نجيب سرور صوت المقهورين في الشعر والمسرح
ثلاثون عاماً على رحيله
نجيب سرور
صوت المقهورين في الشعر والمسرح
عيد عبدالحليم *
«الحق الحق أقول لكم:
لا حق لحيٍّ إن ضاعت.. في الأرض حقوق الأموات
لا حق لميت إن يهتك عرض الكلمات!
وإذا كان عذاب الموتي أصبح سلعة
أو أحجبة أو أيقونة..
فعلى العصر اللعنة
والطوفان قريب»..
انه نجيب سرور «1932 - 1978» الشاعر المتمرد صاحب «التراجيديا الإنسانية» و«لزوم ما يلزم» و«برتوكولات كلماء ريش» و«الأميات» وصاحب التجربة الفريدة في المسرح الشعبي باللغة العامية في «ياسين وبهية» و«منين أجيب ناس» و«يا بهية وخبريني» الفنان الذي عاش أدواراً عدة في حياة متناقضة - ثلاثون عاماً مضت علي رحيله، فكان لابد من وقفة للتأمل.
الشاعر محمد سليمان يرى أن «نجيب سرور» أحد الشعراء المظلومين في تاريخ الشعر المصري الحديث حيث لم تلتفت إليه الحركة النقدية كما ينبغي، ولم يتناول النقاد شعره بالشكل اللائق، ربما يرجع ذلك لأن الحركة النقدية - عندنا متقاعسة لا تهتم إلا بالنجوم، وهذا ما حدث أيضاً من تجاهل أسماء شعرية مجايلة له مثل كمال عمار ومحمد مهران السيد وكامل أيوب.
ويضيف سليمان أن هؤلاء الشعراء يتحملون جزءاً من مسئولية هذا التجاهل لأنهم انشغلوا بأشياء أخرى غير الشعر فلم يدافعوا بالشكل الكافي عن موهبتهم، الشعر كان يحتاج منهم الدأب والدفاع عن الذات كجزء من الموهبة، فرأينا كمال عمار يختفي، ونجيب سرور ينشغل بأشياء كثيرة كالتمثيل والمسرح والشعر العامي، ومن المعروف أن كثرة الانشغالات تدمر الموهبة.
وأذكر أن صلاح عبدالصبور في أول مقابلة لي معه قال لي: «لا تهدر جهدك وانشغل فقط بكتابة القصائد»، وحين ذهبت إليه وهو رئيس الهيئة العامة للكتاب عام 1979 ليطبع لي «مسرحية شعرية» قال لي «لابد وأن تقدم نفسك في ديوان كشاعر أولاً». أما هؤلاء الشعراء على تفرد موهبتهم - أخذتهم رغبات عدة وإن كان الشعر أحداها.
ومع ذلك يؤكد د. محمد سليمان: يبقي من «نجيب سرور» تجربته المسرحية المهمة، حيث سافر إلي «روسيا» ودرس فنونه بشكل أكاديمي منظم، ثم عاد ليكتب روائعه منذ أواخر الستينيات، فهو أحد الشعراء المهمين في جيل الستينيات رغم كل هذه الملاحظات.
مواهب متعددة
أما الشاعر شعبان يوسف فيؤكد أن «نجيب سرور» قد تم تجاهله بشكل مؤسف من قبل الحركة الأدبية، فهو صاحب مواهب متعددة كمؤلف وشاعر وممثل ومخرج، وخلال عمره القصير قدم ما لم يقدمه الكثيرون، وله كتابات مجهولة لم يكتشفها أحد حتى الآن. هو يتعرض لحالة من المحو كالأشياء الجميلة التي يحاول البعض محوها، فهو من الكتاب الذين ارتبطوا بالواقع فتغلب على كتاباته «التناقضات الطبقية» مثله مثل نعمان عاشور وكمال عبدالحليم وفؤاد حداد الذين ارتبطوا بالقضية الاجتماعية.
ويشير شعبان يوسف إلى أن «نجيب سرور» يعد واحداً من رواد الشعر الحر في مصر فله قصائد يرجع تاريخها إلي عام 1953، وهي موجودة في ديوانه «التراجيديا الإنسانية»، وهي قصائد لم تقرأ جيداً ولا تقلُّ قوة عن قصائد صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، وهناك قصائد كان ينشرها في مجلتي «الرسالة»، و«الشهر» لم تنشر حتى الآن في ديوان.
لكن مأساته وحياته الدرامية وإدخاله قسراً «المصحة النفسية» وحياته الفقيرة وتعيينه في «معهد الفنون المسرحية بمبلغ رمزي - حتى أنه كان يجد قوت يومه بصعوبة - رغم أهميته كشاعر ورجل مسرح من طراز فريد».
أما الناقد فاروق عبدالقادر فيري أن مسرح نجيب سرور مسرح مصطنع، مجرد قصائد تخلو من عناصر الدراما، وباستثناء مسرحية «ياسين وبهية» التي يرجع نجاحها إلى «كرم مطاوع» كمخرج حيث أعاد بناءها لتتناسب مع العرض المسرحي.
وقد كتبتُ عن مسرحيته «منين أجيب ناس» مقالاً مطولاً تحت «عنوان» منين أجيب ناس ودراويش نجيب سرور» بنيت فيه ملاحظاتي حول تجربته.
رجل مسرح
ويختلف مع هذه الرؤية الناقد المسرحي د. عمرو دوارة حيث يقول: «نجيب سرور كان رجل مسرح بمعني الكلمة، وكان كمؤلف يدرك تفاصيل اللعبة المسرحية ومتطلبات الخشبة المسرحية لأنه مارس العمل كمخرج وممثل وناقد وهذا أثرى تجربته في العمل المسرحي. نصوص نجيب سرور نصوص باقية بلا شك لأنها علامة بارزة في تاريخ المسرح المصري، ربما لكونها تعدّ نصوصاً موازية للمسرح الشعري الذي قدمه «عبدالصبور» لأنها مكتوبة باللغة العامية، وهذا هو التفرد الذي قدمه «سرور» فهو مؤسس المسرح الشعري العامي.
ويضيف د. دوارة قائلاً: و«إلى الآن لم تزل نصوص باقية من خلال فرق المسرح البديل في الثقافة الجماهيرية والجامعات، حيث يعاد تقديم عروضه كثيراً وأنا أعتز بتجربة عملي في إخراج «يا بهية وخبريني» مع الراحل كرم مطاوع عام 1978 كمساعد مخرج، حيث عملت معه لأكثر من 14 عاماً - ثم أخرجتها بعد ذلك في نفس العام حين كان نجيب سرور وقتها في المستشفى وكان معي من الممثلين الممثل والإعلامي أحمد مختار والممثل ناصر سيف وهم من اعضاء «فرقة مجانين المسرح» التي كونها في ذلك الوقت، ثم أخرجتها - بعد ذلك في الدورة الخامسة لمهرجان المسرح العربي.
ويشير د. عمرو دوارة قائلاً «أنا شخصياً مازلت متشوقاً لتقديم نص من أهم نصوص نجيب سرور وهو «الذباب الأزرق» بما يعرضه من قضية شديدة الواقعية والآنية حول واقع القضية الفلسطينية - فتدور أحداثه حول جثة شاب فلسطيني اختلفوا أين يدفنونه - في الشمال أو الجنوب وهو نصٌّ بالغ الدلالة على الخلافات السياسية الآن في الأرض المحتلة رغم أنه تمت كتابته منذ ما يقرب من 40 عاماً».
لغة مركبة
وترى الناقدة المسرحية مايسة زكي أن صعوبة مسرح «نجيب سرور» تأتي من كونه مسرحاً يعتمد على الغنائية وهذا يحتاج إلى تواصل من نوع خاص وحالة مختلفة من التلقي فنصوصه كتبت في مناخ معين وبقصدية ما، وهنا تكمن مهارة المخرج، هل يستطيع التقاط تلك النغمة الهاربة أم لا؟
وتضيف مايسة زكي قائلة «إن نصوصه تحتاج إلى وجوده، فهي لكونها شعراً تحتاج إلى منشدها، وهنا تكمن الصعوبة نظراً لبنية نص نجيب سرور ولغته. أما إذا نظرنا إليه كوجه سياسي فقط فإن أعماله لا تجدي - في هذه اللحظة - لأن الأعمال السياسية مرتبطة بلحظتها. ومع ذلك يبقي من مسرحه تلك الشحنات العاطفية علي مستوي الأداء الداخلي للعرض، مع أنها تفقد كثيراً من عناصرها في كل عرض، وتزيد إذا كان المخرج متمكناً ومع ذلك فإن بعض عروض نصوصه نجحت مع فرق الهواة نظراً لتقديمها في إطار جمالي يتميز بالبساطة في الإيقاع والصورة».
الفلاحون طاقة جبارة
ويري الكاتب بيومي قنديل أن مسرحيات نجيب سرور مشحونة بالدراما وبالفكر، فقد كان ينتصر لقضايا الفقراء في مصر والمهمشين، وكان يعتقد اعتقاداً راسخاً أن في الضعف قوة وأن «الفلاحين» في «بهوت» - يملكون طاقة جبارة في التغيير، لكن كان عنده مثلما كان عند مسرحيّي الستينيات، يعلو صوت المؤلف. لكن إذا وضعنا هذه النقطة في حجمها أعتقد أن مسرحه يستمر عضلة نابضة في تاريخ المسرح المصري خاصة مسرحيتاه «ياسين وبهية» و«منين أجيب ناس».
ويضيف بيومي قنديل قائلاً: «لقد كانت لسرور دراسات مهمة في اللغة لم تنشر في مصر ونشرت في جريدة «البيان» الإماراتية، أعاد فيها تفسير «رسالة الغفران» علي أساس لغوي وكان معتمداً في ذلك على رؤية مستشرقين روس قرأوا «رسالة الغفران» قراءة مختلفة بعيداً عن ظاهر النص، وهذا مبحث جديد لم يسبقه أحد إليه ولم يتابعه أحد من بعده.
الشاعر والمخرج أشرف أبوجليل فيقول «يظل إبداع نجيب سرور الأكثر التصاقاً بالوجدان القروي، وتجدد له فرق بيوت الثقافة في الأقاليم البيعة كل عام من خلال عرض إحدى ملاحمه المسرحية التي تجسد واقعهم عبر عدة مستويات، منها المستوي الرمزي الذي تتعدى دلالاته مأساة أبطال عرضه إلى مأساة واقع راهن، والمستوى اللغوي الملتصق بوجدان الجماعة الشعبية بخيالها وموسيقاها وتراثها من الأمثال الشعبية ومأثوراتها الشعرية والدينية، وهو ما يفسر اهتمام مسرح الهواة في نوادي المسرح وبيوت الثقافة - دون غيرها - بمسرحه، فهو إلى جانب ماسبق تعطي نصوصه فضاءً مسرحياً لخيال المخرجين الباحثين عن التجديد والتجريب في نصوصه.
ساهم في موته
أما الكاتبة الصحفية أمل سرور - ابنة شقيق الشاعر الراحل - فتصف علاقتها بعمها قائلة «كان طفلاً كبيراً، وحين توفي كنت لم أزل في الصف السادس الابتدائي، وقد جاء إلى بيتنا قبل وفاته بثلاثة أشهر، لدرجة أنني أنا التي فتحت له الباب وتحرّج أن يدخل حتى أيقظت أبي من النوم، وكانت حالته تدعو للرثاء بالفعل فقد كانت ملابسه ممزقة وشعره طويلاً مهوشاً ويبدو علي وجهة الارهاق والجهد، وقد وصل إلى هذه الحالة بعد أن سافرت زوجته إلى وروسيا ومعها ولداه «شهدي» و«فريد». كان «نجيب» وأبي هما الولدان وسط 9 بنات، وأذكر أنه هو الذي غير من نظرتي للحياة - ربما أكثر من أبي - فقد زرع بداخلي التمرد وحب الصحافة، وأذكر أنه قال لي «أنت التي سوف تكتبين سيرتي». حتى بعد وفاته كانت «عماتي» يشبهنني به.
وتضيف أمل قائلة: «لا أحد ينكر أن نجيب ساهم في موته، وأرى أنه انتحر انتحاراً بطيئاً فقد كان يشرب كثيراً رغم تحذيرات الأطباء لأنه كان مريضاً بالسكر الذي نهش جسده وكان سبباً في وفاته.
وأظن - كذلك - أن «نجيب سرور» ظُلم حياً وميتاً إنسانياً ومهنياً. فحتى الآن، وبعد ثلاثين عاماً من رحيله، لا يزال التجاهل موجوداً، لدرجة أن قصر الثقافة الوحيد المسمى باسمه في بلدته لم ينته العمل به وصار بناية مهدّمة خربة.
وتختم أمل سرور كلامها قائلة: «هذا الرجل كان يحب مصر بجنون، وكان لابد أن يكرّم أكثر من ذلك لا نريد الاهتمام بنجيب الإنسان، بل نريد الاهتمام بما أنتجه من فن وإبداع من مسرح وشعر وهناك كثير من الشباب الذين يريدون عملَ أفلامٍ تسجيلية عنه لكنهم لا يجدون تمويلاً، فأين وزارة الثقافة من كل ذلك؟!!
* عن الأهالي