|
أنا ابْنُ الشَّقاءْ ربيبُ الَّزريبة والمصطبةْ وفي قريتي كلُّهم أشقياءْ وفي قريتي (عُمدةٌ) كالالهْ يُحيط بأعناقنا كالقدرْ بأرزاقنا بما تحتَنا من حقولٍ حَبالى يلدْنَ الحياةْ. وذاك المساء أتانا الخفيرُ ونادى أبي بأمر الإله !.. ولبَّى أبي وأبهجني أن يُقالَ: الإلهُ .. تنـازل حتى ليدعـو أبي! تبعتُ خُطاه بخَطْو الأوزِّ فخوراً أتيهُ مِن الكبرياءْ أليس كليمُ الاله أبي ؟! كموسى .. وإنْ لم يجئْه الخفيرُ وإن لم يكن مثلَه بالنَّبي وما الفرق ؟.. لا فرقَ عند الصبيْ! وبينا أسيرُ وألقى الصغار أقول: "اسمعوا.. أبي يا عيال، دعاه الاله" ! وتنطق أعينُهم بالحسدْ. وقصرٌ هنالك فوق العيونِ، ذهبنا إليهْ يقولون.. "في مأتمٍ شيَّدوهْ ومِن دم آبائنا والجدودِ وأشلائِهم فموتٌ يطوف بكل الرؤوسِِ وذُعرٌ يخيِّم فوق المُقلْ وخيل ٌ تدوسُ على الزَّاحفين وتزرع أرجلَهَا في الجثتْ". وجدَّاتُنا، في ليالي الشِّتاء، تحدثْنَنا عن سنينٍ عِجافْ عن الآكلين لحومَ الكلابِ ولحمَ الحمير.. ولحمَ القطط ْ عن الوائـــدين هناك العيــال من اليــأس.. والكفر والمســغبة "ويوسف أين؟" .. ومات الرجاء وضــلّ الدعــاءُ طريقَ السـّـماء وقــام هنــالك قصرُ الإلــه يــكاد ينــام على قـريتي ويــكتم كالطّود أنفاســها
ذهبنا إليه فلمَّا وصلنا .. أردتُ الدُّخولَ فمدَّ الخفيرُ يداً مِن حديد وألصقَني عند باب الرَّواق وقفتُ أزفُّ أبي بالنَّظر فألقى السَّلامَ ولم يأخذِ الجالسون السَّلامْ!! رأيتُ.. أأنسى ؟ رأيتُ الإلهَ يقومُ فيخلعُ ذاكَ الحذاءْ وينهالُ كالسَّيل فوق أبي!! أهـــذا.. أبي ؟ وكمْ كنتُ أختالُ بين الصغار بأنَّ أبي فارعٌ "كالملك"! أيغدو ذليلاً بهذا القصرْ؟! وكم كنت أخشــاه في حلمـه وأخشى إذا قـام أن أقعـدا وأخشى إذا نـام أن أهمســا وأمي تصبُّ على قدميــه بإبريقهــا وتمســح رجليــه عند المســاء وتلثم كفيــه من حبّهــا وتنفض نعليــه في صمتهــا وتخشى علــيه نســيم الربيــع !
أهـــذا.. أبي ؟ ونحن العيالُ.. لنا عادةٌ.. نقول، إذا أعجزتْنا الأمور: "أبي يستطيع!" فيصعد للنَّخلة العالية ويخدش بالظِّفْر وجه السما ويغلبُ بالكفِّ عزْم الأسَد ويصنع ما شاء من معجزات! أهـــذا.. أبي، يُسامُ كأنْ لم يكن بالرجلْ وعُدْتُ .. أسيرُ على أضلعي على أدمعي .. وأبثُّ الجدرْ "لمـاذا.. لمـاذا؟"
أهلْتُ السُّؤال على أمِّيَه وأمطرتُ في حِجْرها دمعٍيَه ولكنها أجهشتْ باكـيهْ "لمـاذا أبي؟" وكان أبي صامتاً في ذهولْ يعلِّق عينيه بالزاوية وجدِّي الضَّريرْ قعيدُ الحصيرْ تحسَّسَني وتولَّى الجوابْ: "بنـيَّ.. كذا يفعلُ الأغنياءُ بكل القرى"! كــرِهْت ُ الإله.. وأصبح كلُّ إله لديَّ بغيضَ الصَّعرْ تعلمتُ من يومها ثورتي ورحتُ أسيرُ مع القافلةْ على دربها المدْلهمِّ الطَّويل لنلفي الصَّباحَ لنلقى الصَّباح ! القاهرة - 1956 القاهرة - 1956
|