّد وبصورة شعرية مؤثرة:

يا ريت فيّي خبرك

بحب إني قول شي

بس بفزع للكلام يجرّح اللي بحس فيه

وبسألك:
ان جينا تَ نكتب إسمنا بحبر العتم

وغرقت بلدنا بالعتم

شالك النقي... بيضلّو نقي؟

يحمل هذا الكلام الأميرة على مراجعة نفسها حيرى بأمرها:

يا ترى إيدييّ ارتكبو خطيِّه؟ يا ترى تميّ حكي اللي ما بينحكى؟

في المسرحيّة الملحمية الثانية "جبال الصوّان"، الأهالي صرعى الخوف بعد أن مات "مدلج" وهو يقاوم عند البوابة. تعود ابنته من غربتها لتنفض عن الأهالي شبح اليأس والوهن والذّل. هي مخلّص يأتي من خارج الواقع الحاضر. هي "غربة"، والاسم ذو دلالة. تأتي من الماضي، من المستحيل، كأنها تهبط من فوق، من العالم الخلاصي، هي رمز العنفوان، تتحدّى الخوف، تثور على الظالم، تحمل الأمل الانتفاضة، وفي الوقت نفسه تأتي لتموت كما والدها، دفاعاً عن الناس الطيبين، وكوالدها تموت فداءً عنهم.

غربِه:

لَمّا صار الوقت

صرّخلي التراب

صرّخولي الناس

ندهتلي البيوت وجيت

جايي خلّص الأرض

الناس:

رجعت غربِه

اللي ربْيِتْ    بالغربِه

تَ تخلّصنا من هالغربِه

مرة أخرى يتجسّد الخلاص في امرأةٍ وارثةٍ مجد الفداء من والدها، وبكلام الرحبانيين "مرصودة للدفاع عن الحق":

التاج عَ راسا والندر بعيونا

ومكتوب عَ جبينا قصة البوّابِه

هالة القدسية تحيط بها، والقدرة على إيقاظ الأمل واستنهاض الهمم لن تحميها من الموت لأنها به ستُتَوِّج رسالتها الخلاصية. هي جسر يعبرون عليه من اليأس إلى الأمل، يدوسون به الخوف. تتحدّى الموت لأنها لم تعد فرداً تتماهى مع الذين جنوا ثمار تضحية الذين سبقوا فحوّلوا الموت حياة:

بيعتقلو كتير بيبقى كتير

وباللّي بيبقو رح منكمّل

غمر الطوفان الأرض، رجعوها اللي بقيو

هدمت الحروب المدن، عمّروها اللي بقيو

استعبدو الظلام الأرض، حرروها اللي بقيو

بدنا نكمّل المشوار

كتار؟ قلال؟ يكون، شو هَمّ، منكمّل باللي بقيو

في هذه المسرحيّة الملحمية تتجلّى عبقرية الرحبانيين بتصوير المخلص امرأة مقابل استبداد الرجل بالسلطة القاهرة: كاهنة تحمل الندر، تتأبط قدرها وهي "على اسم النعمة مرصودة" وبالنعمة هذه تمشي إلى النهاية ("هيك بيخلَصو الأبطال")، إلى الموت الجسدي الذي يغلب العتمة في قلوب "اللي بيبقو".

تمشي غربة بخطى واثقة إلى البوابة رمز الفداء:

أنا غربِه بنت مدلج

مطرح ما وقف بيّي

بوقف عَ البوابِه حتى أوفي الندر

كيف يُثمر الموت خلاصاً؟ يأتي الجواب على لسان فاتك المتسلّط:

قتلنا البيّ، قتلنا البنت، وعبَث

شو بدّنا نقتل تَ نقتل؟

ما بقى رح تخلص القصَّه

اوْلاد مدلج

إخوة غربِه عميخلقو كل يوم !!!

يتحوّل موت البطل حياة حين يستلم الناس موته حياة ويتابعون الرسالة. من غير ذلك يكون موت البطل انتحاراً. الخلاص لا يتّم إلاّ إذا أزهر قي قلوب المخلصين، ونسمعهم يزغردون وهم يحملون جثمانها:

مجد العروس غمر الأرض

والطاغي هرب من صوتا

تاجا عِلي، تاجو انكسر،

والقوي وقع بالهزيمِه

للعروس المجلِيِّه    

بالطرحة الملَكِيِّه

بالفستان الأبيض

وزهور الدم، قولو إي ويييييها!

وصورة المخلص الفادي دخلت الشعر العربي من لبنان الخمسينات والستينات، تموزاً، أدونيساً، مسيحاً يُصلب، يموت، ويقول على لسان الشاعر العراقي بدر شاكر السياب: "متّ لكي يؤكل الخبز باسمي".

لكن الأهالي ليسوا بالضرورة صفاً واحداً. يتوزّع الشّر والخير بين الناس.  يفرّق بينهم. تندسّ الخيانة في صفوفهم.

في "صيف 840" يتصدّى منصور لهذه القضية، يجذّرها في وقائع تاريخية يُلبسها رداء فنياً متقناً. يسهر على شاعريتها ممهورة بتراجيديا واقع لبناني شلّعته حرب كانت مضت عليها اثنتا عشرة سنة حين كتب منصور المسرحية عام 1987.

رمز المواجهة "ميرا" بنت الاقطاع، لكن حبيبها "سيف البحر" من "شعب التعاسة" قضيّته "خلاص البلد" من المغتصبين بالفساد والرشوة والتفرقة. المقاومون هم أهل "العاميّة" (عامية أنطلياس - انعقدت في 7 حزيران 1840 على قسم اللبنانيين من كل الطوائف أن يبقوا واحداً ويدحضوا الخيانة).

تسأل ميرا إذ فتح الحب عيني قلبها:

والخبز اللّي معنا           هيدا مال الناس

والخبز اللّي بمعجنّا  هيدا خبز الناس

تتحوّل ميرا من فضاوة بال بنت الاقطاعي إلى مقاتلة في صفوف العاميّة، حبُّها المخلّص وما يجسّده يُضرم فيها الإحساس الوطني الصافي. "سيف البحر" مقاتل لكنه لا يستكين في المعركة من أجل الحرية الكاملة عند إنجاز محدّد ومحصور، وعيناه أبداً على فضاء للحرية أوسع:

نحنا شعب زغير            بيحب الحريِّه

حاربنا ساعدتونا            وربحت العامية

ليش يروح ابراهيم باشا ويرجعوا العثمانيِّه     

لو كلّن بيروحو             وما بيبقى غربيِّه

لا يتوقّف البطل المخلّص عند الربح الذي أحرزته العامية. يذهب إلى نجاز الانتصار، إلى نيل الحريّة: انتصرت العامية بوحدتها لكن مطلب الحريّة برفع يد الغريب لم يتحقق. يقول الإنكليزي: "ساعدناكم ع أساس يرجعو العثمانيين. هيدا مطلب العامية". لا يقبل "سيف البحر": "يعني انتقلنا من عبودية لعبودية" عيناه على الحريّة يتابع وحيداً حتى النهاية: "مع هيك زعما بعدو فجر الوطن بعيد. الظاهر لازمنا شي مية عامية تَ نوصل للخلاص... قولو لكل اللّي احتلو أرض غيرُن وبدُّن يعملوها أرضُن، عمبيزوّرو التاريخ قدّام عيون العالم اللّي ساكت عن هالجريمة. اعطوني علم الثورة: رفعت الرايِه وبدّي قاتل، وحدي ومش رح تنزل من إيدي إلاّ ما نتحرّر".

المخلّص يطارد المستحيل، يرفض المساومة حيث الناس يقبلون بالحلول المهدّئة يقبلون بالتفاوض. والد "ميرا" واحد منهم، يقع في الضعف أمام حامي الديار، لكنّه أيضاً المحتل الجديد. ينشله من ضعفه صوت الحق المحرر بقول شيخ الضيعة: "الدولِه اللّي بيحموها أغراب مرهونِه للأغراب". ويسمع من المستر وود فرض القبول والطاعة ويرى معه حلم الحريّة الموعودة يبتعد. يشعر بالموت النفسي يطقطق عطشاً في حنجرته يطلب "حدا يسقي شربة مي"، تحضنه "ميرا" ابنته يعترف: "ربحو هني" يطلب منها الابريق! وبدل أن تقسو عليه في ضعفه، تتوثب الرحمة في قلم منصور وعلى لسان "ميرا" (كما كان على لسان "ريما" بنت إخت المختار في "بياع الخواتم") لتغلب الشّر وتغلّب الطيبة:

قديشَك حلو يا بيّي إنت ومكسور

يمكن لو نلتقي إنت وربحان كنت قتَلْتْني

الانكسار بيرجّع للطيبِه

ويتناوبان على تأكيد هذا القول: "بالنهايِه كل الناس مكسورين، وكل الناس طيّبين".

مأزق ازدواجية الشّر والخير في قلب الإنسان الواحد لا يسلم منها أحد وبخاصة الملوك. مملكة بترا ليست من عالم الرومان، كما لم تكن مملكة الناصري من هذا العالم:

مملكتي أنا قنديل المظلومين

والنجمِه الوحيدِه السهرانِه  بِلَيل الشّرق الحزين

في أرض الطمع النيروني فشل الرومان في مواجهة صلابة ملكة "بترا". لجأوا إلى الحيلة بها اختطفوا طفلتها "بترا". لكن الملكة ليست أماً لطفلتها فحسب، هي أمينة على خوف الناس، تجعلها ملوكيتها أمّاً للناس. إنها رسالة الملك "الملوك كالبحيرات بتِتْجمَّع فيها أحزان الكل وهموم الكل". ملكة بترا لا تفاوض، لا تساوم، وتدفع ثمن حريّة مملكتها دمَ ابنتها ثمن الخلاص.

"بِحرب الكبار شو ذنب الطفولِه؟ شو ذنب الضحكات الخجولِه"؟

سوى أنها تفضح الشّر في روما:

"روما يا وحش الحضارَه الـ ما بيشبع

بترا مش رح تركع!

إنتو الحرب، العدد، القوِّه

نهر العسكر، نبع الخيل

نحنا الحق ودمع الناس

وأمل الناس

والحريِّه وغناني الأجيال

وضحكات الأطفال".

لكن بين ناس القوة والجبروت، من يعيش في داخله صراع الخير والشّر، ومرة أخرى تظهر الرحمة الرحبانية في التفاتة سريعة إلى شخصية ثانوية تبرز هي أيضاً هذا الصراع. في قلب خاطف الطفلة "لايوس" تردّد: "خطف بنت زغيرِه والمساومِه عليها، لعبِه ما فيها شرف. من شوي سألتْني إذا بالحرب فيه شرف. هلّق رح جاوبك: نعم، فيه شرف الحرب وفيه شرف الموت، إنك تعرف كيف تموت، وعن شو تموت. حياتي أغلى شي عندي وهبتا لروما، لأنو حسب قناعتي روما بتخدم الحضارة، ولما بيبطّل هالشرط بتبّطل روما تكون".

تنتقل حركة الصحوة من "لايوس" إلى "باتريكوس" الذي، فيما يهدد الملكة بقتل طفلتها: "إذا الملك ما أمر الجيش بالتراجع بتموت البنت"، يسمع من الملكة: "وبتموت إنت. هالإنتصار اللّي جايي متوّج بدم أهالي بترا، ما إلو حق لا الملك ولا الملكِه يضحّو فيه من أجل خلاص بنتُن".

انتصرت بترا وقُتِلت الطفلة بأمر من باتريكوس، لكنّه يَخرّ صريع ما بقي فيه من ضمير للحق والخير: يهوذا آخر يقتل نفسه عند سطوع الحقيقة: "اقتليني، أنا ما إلي أهل حتى يحزنو عليّي. أنا حرّ متل السيف، اقتليني، أنا بس إلي إمّ كبيرِه إسما روما، ومش رح تحزن عليّي إلاّ قد ما حزنْتي على بنتك. خلّي ساعة موتي تكون ساعة الاحتفال فيّي. خليها تجرّني مركبات الحرس بالشوارع". ويغرس السيف في صدره.

ازدواجية أخرى في قلب ملك من نوع آخر، ذلك الذي بغى وطغى وتبجّح يلفه كذب الحاشية وأصحاب المصالح. آخر مشتهاه صبية صغيرة يريدها عروساً له تذكّرنا بـ"ليزا دو ليتل" في مسرحية برناردشو "ماي فير ليدي" (سيّدتي الجميلة). تقول هالة: "أنا بيّي الخمارة" لكن الملك الذي أمرُهُ أعمى وإرادته مشيئة القدر يفرض عليها هوية كاذبة: "يا أميرَه، عرفنا كل شي. أبوكي أمير وإنت منكَّرَه، بس اللّي بيختار هوي اختار حتى تكوني عروستنا". ويردد الجميع وراء الملك "نعم إنتي يا أميرَه عروسةْ ملكنا". تقاوم هالة الازدواجية المفروضة عليها. هي تعرف الحق وبالحق هي محرّرة من حب السلطة والرئاسة:

"أنا مش أميرَه ولا بيّي أمير

أنا بياعَه وبييّ فقير".

تواجه البطلة رغبات السيّد الأمير ببراءة الصدق "ما بدي أكذب عليه" تشجّعها الحاشية "خديه واضحكي عليه" وتشاء العبقرية الرحبانية أن يلتقي الملك شحاداً يميّز بين الفقر والشحادة: "الليل بيخلّي الناس كلُّن شحادين: اللّي عمـيشحد المحبِّه، اللّي عمـيشحد الفرحن اللّي عميشحد النسيان والشحادِه مخلوطة بالكرم والخير". يتنكّر الملك بزيّ شحاد ويحادث الصبية فيعرف منها بطيبة صادقة حقائق المملكة. فجأة ينزع الثياب الرثة التي للشحاد ويكشف عن نفسه.

تسأل هالة: "إنت الملك؟ كيف تحاكينا ببساطة!" يجيبها: "الملك ما بيخوّف، الحقيقَه بتخوّف. وبسأل كيف بنت بسيطَه ما معها إلا الصدق غلبت مدينِه عايْمِه عَ الكذب".

وحدها العبقرية الفنيّة استطاعت أن تحقق النجاة: خلاص الملك من الأوهام والكذب، خلاص المملكة من الفساد. الحيلة الفنيّة بدّلت الأدوار، ضاعفت الازدواجية، أنهت صراع السلطة والفقر، أخضعت الوحشة للطيبة.

ملوك من نوع آخر دحضوا العتمة، غلبوا الشّر بالموت، صرعتهم الغربة عن هذا العالم، تلك التي للأنبياء، للشعراء، للفلاسفة الهابطين من المملكة العليا إلى صحراء هذا الوجود.

غربة صاغها منصور تتويجاً لهذه المسيرة الطويلة على خشبة المسرح في ثلاثة أعمال رائعة "المتنبي"، "سقراط" و"قام في اليوم الثالث". هؤلاء أهل الرسالة من دون رواية خيالية. أنهم حقيقة فنيّة تغدو في مواجهة الموت أسطورةً حاملة الحياة. هم واحد في محاصرة الشّر إياهم في تفرّدهم، عيونهم معلّقة على المطلق، مجنّحون وأرجلهم مربوطة بالسلاسل. يتوثّبون في قتال مرير مع الشرّ، سلاحهم الكلمة الشعرية في طلب العلى (المتنبي لإيمانه بما أودع من نبل وشهامة وشرف)، في طلب الحقيقة (سقراط لإيمانه بالحقيقة التي كشفت له ذاتها). ثم يأتي المخلّص فعل حب أرسله أبوه الإله الخالق الضابط الكل الذي أعطاه سلطان أن يجاهر أنه "الطريق والحياة والحق". هؤلاء الثلاثة هم أيضاً بشر. ترافقهم امرأة تحتضن بشريتهم، تؤمن برسالتهم، تعطّر أيامهم بحبها، تُعنى بتعب أجسادهم، يستأنسون بها من وحشة العالم المضادّ إياهم، يأمنون لعطائها، يحملون مأساة أكبر بما لا يقاس من حبهم إياها. لكن حباً أوسع يناديهم. تلك هي مأساة هؤلاء: هم غرباء، وحيدون في نبوءتهم ورسالتهم، مكلَّفون بخلاص الناس القابعين في ظلمة الجهل والعبودية والخوف. هؤلاء الثلاثة مؤتمنون على كلمة الحق، والحق حررهم من الخوف. ومن أجل تأكيد كلامهم وتجسيد حبهم الأكبر، ليس لهم إلا الموت سبيلاً!

في مقدمة "آخر أيام سقراط" كتب منصور: "إذا لم يوقّع الإنسان على كلامه بدمه لا يثبت الكلام. الدم حبر الحقيقة".

يرحلون، ويتركون للناس أن يستلموا الأمانة ويكملوا الرسالة، أمانة حياة حقيقية بها تتحقق مملكة الحب والعدل والسلام. جاؤوا برسالة الشعر الأعظم يحيا الشعراء بها بعد المتنبي، برسالة الحقيقة الفلسفية يحيا بها الفلاسفة بعد سقراط، وبرسالة الحياة المحيية يحيا بها من سمع المسيح يقول: "جئت لكي تكون لهم الحياة وتكون حياة أفضل". هؤلاء انتصروا على الموت. الفن شهادة للحياة الحق، للخير الغالب بالموت، فالشهادة لا تثبت إلا بالدم.

إلاّ إن أكسير الحياة في المسرح الرحباني هو الحب الذي ينتصر بعدُ بالموت. الصراع بين الشّر والخير ليس متكافئاً. الأخوان الرحباني متحيّزان للخير، ولئن برعا في تصوير مكايد الشّر ووسوساته. إنهما مجبولان بمحبة البشر، بالحب يهديانه إليهم، بالرحمة تنزل حتى على الشّرير، يؤمنان بأن البشر على صورة خالقهم، تشوه هذه الصورة ضعفهم ومخاوفهم، يلوذون بالشّر للاستقواء فيسقطون ويسقط البطل المقاوم في ساحة الصراع بيد الموت الجسدي لتحيا الضيعة والوطن والعالم بروح الحب الذي يجمع الخير والجمال والحق ويعطيها قيمتها الخلاصية.

***

مسرح الرحبانيَّين ليس من هذا العالم، لكنّه في العالم وللعالم.

على خشبته يتم الخلاص من مأزق الوجود حيث تتصارع قوى الخير والشّر. ويدخل الرحبانيان إلى حلبة الصراع، سلاحُهُما الحبّ والكلمة الشعرية، يتغلغلان بين ناس الخير وناس الشّر، ويخترقان قلب كل شخصية أولى أو ثانوية، ليكشفا لنا أن كل قلبٍ هو مسرحٌ لهذا الصراع. وجوهه متعدّدة بتعدّد القضايا التي تجسّده. القضايا مطروحة على الطرقات، يعرفها القاصي والداني، الكبير والصغير، العارف والجاهل، ولكن، من يعرف أن يكشف سبل الخلاص؟

الفن وحده يبدع الخلاص، إذا التزم الحب، فيصهر ازدواجية تعصف بالبشر فيما بينهم، وفي قلب كل واحد منهم. الشر و الخير وجهان لعملة واحدة، لئن كانا قدر البشر ففي البشر قدرة على الحرية إن هم وعوا، وقدرة عظيمة على الخير والحب إن أرادوا. وإذا لم يستطيعوا إلى هذا سبيلاً، يغمرهم النفَس الرحباني بالرحمة لأنهم لا يدرون أنهم يستطيعون. يعلم مسرح الرحبانيَّين أنَّ في قلب الرجل ينام طفل، ويهدهد حنان امرأة، أو إحساس بحنانها، في كل صبيّة يلتمع بطل أو موقف رجولة ثائرة بِكِبر، في كل مجرم يهمدر وجع إنساني تغلبه التفاتة رحمة وتحمله إلى التوبة، في كل خاطىء متغطرس يعشش خوفٌ تَهدُمُهُ كلمة من ضمير فيتراجع، وأنّ في كل ملك ضحيةً، وأن الفقير ملِكٌ في حريته.

الحريّة هي القضية الكبرى، قضية الحياة الحقة، وهي قضية الفن الأولى.

بِها أبدع الرحبانيان صُوَراً للمخلص، تبقى قناديل مضاءة في عتمة ليلنا العربي.