خريطة طريق إلى الاشتراكية

د. طالب غريبة قرأها 667
  

خريطة طريق إلى الاشتراكية

د. طالب غريبة

يحق للشيوعيين والاشتراكيين في أيامنا هذه أن يشمتوا بالرأسمالية والرأسماليين وممثلي الفكر البرجوازي في أجواء الأزمة المالية الخطيرة التي تعصف بالعالم. ويحق لهم أن يبتهجوا لأن مؤلفات كارل ماركس تحتل المرتبة الأولى في مبيعات أشهر معارض الكتب!

إن هذا رد فعل إنساني طبيعي. كيف لا؟ وما يزال ماثلاً في الأذهان ما أبداه الطرف الآخر عند تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية في أوربا في أوائل تسعينيات القرن الماضي (أي منذ زمن ليس ببعيد)، ما أبداه من شماتة وعنجهية وغرور، وصلت إلى حد الإعلان عن نهاية التاريخ، وخلود الرأسمالية، وفشل الاشتراكية، وخطأ الماركسية! وكان من تداعيات وتبعات تلك النظريات الخرقاء وهيمنة القطب الواحد (الأمريكي) أن اجتاحت العالم جائحة الركض المجنون نحو جني الأرباح وتكديس الثروات بأي وسيلة كانت، حتى لو أدى ذلك إلى شن حروب، وإذلال أمم، واحتلال بلدان، وإفقار شعوب، وتجويع ملايين البشر.

وهنا ـ كما أرى ـ يكمن السبب الجوهري العميق للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الحالية. وهذا يثبت صحة تحليل ماركس للنظام الرأسمالي الذي ستبقى الأزمات تلاحقه، بل هي ملازمة له بسبب بنيته الاستغلالية وطبيعته الجشعة.

ولكن، بعيداً عن العاطفة، ينبغي القول إن ما شهدناه في الفترة السابقة من انحسار للفكر الاشتراكي وتراجع للأحزاب الشيوعية والاشتراكية، لا يعود إلى عدم إدراك مدى الصواب في فكر ماركس، ولا إلى ضعف قناعة تلك الأحزاب بالماركسية بوصفها مرجعية فكرية، بل يعود إلى الإخفاق في طرح بديل مناسب للنظام الرأسمالي. بديل يتجاوز هذا النظام ويتخطاه من داخله، ويحلّ محله كحلقة أرقى في سلّم التطور التاريخي، يتوفر فيها مستوى أعلى من الحرية والعدالة الاجتماعية، وتكون فيها الأوَّلية للإنسان لا للربح والريعية.

إن الدعوات المتكررة والحثيثة التي يطلقها القادة والمسؤولون في الدول الرأسمالية الكبرى من أجل إصلاح الرأسمالية، أو إعادة بنائها، أو إعادة تأسيسها، ما هي إلا دليل على أن النظام الرأسمالي في طريقه إلى استنفاد طاقاته. وهذا يجعل الحديث عن ضرورة تجاوز الرأسمالية وتخطّيها مقبولاً ومرغوباً. وهنا تطرح مسألة البديل الذي ينبغي تظهير صورته، والتأسيس له على الصعيد النظري.

وهذا البديل هو الاشتراكية.

إن ما ينبغي طرحه اليوم هو اشتراكية معاصرة تتجاوز جدلياً اشتراكية (المنجل والمطرقة)، لتكون، ما يمكن تسميته استعارة أيضاً، اشتراكية (الحاسوب والروبوت والتهجين الوراثي!) مع تأكيد أن هذه الإنجازات المذكورة ليست الكلمة الأخيرة في العلم، فالتطور جار ومستمر. لذلك، فإن أي خطوط عريضة وتصورات أولية وخطوات محددة ـ أي (خريطة طريق) بحسب الاصطلاح الذي شاع مؤخراً ـ توضع للاشتراكية، يجب أن تبقى على الدوام خاضعة للتصويب والتدقيق والتعديل بما ينسجم مع ما تفرضه الحياة والعلوم من وقائع ومعطيات. وهذا ينطبق على ما هو مكتوب في هذه المقالة.

في ضوء التجارب السابقة والدروس المستوحاة من الأزمة الراهنة، أرى ضرورياً التوقف عند قضايا مفصلية، أهمها:

1-             دور الدولة:

مثلما سقط مفهوم الدولة الشمولية التي تتدخل في كل شاردة وواردة، سقط أيضاً مفهوم الدولة التي ترفع يدها عن الاقتصاد ولا تتدخل فيه، على مبدأ (دعه يعمل، دعه يمر). لقد تدخلت الإدارة الأمريكية (بذات نفسها) في الشأن الاقتصادي، وحصلت على تفويض بذلك من مجلسَيْ الكونغرس عارضه كثيرون من أعضاء الحزب الجمهوري الحاكم لأسباب عقائدية دوغمائية. ثم شهدنا تدخلاً حكومياً واسعاً في مختلف البلدان.

صحيح أن التدخل الحكومي في هذه البلدان جاء، بالدرجة الأولى، لإنقاذ أسواق المال والمصارف والأثرياء، ولكن شرائح أخرى من المجتمع استفادت منه. غير أن الأهمية العملية والنظرية لما جرى هو أن للدولة ـ إضافة إلى وظائفها المعروفة ـ دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن إهماله. والمطلوب هو العمل والنضال لتطوير هذا الدور بحيث يكون للدولة دور (الضامن الاجتماعي) لكل فئات المجتمع وشرائحه وطبقاته، وخاصة الضعيفة منها اقتصادياً. وقد قدمت الأزمة الحالية أمثلة واقعية على إمكان ذلك.

إن القوانين التي صدرت بضمان الودائع في المصارف حتى مبلغ مئة ألف دولار، ثم رفعت إلى مبلغ ربع مليون دولار، هي إجراء رشيد. يمكن اعتماد ذلك كمبدأ، وتعميمه على جميع بلدان العالم. أي أن تضمن الدولة في كل بلد الودائع المصرفية حتى مبلغ معين، ضمن إمكاناتها. ففي سورية، مثلاً، يمكن إصدار قانون يضمن الودائع في المصارف حتى ثلاثة ملايين ليرة سورية!

قد يعترض بعضهم على هذه الفكرة، وقد يسخر منها. ولكني أقول: ليس كل الناس في أي مجتمع هم عمال وفلاحون. هذا أولاً، وثانياً، يجب الإقلاع عن التصور الخاطئ عن العمال والفلاحين وكأنهم أناس حفاة عراة. وثالثاً، هناك الكثير من العمال والفلاحين والموظفين والحرفيين والكادحين ممن يملكون مدخرات مالية، وضمان الدولة لهذه المدخرات هو إجراء ذو طابع اشتراكي، لأنه يخدم شريحة واسعة من الشعب!

بعد الإجراءات الأخيرة، سخر بعضهم من الرئيس الأمريكي وسماه (الرفيق بوش)! والواقع أن جورج بوش تصرف في هذه الحالة (كرفيق) ولكن رغم أنفه! وهذا يدل على أنه يمكن ـ في ظروف معينة ـ إرغام الرأسماليين على التراجع والقبول بما لا يقبلون به عادة.

والقضية الثانية هي قضية الرهن العقاري، وما نتج عنها في أمريكا من قرار حكومي يمنع إخلاء المنازل المرهونة من سكانها الذين عجزوا عن تسديد أقساطها للبنوك.

وعلى الرغم من أن هذا القرار جاء متأخراً وطابعه مؤقت، إلا أنه قرار جيد، يمكن اعتماده كمبدأ عام توضع له الأنظمة والقواعد المناسبة في كل بلد حسب إمكاناته.

أما في مسألة فقدان الألوف من العاملين لوظائفهم، بسبب إغلاق بعض المعامل والشركات كلياً أو جزئياً نتيجة للأزمة المالية، فنلاحظ أن الدولة الرأسمالية لم تفعل شيئاً كعادتها. وهذا فعل مشين. لذا ينبغي النضال من أجل ترسيخ مبدأ عالمي يقضي بأن تقوم الدولة، عند تسريح العمال لأسباب قاهرة وخارجة عن إرادتهم، بمعاملتهم معاملة المتضررين من الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير. يضاف إلى ما سبق ضرورة توسيع شبكات الأمان الاجتماعي والضمان الصحي وتوفير فرص العمل.

2-             دور السوق:

ثبت بالتجربة أن للسوق دوراً هاماً لا يمكن الاستغناء عنه، باعتباره آلية طبيعية تنظّم ظهور الحاجات الإنسانية وإشباعها. وقد تكونت السوق تاريخياً كواقع اقتصادي واجتماعي وموضوعي تجد فيه العلاقات النقدية ـ البضاعية تعبيرها المادي. إن الذي يجعل السوق اشتراكية أو رأسمالية هو المغزى الاجتماعي للعمليات التي تجري فيها. فالسوق تكون اشتراكية إذا كانت الأوَّلية في المجتمع للإنسان. أما في السوق الرأسمالية فإن الهدف الأساس هو تحقيق الأرباح.

وهذا ما ظهر جلياً في الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية، إذ خرجت السوق عن مسارها، وشُوِّهت وأفسدت بشكل فظيع. إذ ما هي الحاجات الإنسانية الطبيعية التي تظهرها وتشبعها المضاربات والمراهنات؟! إنها حاجة بعض الجشعين والمقامرين إلى الربح بأقصر الطرق وأسرعها، دون جهد، وبعيداً عن العملية الإنتاجية، وإلا فكيف نفسّر الارتفاع اللامعقول لأسعار النفط في بضعة أسابيع، ثم هبوطها اللامقبول في أسابيع أقل؟! ومن الجدير ذكره أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل جنوني، ولم تهبط بعد! ولم يجد أحد جهابذة الرأسمالية غضاضة في التصريح بأن عصر الغذاء الرخيص قد ولّى.

ترتفع حالياً الأصوات الداعية إلى إصلاح أسواق المال، ووضع ضوابط اقتصادية وأخلاقية لها، واعتماد الشفافية فيها مع قدر من التخطيط المرن، ودفعها أكثر فأكثر لأخذ مصالح فقراء العالم بالحسبان، وعلى الرغم من أن المؤتمرات والاجتماعات المختلفة التي عقدت أو ستعقد لن تتخذ إلا إجراءات ترقيعية ومجتزأة، إلا أن هذه الدعوات بحد ذاتها محقة، وتشكّل في مجملها اتجاهاً صحيحاً للعمل والنضال. لذا ينبغي دعمها ومتابعتها لتحقيق أكبر قدر منها، ولو على المدى الطويل. ولعل وجود عالم متعدد الأقطاب متنوع المصالح يساعد على تسريع هذه العملية.

أما فيما يتعلق بأسعار المواد الغذائية، فإن التحرك الوحيد الملحوظ حتى الآن، جاء من منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) التي دعت إلى قمة عالمية في منتصف العام 2009 لمعالجة هذه المسألة التي تنتصب كقضية مركزية أمام كل الأمم والشعوب. ولعل من المفيد إنشاء (مجلس الغذاء العالمي) كهيئة تابعة للأمم المتحدة وذات صلاحيات واسعة، مهمتها المتابعة الدورية لأسعار المواد الغذائية وضبطها في حدود تجعل الغذاء متاحاً لجميع البشر على الدوام.

3-             أشكال الملكية:

إن الاشتراكية نتاج طبيعي لتطور البشرية. وإبداع البشر لا حدود له. لذلك من الخطأ حصر الاشتراكية في أطر ضيقة ووضع وصفات مسبقة جاهزة لها. لهذا، فإن الاشتراكية تقبل وتتحمل تعددية وتنوعاً كبيرين في أشكال الملكية. ويمكن أن تتعايش في ظلها لأمد طويل جداً الملكيات العامة والخاصة والفردية والمشتركة والتعاونية، وملكية الدولة والبلديات والأوقاف وغيرها. ولكن، يبقى مهماً وضرورياً العمل على إيجاد أشكال من الملكية الجماعية والمحافظة عليها ودعمها طوال عملية التطور الاجتماعي، والاهتمام بجدية بمسألة ملكية الدولة بحيث تكون بجزء ما وبشكل ما ملكية لأناس محددين تقتضي مصالحهم الحفاظ عليها وتعزيزها وتطويرها.

4-             النظام السياسي:

يقوم على أساس أن الاشتراكية مرتبطة عضوياً بالديمقراطية، إن التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير والمعتقد والانتماء واحترام إرادة الناخبين وحق المواطنة وسيادة القانون والفصل بين السلطات وغيرها غيرها من القيم والمفاهيم والأشكال الديمقراطية، هي من المكاسب والإنجازات العظيمة التي حققتها البشرية خلال تاريخها الطويل، ينبغي التمسك بها وتعزيزها وتطويرها باستمرار. ونضيف إلى خصوصيتنا العربية المساواة بين الرجل والمرأة.

5-             العولمة المتكافئة:

إننا نعيش الآن عصر العولمة. فقد بات مألوفاً القول إن العالم أصبح قرية واحدة. أي أن الرأسمال أنجز وحدة العالم، ولكنه أنجز هذه الوحدة بشكل غير متكافئ. لهذا يجب توجيه النضال ضد الشكل الإمبريالي الظالم الذي تمت به هذه الوحدة، أي أن النضال يجب أن يتوجه نحو إزالة اللاتكافؤ. وهذا يستدعي استكمال العولمة وتعديل بعض مساراتها أو تغييره. على سبيل المثال، لا الحصر، يمكن باختصار ذكر التوجهات النضالية الآتية:

1.                إزالة العوائق والقيود أمام انتقال اليد العاملة.

2.                اعتماد معايير دولية لقياس قوة العمل، ومن ثم عولمة الحد الأدنى للأجور.

3.                عولمة حقوق الإنسان، ووضع آليات لتنفيذ ذلك.

4.                عولمة نزع السلاح، بدءاً بأسلحة الدمار الشامل. فهذه الأسلحة يجب أن تختفي، ليس فقط بسبب كلفتها الاقتصادية الباهظة وتأثيرها المدمر، وإنما أيضاً للخلاص من مخلفات البربرية في شخصية الإنسان.

5.                عولمة حماية البيئة، والحفاظ على كوكب الأرض لاستمرار حياة الإنسان.

6.                دمقرطة العلاقات الدولية، وإقامة نظام عالمي مؤسّس على التكافؤ والتنوع والتعددية والتضامن الإنساني.

من كل ما ذكر أعلاه ـ وهو غيض من فيض مما يمكن أن يكتب أو يُقال في هذا المجال ـ ينتج أن الانتقال إلى الاشتراكية يجري بشكل تدريجي تراكمي طويل الأمد. والنضال في سبيل الاشتراكية والسير قدماً نحوها هو قضية عالمية شاملة تنخرط فيها شعوب العالم قاطبة، وبالدرجة الأولى الكادحون، وفي مقدمتهم قوى اليسار العالمي الجديدة.