لبنان في الكويت: بلد الحلم الجميل – الحلقة 654
الدعوة التي تلقّيتُها من الأستاذة الجامعية الدكتورة إبتهال عبدالعزيز طاهر للقاء طالباتها في قسم البنات من كلية الآداب في جامعة الكويت، حسبتُها للكلام على الأدب عموماً، أو الشعر العربي خصوصاً، أو ما يَمُتُّ إليهما بِصِلَةٍ بعيدة أو قريبة.
غير أنني فوجئتُ، ويا فرَحي، بأن تطلب مني الدكتورة إبتهال أن أتَحَدَّث عن جبران. وحين رحتُ أتبسّط في الكلام وأعرض مراحل جبران الحياتية وكتاباته الإنكليزية، كان للصبايا شغفُ تدوين المعلومات في نَهَمٍ معْرفِيٍّ أفرحني أن يكونَ في الكويت بالذات، بينما جبران مُحَظَّرٌ ومَحظورٌ في عددٍ كبير من الدول العربية.
وحين تبسّطتُ في العلاقة العضوية الحميمة بين جبران ولبنان، أضاءت وجوهُ الصبايا لِمَا علمتُ بعدئذٍ أنه أثرُ كلامِ أهلِهما عن لبنان الجميل معالِمَ وأعلاماً.
وحين انتهيتُ من الحديث عن جبران في نحو ساعة، سألتني الدكتورة ابتهال أن أُسمعهُنَّ شعراً تغنّيه فيروز، فأسمعتُهُنَّ قصائد من شعر الأخوين رحباني رُحْنَ يردِّدن معظمَه معي، فاكتشفتُ كم هنَّ مستمعاتٌ إليه بإنصاتٍ من صوت فيروز.
مساءً لَبَّيتُ دعوة كريمة الى ما سماه صاحب الدعوة "سوليدير الكويت"، جامعاً إياي بِشُلَّةٍ من أصدقاء له كويتيين تبنّوا تسمية المكان "سوليدير الكويت"، ولو ان بعضهم لم يَزُر "سوليدير بيروت" بعد، ولا يعرف عنه إلا بالمتواتر من المعلومات.
ودار الحديثُ طويلاً. عن لبنان دار الحديث: لهيفاً لمن يعرفون لبنان، شَغوفاً لمن لا يعرفونه ويرغبون في زيارته جرَّاء ما يسمعون مِمّن يعرفونه.
سيّدة قالت لي: "زرتُ مدُناً كثيرةً في الولايات المتحدة وأوروبا وما زلتُ أفضل تمضية الصيف وعطلاتي القصيرةِ في لبنان".
سيّدة أخرى وقعت لها حادثة سير في بعلشميه، وكان الصادم شاباً لبنانياً غير لائق في التعاطي، فأَسمعَها كلاماً نابياً يعكس شبابه الأرعن فقالت له: "لستَ أنت من سيجعلني لا أحب لبنان بسببك وأمثالك. سأظلُّ أحبُّ لبنان وأُري أمثالَك أنّ هذا التصرف ليس من شِيَم أهل لبنان". وإذ سألتُها عن سرّ هذا الرابط مع لبنان، قالت: "الناس في لبنان دَمِثُون ويتصرّفون بحب وصدق. الشعب اللبناني جامعٌ فيه ما في أوروبا وأميركا والبلدان العربية. فالمسلم يشعر أنه في بلدٍ يزاول فيه طقوسه الإسلامية وجبينُهُ بِعُلُوّ مئذنة. والمسيحيُّ يشعر أنه في بلد يسمعُ فيه رنين الأجراس كما في عمق الفاتيكان".
وحدَّثني أحدُهم في السهرة عن المروحة الواسعة في لبنان من المآكل الغربية والشرقية والسياحة الثقافية المنوَّعة الغزيرة.
ورَوَت لي سيدةٌ كانت تسير وزوجها في شارع فرعي من بلدة اصطيافية لبنانية، حين مَرَّا بعجوز على شرفة بيتها، حيَّياها وسأَلاها عن بيتٍ يقصُدانِه، حتى إذا عرفَتْ أنهما كويتيان أصرَّت على دعوتهما الى بيتها وقدَّمت لهما قهوة وحلوى "شغل ديّاتها".
وكان إجماعٌ بين الحضور على تَمايُز لبنان وضرورة أن يبقى فيه هذا التمايزُ، وإلاَّ فما له دور، ولا يتعلق به أحد.
هكذا إذاً: من أقصى جبران في جامعة الكويت، الى أقصى الحديث الشغوف عن لبنان في "سوليدير الكويت"، كان لبنانُ حديثَ كويتيّين عشاقِ بلدٍ جميلٍ رائعٍ في الحلم، بينما واقعُهُ، لو يعلَمون، يسوسُه ساسةٌ وسيّاسٌ وسياسيون جعلوه دُغلاً تكثر فيه الخفافيش والعقارب، وظلُّوا يتشاتَمون حتى حلَّت عليهم شتيمةُ الناس، كل الناس.
كنتُ معكم من الكويت. إليكم بيروت.