مع جبران في مرجحين – ملعب صيفيَّاته

هنري زغيب قرأها 2,986
 

صديقه بكى حين رأى غلاف "الأجنحة المتكسِّرة"

- نَجول على بُحيرة مرجحين، ثم نعود الى زيارة الهرمل!

هكذا بادرني مُضيفي وهو يستقبلني وكان ينتظرني تَحت شجرة ظَليلة على جسر الْهرمل.

مرجحين؟ هدَر الاسم من ذاكرتي مرتبطاً بِمقالٍ كنتُ قرأْتُه قبل عشرين عاماً لِمؤرخنا العلاَّمة فؤاد افرام البستاني يَذكُر فيه أنّ جبران أمضى طفولته في تلك القرية.

أتكون هيَ هيَ؟ ما كاد مضيفي يؤكِّد لي ذلك حتى كان معي في السيارة، و...انطلقنا الى مرجحين.

جبران؟ قضيتُ ستّ سنوات إقامتي في الولايات المتحدة أتعقَّب خطواته من بوسطن الى نيويورك، أزور جميع الأماكن التي سكن فيها. أفلا يجدر بي أن أزور في لبنان مكاناً سكن فيه؟؟

بدأْنا التصعيد في طريق متأفعنة (لكنها مقبولة التعبيد) فبادرني مضيفي: "نتوجه الآن الى جرود الْهرمل". وتابع أن القسم الأخير من الطريق شقَّه الأهالي بجرّاراتهم، ثم جاءت الدولة ففلشت الزفت على طول الطريق.

ويروح يشرح: "مرجحين، تصغير "مرج حنا"، تنبسط على سفح القرنة السوداء، أي على الْمقلب الشرقي لِجبل الْمَكْمِل. كانت سابقاً لأهالي بْشرِّي حين كانت هذه البقعة تابعة لقصبة بْشرِّي، ثم نزح الشيعة إليها من بلاد جبيل فتداخلَت الْمُلْكيات. وهذا ما يفسِّر التبادلات التجارية بين مرجحين وبْشرِّي، أَي عن جانِبَي الجبل مروراً بقمته، في حركة عبورٍ كانت تَتواصل من مطالع الربيع الى مطالع الخريف، مسافة تقطعها القوافل في ما لا يزيد عن ست ساعات، وتتعطَّل الانتقالات شتاءً لأن مرجحين على علو 1712 متراً، وشتاؤُها قاسٍ وعنيف يبلغ الثلج فيه أحياناً ثلاثة أمتار. ومن تلك التبادلات نشأت شراكات في مُلْكية الأراضي والتجارة. وبفضل تلك التبادلات والصداقات كان تُجَّار مرجحين يذهبون لتسويق بضائعهم في سوق بْشرِّي، وكان تجار بْشرِّي وبعض أهلها يجيئون لتسويق بضائعهم في مرجحين. من هؤلاء الأهالي البشرّاويّين: خليل جبران وشقيقه عيد. كانا يُمضيان الشتاء في بْشرِّي والصيف في مرجحين".

ويشدّد مُضيفي على العلاقات الوثقى في ما بين أهالي بْشرِّي وعيناتا ودير الأحمر وأهل العشاير في الْهرمل (علاَّو، دندش، ناصر الدين، جعفر، علاَّم، عوَّاد، ...) وهي حتى إبان سنين الحرب السبع عشْرةَ في لبنان بقيت أقوى من التفرقة الطائفية.

في أعالي تلالٍ كنا نجتازها، أشجارٌ ضخمة الجذوع عتيقة متينة. "إنها من السنديان واللزَّاب" يشرح مضيفي ويضيف: "شجرة اللزّاب تعطي الأوكسيجين لكل محيطها".

عند أعلى تلة في الْمنطقة (2000 متر) ترجَّلنا من السيارة فانساب أمامنا منظرٌ كما في الخَيَال: سهل البقاع على مصغَّر، أخضر أخضر، بين سلسلتين من الجبال. "هذه هي مرجحين" قال مضيفي، وأضاف: "مرجحين صيفية أهل الْهرمل. والْهرمل مشتى البقاع. هو على 550 متراً، أَي بِمستوى القاع. وها نَحن هنا في أعلى نقطة من جرود الْهرمل. هذا الذي أمامك هناك: جبل الْمكمل، وهاتان فوق: قمتا فم الْميزاب والقرنة السوداء على 3090 متراً. الى يَمينك هناك في البعيد عيون أرغش، ووراءها جبل الأرز وتَحته بْشرِّي. وهذه التلة وراءَنا هنالك، تَحتها القموعة، وتنحدر منها بلاد عكار".

ننحدر الى مرجحين، الى سهلها الأخضر الْجميل. بيوتُها قليلة، أكواخها أكثر. لَم تصلها الكهرباء بعد. نتوقف عند مقهى "عروس مرجحين". تظلِّلُهُ أَشجارُ حَورٍ عالية. يَمرُّ من عند أقدامنا "نَهر الحور" فاصلاً عقارياً بين بلاد الْهرمل وبلاد عكار. بَخطوة واحدة الى الأمام نَحن في الْهرمل، وبِخطوة واحدة الى الوراء نَحن في عكار. نستريح قليلاً. يصل "العمّ أبو عقيل فهمي علَّوه" (كتابتُها هكذا، ولفظها "علاَّو") كما قدَّمه لي مُضيفي وأردف: "أبو عقيل يختزن أخباراً عن جبران". أهفو لهيفاً إلى سَماعه. لا نكاد نبدأ حتى يقترح أبو عقيل: "هلمّ الى البحيرة كي ترى أين كان يلعب جبران". نتوجَّه الى البحيرة. تَشُقُّ السيارة مسافة ترابية غير قصيرة مُمتلئةً نبتاتٍ خضراءَ متوسطة العلوّ ("بطاطا" مثلاً !؟). نترجَّل. يشرح أبو عقيل: "هذه بُحيرة نبع الْحَور. فيها عيون كثيرة". وبالفعل، حين اقتربنا من المياه شاهدتُ العيون تُفَقْفِقُ من تَحت الصخور وتصُبُّ جَميعُها في هذه البحيرة. ينتهرني أبو عقيل باعتزاز هرمليّ: "هذه مرجحين. نَحن في قلبها. ها هي مثل سفينة فينيقية، ونَحن على متْنها: هي من هنا عاليةُ الْمقدمة، ومن هناك عالية الْمؤخّرة. في هذه البقعة بالذات كان جبران خليل جبران يُمضي صيفياته". نَجلس في الْمقهى. تقترب منها صاحبتُه "الست إنصاف علّوه": "أنا مولودة هنا، وعشتُ طفولتي وصباي على ضفاف هذه البحيرة. في أيام الثلج تكون مياهها دافئة، وفي الصيف برودةُ مياهها تشُقُّ رأْس البطيخ. منذ طفولتي الأُولى وأنا أسمع من بيت جدي أنّهم كانوا جيْران بيت خليل جبْران. كانوا يصيِّفون مقابل بيت جدي. بيتهم هناك حيث هذه الْخربة الْمُندثرة، وطلع منهم، قال، ولدٌ نابغة اسْمه جبْران راح عَ الأميركا". كان أبو عقيل يصغي إليها باهتمامٍ ويهزُّ برأْسه موافقاً. أَستفهمُ منه عن جبران أكثر، فيدعوني للانتقال الى مقهى "عروس مرجحين". نَمرُّ بالنبتات "الخضراء" مجدداً (افترضنا أنّها، مثلاً، بطاطا). يؤكد أبو عقيل (75 سنة): "عندنا هنا نبتة تشفي جَميع أمراض الصدر". نبلغ المقهى. نجلس تحت الحورات. يروي أبو عقيل بِحماسة واندفاع: "كان جبران في طفولته وصباه يأْتي مع والدَيه كل صيف الى مرجحين. فتح أبوه خليل وعمُّه عيد دكاناً. أقرب أصدقائه إليه كان أحمد فارس علَّوه. معه كان يُمضي معظم أوقاته. وأحمد، هذا، أذكُره جيداً. كنت فتىً حين، منذ نحو 50 سنة، وقعَت حادثة كنت شاهداً عليها ولن أنساها. ذات يوم، كنا هنا في سهلة مرجحين، وجاء أحدهم من الْهرمل بكتاب. أخذه أحمد، تأمّل فيه طويلاً، مع أنه أُمِّيٌّ لا يقرأ مطلقاً، وانْهمرت من عينيه دموع غزيرة جداً وأخذ يشهق. وبين شهقة وشهقة قال: "ها هو. عرفته. هذا هو رفيق طفولتِي في مرجحين". وحين أخذْنا الكتاب من بين يديه، كان "الأجنحة الْمتكسرة" وعلى غلافه صورة جبران. ثم راح يروي لنا كيف كانوا ثلاثة: جبران وأحمد وصادق حمد علاَّم، يسرِّحون البقر والأغنام في سهلة مرجحين. وذكر لنا أنّ جبران كان يَجمع الوحل بِكفَّيه عن ضفّة البحيرة ويَجبُله تَماثيل مُختلفة الأشكال ويتركها حتى تنشف في الشمس، ويقول لهم: "سأكون فناناً وأصنع تَماثيل وتصاوير". ويكمل أبو عقيل: "ثم روى لنا أحمد كيف أن هذه المنطقة كلّها (جرود الْهرمل) كانت عاصية على العسكر التركي، وغالباً ما كان الْهرمليون يفتُكون بالعثمانيين ويرمونَهم في "هوة السوَّاح" (فتحَت فيها صاعقةٌ قويةٌ ذاتَ شتاء رهيبٍ فتحةً بلغ عمقُها نحو 500 متر). وذات يوم جاء العسكر التركي – "عسكَر زنُّوبه" كما كنا نسميه- يريد أخذ الناس للسخرة، فهرب الرجال الى مغاور الجرود، ومعهم خليل جبران الذي تركَ في الدكان أخاه عيد وكان بسيطاً ساذجاً. في ذلك اليوم طلَع جبران بقرّادية طويلة. وطلبْنا من أحمد أن يتذكّرها، فرواها لنا بنصها الكامل، وهذا هو:

خليل جبران طاح بالعرضان

دشَّر الدكان عَ ولاد الزغار

وإمي "كَمُّول" تصرخ وتقول:

يا عيد يا مهبول خيك وين طار؟

خليل حمود ابن عم بو محمود

هرب عَ الجرود ما عاد انذكَر

وخليل حمود كان صدرو قلود

عن أباً وجدود من زق الذخَر

سلامه يخاف من شد الكتاف

آه يا سفاف سكَّنَّا الْجُوَر

يوسف بشير بتمو نقير

مرتو بيديها تشير ما عنا خبر

أسعد عمار أخد الحمار

لمغارة الْمسحار وَدَّو وطَفَر

إجاهم رشيد يهمدر من بعيد

آه يا صنديد ما هو الْخَبَر؟

أنا خوك حسين أرضي براس العين

بقتل كل اتنين بضربة حجَر

وأبو جواد حكمو السداد

غوَّل وزاد ومن وقتا انفجَر

حَمد بيذوق طبعو حَموق

دَقَّلُّو خازوق سليم العازار

وشديد علاّم صار يتكلّم

ونادى عَ الدوام بِخربان الديار".

استفهمتُ من أبو عقيل عن معنى بعض الكلمات، فإذا بـ"العرضان" (جمع عريض) أي صدور الجبال، والـ"قلود" هي جحور أو ثقوب في الصدر، و"كَمُّول" هي كاملة والدة جبران، و"السنّاف" هو اسم تاجر غنم، وسليم العازار هو ضابط لبناني من أميون، ورشيد هو جدّ مفلح علَّوه (رفيقنا في الرحلة).

يكمل أبو عقيل كيف أحمد (توفي سنة 1975) حكى لهم بتأثُّرٍ شديد أن جبران كان ولداً حادّ الذكاء. وحين علم أحمد أن جبران كتب أرزاقه وأملاكه لبلدته بْشرِّي، تأثَّر أحمد ففعل مثل صديقه جبران، وكتب أرزاقه وأملاكه لبيت علّوه. وحين قام أحمد ذات يوم بزيارة بْشرِّي بعد وصول جثمان جبران إليها، ارتجل بيتين من العتابا، هما:

يا سلمى عَ ضريْحِك قال جبران خواطر ما لِها بالشرق جبران

ولَمّا خـاطري ما شاف جبران أمالي دْفنْتها والْموت طـاب..

أغيب لحظاتٍ عن مُحدِّثي أبو عقيل، متذكِّراً من مجلة "الفصول" (العدد السابع – صيف 1981) مقال فؤاد افرام البستاني ينسب فيه الى الرئيس صبري حمادة ذكرياتٍ متواترةً عن أهل الْهرمل أنّ جبران لم يولَد في بْشرِّي بل في "وادي الرطل" (قرب مرجحين)، وأنّ هرب أبيه خليل من مرجحين كان بسبب حادثة أخرى: هي أنّ سنّاف تاجر الغنم قدّم شكوى الى السلطة المحلية يشكو سرقة بعض أغنامه، ويتّهم حمد علّوه بذلك، فأرسل القائمقام مفرزة بقيادة سليم العازار. وعندما وصلت مفرزة الجيش الى الْمكان هرب مَن هرب مِن الرجال، وبينهم خليل جبران فجاءت زوجتُه كاملة رحمة ("كمُّول" بتصغير اسْمُها تَحبباً) تسأل أخاه عيد "المهبول" الساذج الذي بقي أمام الدكَّان ولم يعرف بما حصل، فانتهرتْهُ غاضبة. وكان الفتى جبران شاهداً على الْحادثة فنظَم تلك القرَّادية (وهي على وزن "سووغيتو" السرياني الْمتداوَل غالباً في جناز الرجال). ولكن، إذا أخذنا بِما سَمعْتُهُ من كلام الْمحدّثين حولي بأنّ الثلج في مرجحين يبلغ ثلاثة أمتار في الشتاء، وأضفناه الى ما نعرفُه بأنّ جبران ولد في (السادس من) كانون الثاني (1883)، يتأكَّد لنا أن جبران لا يُمكن أن يكون وُلِد في شتاء مرجحين بل في شتاء بْشرِّي، وكان يأتي الى مرجحين ربيعاً وصيفاً مع والديه. وهو نظم تلك "القرادية" (كما قال لي أبو عقيل نقلاً عن أحمد فارس علَّوه قبل خَمسين عاماً) حين كان لا يزال في العاشرة أو الْحادية عشرة (نحو 1893 أو 1894) أي آخر صيف أمضاه في لبنان، وهذا منطقيٌّ لأن والدته، بعد أشهر من ذلك، سافرت بالعائلة (إلاّ زوجها خليل) ووصلت الى إيليس آيلاند (نيويورك) في 25 حزيران 1895.

أعود من شرودي الى مَن حولي في مقهى "عروس مرجحين"، فيبادرني مضيفي: "نَحن هنا في قلب جرد الْهرمل. وهو مَحمية طبيعية حبذا لو يصار الى استصلاحها للسياحة البيئية. فنسبة الأمطار فيها تبلغ 1000 ملّم سنوياً، ولا تَحتاج الى ريٍّ لأن أشجارها بَعْلِيَّةٌ تعيش وتنمو لوحدها ولا تتطلَّب تكلفة ريٍّ وصيانة. وتتميز هذه البقعة بِهوائها النقي، ولا تشكو إلاَّ مِن قص الأحراج". وأردف مُضيفي (وهو أستاذ جامعي اختصاصي في العلوم الطبيعية) أنه قبل فترةٍ ملأ من "نبع الْحَور" (إحدى عيون البحيرة) عدداً من القناني الْمعقَّمة وأخذها الى مُختبر الْجامعة الأميركية فكانت النتيجة أنّها "أفضل مياه معدنية في لبنان"، صالِحة للتعبئة والاستصلاح بدون أية مواد مضافة. وعلّق قائلاً: "هذه السهلة هنا هي على الْمقلب الآخر من مَحميّة إهدن من جهة، ومَحمية القمُّوعة من جهة أخرى. فحبّذا لو تقوم مَحمية مرجحين بينهما حتى تكتمل الصورة عوض العبور من واحة إهدن الى واحة القموعة بصحراء مرجحين الجرداء". ويَختم متسائلاً: "ماذا لو جاء عدد من الرسامين يُمضون نوعاً من الْخلوة أو السمبوزيوم هنا، يرسُمون هذه الْمناظر الفريدة في لبنان"؟

يطرب أبو عقيل للفكرة فينهرُنا: "وهل أجمل من هذه البقعة؟ هذه هناك فتحة البقيعة الْممتدة بين السلسلتين الجبليتين، تبدأ من جبال العلويين، تعبر غربي حمص وطرابلس، فوق النهر الكبير الجنوبي، تَمر من هنا في جبال لبنان، وتكمل حتى الْجليل في فلسطين. وعند هذه القمة هناك ترتفع القرنة السوداء على 3090 متراً، وهذه التي الى يَمينها قليلاً قرنة العَشَرة". أستفهم عن أولئك "العَشَرة" فيروي لي أنّهم عَشَرة مغامرين رغبوا قبل سنواتٍ في اختبار الشتاء عند هذا القمة. هبَّت الريح مَجنونةً هائلة، فلما انقضت عادوا يُخبرون أنّهم لم يكونوا خائفين من الْموت من البرد بل خافوا أن يموتوا من رعب قصف الرعد ودويّ الريح بين الجبال.

يأزف الوقت لِنعود الى الْهرمل. نتحرَّك. نتوقف قليلاً في أوائل طريق العودة، لتصوير بقايا بيتٍ لا تزال تبدو منه أطلالُ غرفتين مستطيلتين تحت سقف ترابي، على طراز تلك الأيام، هي اليوم "خربة كانت بيت خليل جبران"، كما قال لي مَن كانوا معي، وكما أكّدت "الستّ إنصاف" صاحبة الْمقهى التي، عند مغادرتي، فاجأتني بقنينة ماء بلاستيكية قائلة: "إحفظ هذه معك، واشربْها في الساحل. واذكر أنّها من إحدى عيون ماء بُحيرة الْحَور التي كان يلعب حولَها وفي مياهها صاحبُك جبران".

* * * * * * *

ijsijsnmmmnd.JPG

أنظر : التراث الفني لجبران خليل جبران على جدران متحفه في بْشرِّي - لبنان