أبناء الفلاحين الأقنان ونظراؤهم
ارتبط ما أصبح يعرف باسم "الربيع العربي" بمشهد الجموع الغفيرة المحتشدة في الميادين والساحات وهي تهتف: الشعب يريد اسقاط النظام!.
عند رؤية هذا المشهد وسماع هذا الهتاف تتبادر إلى الذهن مباشرة أسئلة مثل: ماهي طبيعة النظام الذي يريد الشعب إسقاطه؟ ولماذا يريد الشعب إسقاطه؟ وماهو النظام البديل الذي يريد الشعب إقامته؟. ولعلّ الإجابة عن هذه الاسئلة وغيرها تشغل بال الكثيرين من الباحثين والمهتمين والعلماء سواء بشكل فردي أم بشكل جماعي أي في مراكز الأبحاث، ومن الطبيعي أن تتعدّد الرؤى ووجهات النظر تبعا للمرجعيات الفكرية والثقافية والمواقف السياسية والمصالح الاقتصادية والمواقع الاجتماعية، بالإضافة إلى الاختلاف في منهجية البحث والتحليل وأدواتهما.
هناك إجماع تقريباً، على أن النظام أو الأنظمة التي تريد الشعوب العربية إسقاطها هي أنظمة ديكتاتوية، قمعية، استبدادية وفاسدة. وأن الشعوب تريد الحرية والكرامة واللحاق بركب العصر. إن هذا الكلام- على صحته- يبقى عاماً وغير كاف ولا يفي بالغرض، لأنه لا يغوص في عمق المسألة، اذ لابد من التساؤل: من أين جاء هذا الاستبداد وهذا الفساد؟ ومن جاء بهما وكيف ولماذا؟؟! وكيف يمكن الخلاص منهما وتحقيق آمال وطموحات الشعوب؟.
سأتناول هذا الموضوع بطريقة تتسق مع منهجية التحليل الطبقي التي يشدد عليها الماركسيون، وهم على حق، ولكنهم ماكانوا يستخدمون هذه المنهجية إلاّ عند دراسة الطبقات والفئات المعادية وخاصة البرجوازية. فقد كان يجري الحديث عن البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية الكمبرادورية وعن البرجوازية المنتجة والوطنية. وتوصف بعض التطلعات والمواقف والانفعالات بأنها نزعات برجوازية صغيرة. أما الطبقات والفئات الموالية المؤلفة اساسا من العمال والفلاحين فقد كانت، في الغالب، توضع في سلة واحدة، مع إعطاء الأولية للعمال باعتبارهم الطليعة والأكثرية الثورية. أما الفلاحون فيتّسمون ببعض التردّد والمحافظة، مع الاقرار بأن الطابع العام لمجتمعاتنا فلاحي.
انطلاقاً من هذا، سأسلط الضوء على من أسميتهم أبناء الفلاحين الأقنان، وعلى نظرائهم في المدينة (أبناء العائلات الشعبية)، وسأبين دورهم الكبير والأساسي في مجرى الأحداث والتطورات التي جرت في بلادنا خلال ما يزيد عن ثلثي قرن من الزمن، والتي أوصلتنا الى ما نحن فيه الأن.
لقد كانت هذه الفئات الشعبية الحامل الاجتماعي لجميع الحركات والأحزاب والتنظيمات العقائدية (الايديولوجية) التي تربعت على عرش السياسة في العالم العربي منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين. لقد شكل هؤلاء الكتلة الرئيسية في الأحزاب والمنظمات التي رفعت راية الاشتراكية من شيوعيين وبعثيين وناصريين وغيرهم. ولهم حضور مؤثر –وإن بنسبة أقل- في صفوف الاخوان المسلمين والقوميين السوريين. وهم يشكلون اليوم قوام بعض الأحزاب والتيارات العقائدية ذات الطابع الطائفي في بقاع ومناطق عدة في بعض البلدان العربية.
الفلاحون الأقنان هم أولئك الفلاحون الذين يعملون بأرض يملكها السيد الاقطاعي، ويسكنون بيوتاً في قرى وبلدات هي ملك للاقطاعي نفسه، وتقتصر ملكيتهم على حاجياتهم الشخصية وأثاث منازلهم وبعض ادوات الانتاج البسيطة، بالاضافة، طبعا إلى قوة عملهم، ويتقاسمون المحصول في نهاية الموسم مع مالك الأرض الذي يأخد نسبة يحددها هو، وهي في الغالب لاتقل عن نصف المحصول، وعلى هذا الأساس يمكن تصنيف الفلاحين الأقنان بأنهم أرفع قليلا من أنصاف عبيد ولا يختلف عنهم جوهرياً الفلاحون الملاكون الفقراء (أصحاب الحيازات الصغيرة) الذين كثيرا ما كانوا يعملون في قرى الإقطاعيين لقاء أجر أيام المواسم.
وللاقطاعي في منطقتنا مراتب وتسميات مختلفة ذات أصل تركي. فمنهم الباشا والاغا والبيك (بيه باللهجة المصرية)، وأحيانا يكون اميراً أو شيخاً. سأشملهم جميعا، للاختصار، باللقب الأكثر شيوعاً في بلادنا وهو لقب "البيك" وسأستخدم مصطلح "البكوية" للحديث عن الظاهرة بشكل عام. وقد جرت العادة أن يبني البيك قصراً منيفاً أو منزلاً فخماً في بقعة ذات طبيعة جميلة من أراضيه الواسعة، يقيم فيه بين الحين والآخر، لأن مكان إقامته الدائم في المدينة. ويحيط به على الدوام الخدم والحشم. وكان له وكيل أو ناظر في كل قرية يملكها، ويوظف بعض الجباة والحرس والعسس، ويقيم علاقات متينة مع أجهزة الدولة المركزية المتمثلة اساسا بقسم أو مخفر الشرطة أو الدرك الذين يستعين بهم عندما يحتاج إلى المزيد من القوة لإخضاع الفلاحين وتأديبهم. وكان رجال السلطة هؤلاء يلبون طلبات السيد بحماسة واندفاع، ويتلقون مقابل ذلك الهدايا والعطاءات.
أما نظراء الفلاحين الأقنان في المدن أو ما يطلق عليهم أحيانا للمجاملة اسم الفئات الشعبية، فهم فئات واسعة من سكان المدن تعيش على خط الفقر أو فوقه بقليل، وتتألف اساساً من صغار الموظفين والحرفيين وأصحاب المهن البسيطة ومن يعمل عندهم ومعهم، وكان هؤلاء يتعرضون للظلم والاستغلال من قبل الطبقة الاقطاعية الحاكمة نفسها ويعانون من قمع واضطهاد أجهزة السلطة التابعة لها.
وفي مجتمع متدين كمجتمعنا يكون لرجل الدين في الريف والمدينة تأثير ونفوذ كبيران، وقد كان رجال الدين يؤدون –من جملة ما يؤدون- دور بلسم الجروح، يدعون الناس إلى الإيمان والتقوى ويحثونهم على الطاعة والرضى ويطالبونهم بالصبر الذي سيكون جزاؤه عظيما في الآخرة.
لقد ظلت هذه التشكيلة الاجتماعية –الاقتصادية المسماه التشكيلة الاقطاعية، ظلت سائدة قرونا عدة.
في مرحلة استقرار النظام الاقطاعي كان أبناء الفلاحين الأقنان يصبحون فلاحين أقناناً، يكررون ما توارثوه عن آبائهم وأجدادهم. وظلوا جيلاً بعد جيل يجترون الألم والمعاناة، ويكدسون الغضب والحقد، وفي الوقت نفسه تتراكم لديهم الخبرات والتجارب. وهو الشيء نفسه الذي ينطبق على نظرائهم في المدن، فأبناء العائلات الشعبية يبقون على حال آبائهم، إلاّ ما ندر.
ولما كان دوام الحال من المحال، فقد حان الأوان الذي بدأ فيه النظام الاقطاعي بالتداعي والانهيار. وتزايدت وتيرة هذا التطور بعد سقوط الامبراطورية العثمانية، وسيطرة الاستعمار الأوروبي على معظم بلدان المنطقة العربية.
لم يسع المستعمرون الأوربيون إلى زعزعة النظام الاقطاعي أو تقويضه. بل كانوا مرتاحين له، لكن مصالحهم الخاصة كانت تقتضي أن يقوموا بالعديد من التدابير والإجراءات والاصلاحات في بنية إدارة الدولة والاقتصاد. لقد كانوا مضطرين للتعامل مع سكان البلد المحتل. كانوا بحاجة إلى أناس يخدمونهم ويتعاملون معهم، سواء بصفة موظفين أو عمال أو جنود وضباط متطوعين أو مستشارين أو رجال أمن أو مخبرين، أو حتى شركاء تجاريين في بعض المجالات، وهذا كله يتطلب قدرا من الخبرة والتدريب والتعليم والإلمام بلغة المستعمر (خاصة الانكليزية أو الفرنسية). ونتيجة لذلك أنشئت المدارس بصيغتها الحديثة في معظم الحواضر وفي عديد القرى القريبة منها، كما تأسست بعض الجامعات في العواصم، بالإضافة إلى الكليات الحربية.
وراحت أعداد متزايدة من الناس ترسل أبناءها إلى المدارس، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى أعطت العملية ثمارها. فقد تخرجت الدفعات الأولى من تلاميذ المدارس، وحصلت على شهادة الدراسة الابتدائية (السرتفيكا). لقد كان ذلك حدثاً عظيماً وفرحة كبرى للأهل وللخريجين الذين فتحت أمامهم أبواب ونوافذ كانت مغلقة من قبل. لقد كانت السرتفيكا من الأهمية بمكان في ذلك الوقت بحيث كثيرا ما كانت توضع في برواز وتعلق على الجدار في صدر البيت للتفاخر. وإذا كان بعض الخريجين قد "ختم العلم" بتلك الشهادة، فإن بعضهم الآخر تابع دراسته ليحصل بعد عدة سنوات على الشهادة الإعدادية ومن ثم الثانوية (البكالورية). وكانت دوائر الدولة بحاجة ماسة إليهم. فأصبحوا معلمين أصلاء في المدارس، أو تم تعيينهم في وظائف مهمة، ومنهم من انتسبوا إلى الكلية الحربية ليصبحوا ضباطا في الجيش. أما من تابع مشواره التعليمي، ووصل إلى الجامعة وتخرج منها فقد صار، على الأغلب، إما مدرسا أو محاميا. ومن المعروف أنه يطلق على المعلمين والمدرسين والمحامين والموظفين لقب " أستاذ".
إن نسبة كبيرة من الأساتذة والضباط كانت من ابناء الفلاحين الأقنان ونظرائهم من أبناء العائلات الشعبية في المدن، ولهؤلاء، وبخاصة أبناء الفلاحين، دور بارز وحاسم في مجرى الأحداث اللاحقة، فهم من أسس عمليا أنظمة الحكم التي سادت في مرحلة ما بعد الاستقلال في معظم الجمهوريات العربية.
لقد كانت الأستذة والرتبة العسكرية في ذلك الوقت موضع فخر واعتزاز، وكان الأساتذة والضباط يعاملون باحترام وتقدير ومودة. ويشار إليهم بالبنان، لقد أصبحوا تلقائياً شخصيات عامة ومرموقة، وانتابهم شعور بالعظمة، ووجدوا في أنفسهم المقدرة والكفاءة لقيادة جماهير الشعب –وخاصة الفقراء منهم- إلى الحرية والسعادة. وكانوا، مثل كثيرين غيرهم، قد اكتشفوا من قبل أّن البيك ماهو إلا رجل، وأنه يمكنهم، بل ويجب عليهم أن يكونوا مثله وأحسن منه. ولكن ماذا يعني البيك بالنسبة لهم؟. إنه يعني العزّ والجاه والسلطة والثروة. فيما يخص الثروة، بمعنى الغنى الشخصي، فإنها لم تشكل هاجسا لهم، بل كانوا يطمحون إلى إقامة نوع من التوزيع العادل للثروة بحيث يحصل العمال والفلاحون على حقوقهم. إن آفة الجشع إلى المال وتكديس الثروات برزت لاحقا مع الرعيل الثاني والأجيال التالية بعد أن اشتد عود الأنظمة الشمولية وترسخت أقدامها. لقد كان هاجسهم الأول هو الزعامة والسلطة. وانخرطوا بالعمل السياسي وقد تلبستهم عقدة البكوية بهذا المعنى. كانت نواياهم طيبة وأهدافهم نبيلة، فهم يريدون الحرية والاستقلال والتحرر الوطني والقضاء على الاستعمار والاقطاع والاستغلال وتحرير فلسطين وإقامة دولة الوحدة العربية وبناء الاشتراكية. ولتحقيق ذلك لابد من استلام السلطة واندفعوا بهذا الاتجاه كما يقول الجواهري:
تحدوا إلى الحكم بهم شهوة كشهوة الحبلى عراها الوحام
ووصلوا إلى السلطة، بانقلابات عسكرية سميت ثورات. ولقيت تلك الثورات قبولاً وترحيباً بخاصة من قبل الفئات الشعبية التي ينتمي إليها الثوار. وبدأت فعليا عملية تحول ثوري في المجتمع يقودها ويشرف عليها أبناء الفلاحين الأقنان ونظراؤهم أبناء العائلات الشعبية. كانت تجربتهم قليلة، ولكنهم يختزنون في انفسهم:
1) شحنة ثورية هائلة
2) عقدة البكوية المتمثلة بحب الزعامة وشهوة السلطة
3) الرغبة بإعادة توزيع الثروة
4) إرثاً تاريخياً متراكماً من الظلم والقهر والخضوع والخنوع والغضب واليقينية........
وبصرف النظر عن المؤثرات الخارجية، فقد اصطدمت التحولات الثورية بعقبات داخلية جمّة بسبب تخلف بنية المجتمع وسيادة الكثير من العادات والتقاليد البالية. وأريد في هذا المجال الإشارة إلى ظاهرتين سلبيتين، بل مرضيتين سائدتين بالمجتمع، تشكلان قاسماً مشتركاً بين كافة الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية والتيارات السياسية.
الظاهرة الأولى: هي إباحة استخدام القوة والعنف والضرب والتعذيب، لم يكن الضرب أمراً مشروعاً فقط، بل كان يعتبر وسيلة ضرورية للتأديب والتدريب والتعليم!. فمن المعروف أن الأب عندما كان يريد لإبنه أن يتعلم حرفة أو صنعة ما، يأتي به إلى معلم الحرفة أو الصنعة ويقول له "اللحم لك والعظم لنا"، ويقصد بذلك اضربه وافعل به ما تشاء، المهم أن يصبح ماهرا في مهنته. وفي المدارس كانت العصا بيد الأستاذ من مستلزمات العملية التربوية، يضرب بها التلاميذ على ايديهم، هذا عدا الصفع على الوجه. أذكر من أيام دراستي في المرحلة الإبتدائية في القرية أنه كانت تجري حفلات ضرب "الفلقة" لبعض التلامذة المشاغبين، حيث كانوا يربطون إلى الكراسي وتخلع أحذيتهم ويقوم أحد الأساتذة بضربهم بالعصا على أرجلهم، كل ذلك أمام زملائهم المصطفين في أرتال في باحة المدرسة استعداداً لدخول قاعات الصفوف. وعادة ما يكون هؤلاء التلاميذ من أبناء العائلات الفقيرة الذين لا سند لهم ولا ظهر يحميهم. أما عن ممارسة العنف بحق المجندين والأغرار في الثكنات والمدارس والكليات الحربية فحدّث ولا حرج. ومن المؤسف ان مجتمعاتنا تنظر بتساهل وقبول لمسألة التعذيب في المعتقلات والسجون. إذ كيف سيعترف المجرم بجريمته؟!!. وكأنه لايمكن الحصول على أدلة جنائية دامغة إلا بسلخ جلد المتهم. علما أن المرء قد يعترف تحت التعذيب بأي شيء. يروى أن رئيس وزراء سورية الأسبق فارس الخوري قال ذات مرة:
"أنا مستعد أن أعترف تحت التعذيب بأنني سرقت مئذنة الجامع الأموي ووضعتها في جيبي!."
الظاهرة الثانية: الموقف المتخلف من المرأة، وعدم القناعة بمساواتها بالرجل، إن هذه واحدة من أهم العقبات أمام تطور المجتمعات العربية. وإذا كانت المرأة قد حققت في ظل الأنظمة الشمولية مكتسبات لايستهان بها، فإن تلك الأنظمة، وفي أوج قوتها، عجزت عن اتخاذ اجراءات جذرية وحاسمة تشكل اختراقاً في جدار قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، والأرجح أنها لم تكن ترغب في ذلك (في تونس فقط تم منع تعدد الزوجات). ولاتزال النساء العربيات يتعرضن للضرب ولأنواع شتى من العنف الجسدي والمعنوي.
قبل الحديث عن الأداء السياسي أريد الإشارة إلى بعض التصرفات والسلوك الشخصي التي تظهر من خلالها عقدة البكوية.
بعد ثورة يوليو (تموز) في مصر، سعى العديد من الضباط الأحرار إلى الزواج من بنات الباشوات، وحاولوا الإقامة في قصورهم وفيلاتهم وعزبهم، إما عن طريق المصاهرة أو المصادرة. وبالرغم من قرار إلغاء الألقاب الاقطاعية، فإن المصريين مايزالون يستخدمون بكثرة ألقاب (يا باشا ويا بيه ويافندم) وهذا لا يدل فقط على رسوخ هذه الألقاب، بل ويدل أيضا على عدم وجود جهود جدية ورغبة حقيقية في استئصالها.
وفي بلاد الشام تجد مسؤولين كبار في احزاب ثورية عريقة يروون لك –في أحاديث الذكريات- أن الجماهير في مناطقهم كانت تشبههم ببعض الأمراء وشيوخ العشائر والزعماء الدينيين، وتشعر بأنهم سعداء بذلك التشبيه.
واستحدثت مصطلحات غريبة وخاطئة لغوياً، تضاف كملحقات إلى الرتب العسكرية مثل: العقيد أركان حرب، إن هذه "الأركان حرب" لا تفيد إلا بإثارة الصخب والقعقعة، فالجيوش أنشئت أصلا للحرب عند اللزوم. ولاننسى ظهور بعض القادة العسكريين وصدورهم مغطاة بالأوسمة والنياشين، وبعض الحكام من العسكر يحرص على حمل "عصا الماريشالية". ولاتزال طرية في الذاكرة مشاهدة بعض الحكام العرب والسيجار الكوبي غالي الثمن في أفواههم أو بين أصابعهم.
إن عقدة البكوية، وهي عقدة نقص بامتياز، ومارافقها وأحاط بها من ظروف موضوعية داخليا وخارجيا، أدت إلى إحداث تشوهات في الأداء السياسي لمجمل القوى والأحزاب والحركات السياسية، سواء الحاكمة أو المعارضة أو التي بين بين، ومن أبرز هذه التشوهات:
أولا: العقائدية (الأدلجة) المفرطة: كانت لكل من التيارات السياسية العربية عقيدته (ايديولوجيته) الخاصة به والتي تختلف جذرياً عن غيرها. ومن الطبيعي أن يروج كل تيار لعقيدته ويبين مزاياها وأفضليتها، ويدعو الناس إلى اعتناقها أو تأييدها. ولكن الأمر تجاوز هذا الحد الطبيعي، ووصل إلى ما نسميه اليوم "احتكار الحقيقة". إذ راح كل تيار يعتبر عقيدته الحل الأمثل والوحيد لجميع القضايا، وأن كل ماعداها خاطئ وضار ومرفوض. وفي مثل هذه الحال يضيق هامش المناورة، وتضعف المرونة ويغدو الحوار بلا معنى، وتصبح التحالفات شبه مستحيلة، وهكذا يفقد العمل السياسي الجاد والرصين ركائز اساسية من ركائزه. وأدى ذلك ليس فقط إلى عدم الاعتراف بالرأي الاخر، بل أدى إلى عدم القبول بوجود الآخر. لقد أصر جمال عبد الناصر على حّل الأحزاب في سورية كشرط لإقامة الوحدة بين مصر وسورية، وقبل البعثيون بذلك، وحّلوا حزبهم ليكتشفوا بعد وقت قصير جدا أنهم ارتكبوا خطأ فادحا.
ومن ضرورات العمل السياسي أن تأخذ الأحزاب بالحسبان الظروف الموضوعية القائمة، وترتب أولوياتها بشكل تدريجي متصاعد، وتطرح برنامج حد ادنى وبرنامج حد أعلى، وغاب هذا تقريباً عن الأحزاب عندنا. فقد كان كل حزب يتبنى برنامجاً واحداً يطرح فيه أقصى ما عنده. وكانت بعض الأهداف والشعارات تبدو، بالعين المجردة، أنها بعيدة المنال وأشبه بالخيال. ومع ذلك يتم التمسك بها والتشدد في طرحها. لقد كان الشيوعيون يتحدثون عن الأممية البروليتارية، وعن الطبقة العاملة العربية، وعن المعجزات التي ستقوم بها على طريق سعادة الإنسان وتحريره من الاستلاب وإيصاله إلى مملكة الحرية، في الوقت الذي كانت فيه تلك الطبقة في بداية طور التكوّن والنشوء. وكان التيار القومي العربي يرى الأمة العربية أمة كاملة الأوصاف، وأن البشرية تنتظر بفارغ الصبر من هذه الأمة العظيمة أن تقوم بواجبها التاريخي، وتؤدي رسالتها الخالدة. ولم يرغب يوماً بالاعتراف بوجود أقليات قومية غير عربية في العالم العربي.
أما الاسلاميون فيرفضون الفكرة القومية، ويتجاهلون الفوارق الاجتماعية والعرقية والوطنية، ويعتبرون المسلمين، أينما كانوا، أبناء أمة واحدة ويجب أن يعيشوا في دولة واحدة، على رأسها خليفة، وستقوم هذه الدولة بهداية بقية البشر إلى سواء السبيل. ووصلت الأمور إلى حال صار فيها كل طرف "يركب أعلى ما بخيله"، شاهراً سيفه، ومهاجما الآخرين من أجل السلطة والاستئثار بها.
لم يكن الجمهور الواسع للتيارات السياسية عارفا بشكل كاف بالأسس الفكرية والنظرية التي تقوم عليها هذه التيارات، ولم يأبه بذلك كثيرا. فقد كانت تحركه أهواء ومصالح ودوافع عديدة ومتنوعة، لذلك نلحظ حصول انزياحات كبيرة في المواقع والولاءات وفقا لتغيير ميزان القوى وتبدل الظروف. لقد تحول الجنوب اللبناني من حاضنة للحزب الشيوعي إلى حاضنة لحزب الله، واتجه طيف واسع من جمهور الحزب الشيوعي العراقي إلى التيار الصدري. وفي اليمن أصبح الجنوب مرتعا لمنظمة "القاعدة" بعد إبعاد الحزب الاشتراكي عن السلطة.
ثانيا: الارتجال والاستعجال: لم يعرف عن القوى السياسية العربية ولعها بالتخطيط ووضع الاستراتيجيات، إلا في مسألة السلطة والاحتفاظ بها، وفيما عدا ذلك يعم الارتجال والعشوائية، حيث تؤخذ المواقف لمصالح آنية أو رغبات مكبوتة أو كردّات أفعال على أحداث معينة. لقد كان كل فصيل سياسي يسعى إلى اظهار مشروعيته وقوته وأفضليته وعظمة قادته. وهذا لايتم إلا بإحراز نجاحات ومكاسب وانتصارات كبيرة وسريعة. وسيطرت على الأذهان فكرة أن الأهداف الكبرى المطروحة في متناول اليد، ويكفي للوصول إليها شدّ الهمّة وزيادة الحماسة والاندفاع. إذ هل يعقل أن ننتظر (والعياذ بالله) عشرات السنين حتى تبنى الاشتراكية أو تتحقق الوحدة العربية أو تقوم الخلافة الاسلامية؟!.
حدثني صديق بعثي عن بعض ذكريات شبابه، فقال بين الجد والمزاح: بعد ثورة الثامن من آذار عام 1963 في سورية، كنت أتصور أنه لن يمضي سوى عام أو عامين وتزول الحدود بين الدول العربية، وسأذهب إلى المغرب سائحا على دراجتي الهوائية!. ومن الوقائع التي باتت معروفة أن رئيس دولة عربية تحدّث في أحد مؤتمرات القمة قائلاً إنه يستطيع تحرير فلسطين خلال أربع وعشرين ساعة إذا أعطي كذا وكذا.....
ومن الأمثلة الصارخة على الارتجال والعشوائية وسوء التقدير يمكن أن نذكر المشاريع الوحدوية الورقية الفاشلة بين الدول العربية، وكثرة تغيير الأعلام الوطنية، وحرب حزيران (يونيو) 1967، والغزو العراقي للكويت عام 1990 وماتلاه.
وأدى الاستعجال في تحقيق الأهداف إلى تبني سياسة حرق المراحل، وبرز ذلك جليا في شعار بناء الاشتراكية الذي رفعته الأحزاب القومية الحاكمة.
ووجدت هذه السياسة نصيراً وحليفاً دولياً قوياً، تمثل في الاتحاد السوفييتي، فالحزب الشيوعي السوفييتي كان يرى إمكانية الانتقال إلى الاشتراكية دون المرور بالمرحلة الرأسمالية، انطلاقا من ذلك قدم الاتحاد السوفييتي الدعم والتأييد للبلدان النامية التي كانت تسير – بحسب رأيهم- في طريق التطور اللارأسمالي أو ذات التوجه الاشتراكي. وليس سراً أن الأحزاب القومية الاشتراكية العربية استعارت أجزاء هامة من برامج الأحزاب الشيوعية، وطبقتها على هواها وبطريقتها الخاصة. وبالرغم من العداء الشديد الذي كان يكنُّه القوميون للشيوعيين فقد كانوا شديدي الإعجاب بنظام الحكم السوفييتي، وحاولوا استنساخه، فاستوردوا معظم سلبياته، وأخذوا القليل من إيجابياته. كما اقتبست سلبيات أخرى من الأنظمة في ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية والصين الشعبية وكوريا الشمالية وغيرها.
ثالثا: عبادة الفرد أو تأليه الشخصية: يعلّق كثيرون على الحياة الداخلية للأحزاب بالقول إن الحزب اختُصر بالقيادة، واختُزلت القيادة بالأمين العام. وهذا القول يعكس الحقيقة إلى حد كبير. فالأمين العام مطلق الصلاحية، تُضفى عليه صفات خارقة، ويُحاط بهالة من القدسية، ويبقى في منصبه طالما هو حيّ يرزق. وهذا ما يسمى "عبادة الفرد" حسب ما شاع في الأدبيات الشيوعية بعد انتقاد الحزب الشيوعي السوفييتي لأخطاء ستالين أو ما يُطلق عليه "تأليه الشخصية" بحسب بعض الأدبيات العربية الأخرى.
والمراقب لهذه الظاهرة يلاحظ أنها موجودة في الأحزاب العقائدية التي تطرح برامج قصوى شاملة وكاملة إما من أجل جميع البشر، أو من أجل أتباع دين ما، أو من أجل قوميات وأعراق محدّدة. كما يلاحظ انتشارها في البلدان التي يكون فيها التطور الرأسمالي في بداياته، أو التي قطعت شوطاً مهماً على طريق الرأسمالية، ولكن ماتزال فيها آثار النظام الاقطاعي ماثلة في الأذهان، حيث مايزال يطمح الكثير ممن تحرروا من ربقة الاقطاع إلى سلطة وثروة وجاه تضاهي ما كان لدى الأسياد السابقين.
أعتقد (والله أعلم) أن سبب نشوء عبادة الفرد في حزب عقائدي ما يعود إلى أن الحزب يطرح شعارات ويضع أهداف هي من الكبر والضخامة والمثالية بحيث لا يتحملها الواقع، أي أنها- ببساطة- غير قابلة للتحقيق. وفي ظل الاصرار عليها والتمسك بها يحدث انقطاع بين الواقع والهدف المنشود، أو لنقل، تحدث فجوة بين الموجود والمطلوب. والحزب لايدرك هذه الفجوة بشكل واع، وإنما يشعر بها في عقله الباطن، أو في اللاوعي، فيسعى باللاوعي لملء هذه الفجوة. وبما أنه لايمكن ملؤها بشيء مادي، حسّي وملموس، فإنه يلجأ إلى الأسطورة. والأسطورة بحاجة إلى بطل يصنع المعجزات. وتبدأ عملية بحث وتنقيب هائلة عن الإنجازات والنجاحات والانتصارات التي تنسب إلى حكمة القائد الفذّ، ترافقها حملة دعائية مماثلة لتضخيم هذه الإنجازات والانتصارات وتلميعها وتزويقها. كل ذلك بهدف خلق وهم بأننا نسير إلى الأمام وفي الاتجاه الصحيح.
وتساعد البنية النفسية لأعضاء الحزب على ذلك، لأن نسبة كبيرة منهم من أبناء الفلاحين الأقنان والعائلات الشعبية والفئات الأخرى التي تحمل ثقافة مشابهة. وهؤلاء لا يتميزون فقط بحب الزعامة وإنما يحملون –كما أشرنا- إرثاً تاريخياً من الطاعة والخضوع، فيقبلون بسهولة بالوضع الجديد، ومن لا يقبل فإنه إما يبتعد أو يُبعد. وتظهر اثار عبادة الفرد بكل حجمها وثقلها عندما يكون الحزب حاكماً وحيداً وإلى أجل غير مسمى. أي عندما يكون النظام شمولياً.
إن الأنظمة العربية التي هبت عليها رياح التغيير أنظمة شمولية. سأتحدث عنها الآن، حصرا.
لقدد حققت هذه الأنظمة إنجازات كبيرة في مختلف المجالات، حيث وزعت الأراضي على الفلاحين، وتحسّن الوضع الصحّي، وانتشر التعليم في جميع مراحله، وأقيمت مشاريع كبيرة في الصناعة والزراعة والري والسياحة، وتقدمت الخدمات العامة، وأصبحت التقنيات والأجهزة الحديثة قيد التداول والاستعمال، وصدرت تشريعات وقوانين جديدة، وتم تعديل وتحديث أخرى، وغيرذلك.
وفي المقابل كان هناك القمع وكبت الحريات، وغياب الديمقراطية، وتغوّل الأجهزة الأمنية، وإلحاق النقابات والجمعيات والاتحادات المهنية والمنظمات الشعبية بالحزب الحاكم، وسيطرة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، واستشراء الفساد بكل أشكاله وأنواعه، وأبرزها هدر المال العام ونهبه.
وبما أن العبرة في النتائج، فإن النتائج في المحصلة العامة سلبية، وأسوأ ما فيها الضرر الذي ألحقته بنفوس الناس. لقد تأذّت إنسانية الإنسان على المستويين الفردي والجماعي. ولعلّ العامل الرئيس في ذلك هو حكم الحزب الواحد وعبادة الفرد.
إن الحاكم الفرد هو، بلاشك، شخص موهوب وصاحب قدرات عالية، وعندما يتربع على سدّة الحكم يبدأ بإبعاد رفاق الدرب القدامى ممن يشتم منهم رائحة المنافسة، ثم يتبعهم بأصحاب الرأي والمواقف المستقلة. فإذا كان قاسياً ودموياً فإنه يرسلهم إلى السجن والإعدام، وإذا كان ليناً ومرناً فإنه يحيلهم إلى التقاعد، أو يعيّنهم في وظائف كبيرة اسمياً وقليلة الأهمية فعلياً. سمعت مسؤولاً مصرياً سابقاً يتحدث عن تجربته مع السلطة، فيقول في الختام "عيّنوني مستشارا لا يستشيره أحد". ويتم استبدال طاقم القيادة بطاقم جديد يجيد الطاعة وتنفيذ الأوامر. وتبدأ القيادة الجديدة بإعادة هيكلة الحزب بالطريقة نفسها وبما يتلائم مع التوجهات الجديدة. وتتعالى باطّراد موجات المديح والتبجيل والتعظيم حتى تصل إلى درجات قياسية تضاهي وربما تزيد عما كان في القرون الوسطى أو في عصر الفراعنة.
روى لي صديق من منطقة القلمون أن الاقطاعي زار مرّة إحدى القرى التي يملكها، وتجمهر الفلاحون حوله، ووقف أحدهم ليتحدث باسمهم معبرا للبيك عن مدى الطاعة والولاء والوفاء، فقال: "يابيك، أنت البغل ونحن الذباب تحت ذنبك"!.
وسواء أكانت هذه قصة حقيقية أم رواية طريفة، فإن قول الفلاح البسيط هذا ينطبق عليه وصف المتنبي: "قد أُفْسِدَ القَولُ حتى أُحْمِدَ الصّمَمُ". غير أن وصف المتنبي ينطبق أيضا على الكثير الكثير من أقوال بعض الاعلاميين والسياسيين والمسؤوليين الحزبيين والحكوميين، ممن يحملون شهادات عالية ويرتدون ألبسة أنيقة، والذين كانوا يدبجّون المقالات ويستعرضون مواهبهم الكلامية في الإذاعة والتلفزيون، ويظهرون مقدراتهم الخطابية في الاجتماعات والندوات والاحتفالات الجماهيرية. لقد طفا على السطح نموذج من البشر بلغ التملُّق والتزلُّف والنفاق عنده حدودا تثير الاشمئزاز والقرف. لقد اضطرني هذا النموذج لأن أهجوه شعراً بقصيدة واصفاً إياه بأنه:
مسّاح أحذية، لحّاس أقفية شحّاذ أوسمة، للفرد زمّار
(مع الاعتذار للخنساء وأخيها طلاّع الألوية الذي هو للجيش الجرّار).
ومن الطبيعي في مثل هذه الحال أن ينأى الناس بأنفسهم عن هذه المتاهات وأن يلتزموا الصمت، وإن تكلموا فإنهم يعلنون ما لا يضمرون.
ونظرا لغياب التخطيط والاستراتيجيات فإنه مامن انجاز تحقق بشكل كامل ومتكامل، فقد ظلت تشوبه الشوائب والثغرات، وسرعان ما تظهر آثاره الجانبية الفتاكة. فمع اندفاعة التأسيس الأولى، اتجهت الأجيال الشابة نحو العمل والوظيفة، مما تسبب لاحقا بهجرة واسعة من الريف إلى المدينة. واكتظت المدن بالسكان، وأحاطت بها الأحياء العشوائية التي تحولت بدورها إلى مشكلة اجتماعية واقتصادية وبيئية عويصة. وفي هذه الفترة انضم إلى ابناء العائلات الشعبية من الريف والمدينة نظراؤهم من البادية، أي الأفراد العاديون (من غير الشيوخ) من أبناء القبائل والعشائر، وحصلوا على نصيبهم من المكاسب.
ولم يترافق توزيع الأراضي على الفلاحين مع اجراءات فعالة لحماية الأرض والفلاح، وشاخ الآباء، وصار معظم الابناء موظفين (مدنيين وعسكريين)، ومنهم من استقر في المدن، وقلّ عدد الفلاحين والعاملين في الزراعة، وراحت الأراضي تبور. وبسبب عوامل التوريث والبيع والشراء والبناء تفتت الملكية الزراعية، وصار أمراً اعتيادياً أن يشتري أبناء القرى الخبز ومشتقات الألبان والخضراوات والفواكه من الدكاكين، وأن يأتوا بها من المدن!.
وحصل تقدم كبير في مجال الصحّة، إلا أن مسائل كثيرة مرتبطة بالصحة بقيت معلقة، ومن أهمها مسألة تنظيم الأسرة ورعاية الأمومة، وازداد عدد السكان بنسب تفوق مثيلاتها في الدول الأخرى، وازداد عدد العاطلين عن العمل. وحاولت الدولة التخفيف من حدّة الأزمة، فقامت بتشغيل وتوظيف أضعاف ما تحتاج إليه من العمالة، ولم تفلح، وخلقت مشكلة جديدة هي مشكلة البطالة المقنعة. وبما أن الأجور والرواتب ضئيلة، صارت فئة من الموظفين تتفنن في تعقيد أمور المواطنين وابتزازهم لإجبارهم على دفع الرشاوى، مستغلة بذلك التعقيدات الإدارية وتشابك وتضارب الأنظمة والقوانين والتعليمات. وأصبح تسجيل مولود جديد في سجلات النفوس مشكلة، ودفع فاتورة الهاتف مشكلة، وصار المواطن يلعن الساعة التي جعلته يراجع دائرة حكومية.
اعتمدت الدولة مبدأ مجانية التعليم وإلزاميته حتى المرحلة الاعدادية، وانتشر التعليم وتوسع افقيا وشاقوليا. وكان ذلك انجازاً عظيماً. إلا أن عجز القطاعين العام والخاص عن توفير فرص عمل لخريجي الثانوية العامة دفعهم إلى التسجيل في الجامعات والمعاهد المتوسطة. واكتظت الجامعات بالطلاب الذين راحوا ينظرون إلى الشهادة الجامعية باعتبارها وسيلة تزيد من حظوظ حاملها للحصول على فرصة عمل، إن لم يكن داخل البلاد ففي خارجها، ولم تعد الأولوية للعلم والثقافة. ونظرا للإقبال الشديد للتسجيل في كليات الطب والصيدلة (بضغط من الأهل، من أجل الوجاهة والغنى)، اضطرت الدولة لاعتماد علامة النجاح في الثانوية العامة كمعيار لقبول الطلبة في الجامعات. وأصيب المجتمع بحّمى "العلامة"، وأصبحت الدروس الخصوصية شراً لابد منه، وهذا ما أساء إلى مهنة التدريس، وقوّض إلى حد كبير مبدأ مجانية التعليم. والنتيجة، أن معظم الطلبة اليوم يدروسون اختصاصات لا يحبونها أو لا يرغبون بها.
وبسبب سياسة القمع وكبت الحريات غابت الرقابة والمحاسبة، وصار كثير من المسؤولين يستغلون مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية، وأقيمت شراكة بين هؤلاء المسؤولين وبين المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال، نشأت منها برجوازية بيروقراطية طفيلية شديدة الشراهة، تأكل الأخضر واليابس ولا يردعها رادع. وهذا ما أدى إلى إفقار وتهميش فئات شعبية واسعة.
وانتشرت ظاهرة البذخ والتبذير، بخاصة في صفوف الأغنياء الجدد من حديثي النعمة، الذين مازال شبح الفقر القديم يطاردهم. وترى أحد هؤلاء، ممن كانت حفلة عرسه مناسبة استثنائية سعيدة لأكل اللحم وشرب الشربات، تراه اليوم يزّوج ابنه أو ابنته في فندق خمس نجوم، ويأتي بقالب الكاتو وفستان العروس من فرنسا، والطعام من ايطاليا، والزهور من اسبانيا!. وساهم في تغذية ظاهرة البذخ هذه العاملون في الدول النفطية في الخليج العربي ومغتربون آخرون.
وبهذا الشكل تحّول المنصب الحزبي أو الحكومي أو الأمني إلى مصدر للجاه والسلطة والثروة. لذلك تهافت كثيرون عليه، وصار هدفاً وغاية، يسعون إليه بكافة السبل، وشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وكانت التعيينات في أغلب المناصب، وبخاصة "الدسمة" منها تتم على أساس الولاء والانتماء، وتتدخل فيها الواسطة والمحسوبية، ووصل إلى المناصب في كثير من الأحيان أناس غير كفوئين وغير مؤهلين، وتنقصهم الخبرة والتجربة والمعرفة، ومنهم من كانوا نكرات تماما، لذلك تفشى الحسد وصرت تصادف في كل مكان شخصاً يعتقد أن لديه الأهلية والكفاءة لتولي أعلى المناصب، ويدعي الأحقية في ذلك، على مبدأ "لماذا فلان وليس أنا". ويعتبر نفسه مظلوماً اذا لم يسند اليه منصب ما، ويشكو حظه العاثر، أو يشتم فلاناً من الناس لأنه وقف حجر عثرة في طريقه.
وهكذا عمّت المجتمع- باستثناء قلّة قليلة- حالة من عدم الرضى. ولعدم الرضى هذا درجات يمكن تصنيفها تنازليا على النحو التالي: حاقد – مقهور- ساخط - غاضب- منزعج- ممتعض- عاتب. ومن الطريف أن هناك وزراء يشكون أيضا، فالوزير يشكو إما من قلة صلاحياته، أو من تدخل الأمن في عمله، أو من تجاهل وسائل الإعلام له ولإنجازاته، أو لأنه لم يستطع الحصول على شهادة الدكتوراه مثل غيره. بالمناسبة، لقد أصبح الحصول على الدكتوراه ووضع حرف الدال وبعده نقطة أمام الاسم هاجساً للكثيرين، ومنهم مسؤولون كبار، وصار لقب "دكتور" أهم من لقب باشا أو بيك أو صاحب المعالي أو صاحب السعادة!!!.
يمكن القول بعد كل ما ذكرناه، إن المجتمعات العربية وصلت إلى الحالة الثورية. والحالة الثورية –بحسب تعبير لينين- تنشأ عندما لم يعد الذين هم تحت يقبلون بالعيش كما في السابق، ولم يعد الذين هم فوق يستطيعون الحكم كما في السابق-. وكانت الحالة الثورية تنتظر شرارة للاشتعال. وهذا ما حدث بالفعل. ولا يمكن التغاضي عن دور ثورة الاتصالات والمعلوماتية التي فتحت عيون الشباب العربي على ما يجري في العالم. والشباب هم المحرك الأول للثورات، وهذا يبشر بالخير. ولم يعد ممكناً خداع الشباب العربي بالكلام المعسول والشعارات الرنّانة. فالمطلوب هو دولة مدنية ديمقراطية تعددية، ترتكز على مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان. وهذا مالم يستطع الأخوان المسلمون في مصر استيعابه، فجاء عقاب الشعب المصري لهم سريعاً وحاسماً في الثورة الثانية في 30 يونيو 2013.
وبالرغم من التفاؤل الكبير بالمستقبل، لابد من الإشارة إلى أن الأمور لم تحسم بعد فالمعركة بين الجديد والقديم محتدمة. والمخاض عسير يزيد من آلامه التآمر الامبريالي والنمو السرطاني للجماعات الارهابية والحركات التكفيرية الظلامية. وهذا يفرض أشكالاً جديدة للعمل والنضال.