التفسير وتفسير التفسير في الخطاب السياسي اللبناني – الحلقة 627

هنري زغيب قرأها 1,203
  

أمام تلاطُم المواقف السياسية والتعابير السياسية والتشاتُمات السياسية يتبادلها السياسيون اللبنانيون من وسيلة إعلامية الى أخرى، ومن منبر سياسي الى آخر، ومن مؤتمر صحافي الى آخر، ومن مهرجان سياسي الى آخر، ومن ميكروفون ديني أو دنيوي الى آخر، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام تصريح ناري يطلقه يوماً سياسي ثم يُطلق مكتبه الإعلامي في اليوم التالي تفسيراً لذاك التصريح على غير ما فهمه الناس من قائله، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام شتائم يطلقها سياسي ضدّ سياسي خصم، تواجهها شتائم من هذا الخصم ضد ذاك السياسي الآخر، وأمام تلاطم الشتائم الشخصية والعائلية والسياسية في نشرة إخبارية أو في "توك شو" على الهواء، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام حماسة زملاء إعلاميين في استفزاز هذا أو ذاك من السياسيين لاستدراجهم الى قول مروَّس، أو رأي اتّهامي، أو تصريح مباشر أو تلميح غيرِ مباشر لتخرج الصحف في اليوم التالي ناقلة للمواطنين الأعزاء خلاصة آراء السياسيين السديدة الجديدة الحميدة في سبيل لبنانٍ يخيّطونه على قياسهم، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام شخصانية سياسيين يريدون لبنان على قياسهم، ويرسمون مستقبل لبنان على قياسهم، ويحوّرون في خطَبِهم ويناهضون خطب الآخرين ليظلّوا في تصاريحهم محافظين على نظرتهم الثابتة العنيدة المتجمدة كي يصلوا الى كرسي في لبنان على قياسهم، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام تفسير خطابٍ مُغْرقٍ في الغموض، وتفسير التفسير لهذا الخطاب مغرِقٍ في الغموض أكثر وضياع الناس بين التفسير وتفسير التفسير، وبين الغموض والغموض الأكثر غموضاً، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام تلطّي بعض السياسيين في خطَبِهِم وتصاريحهم وراء لغة فصحى تأنف منها الفصحى ويهرب منها القاموس ويخجل منها تلامذة المرحلة الابتدائية لسخرية ما فيها من أخطاء لغوية بديهية يصرّ عليها السياسيون كي لا يتحدثوا مباشرة بالمحكية فيخاطبوا جماهيرهم بلغة القلب المباشرة، فإذا بهم كاريكاتور مضحك في لغتهم الفصحى المكسَّرة، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام الكلام السياسي المعلوك المكرر الخشبي التابوتي الجنائزي الميت حول الوفاق الوطني والوحدة الوطنية وإنقاذ لبنان، والوطن ينسحب منه خيرة أبنائه، والاقتصاد ينهار، والفقر يدنو من بقية الأبواب، واليأس مُرٌّ على شفاه الناس، والسياسيون متصلِّبون في مواقفهم ومتاريسهم وعنادهم غير سائلين عن الناس ومستقبل الوطن، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟

أمام كل ما يجري، يتساءل المواطن اللبناني العادي: "الى أين يأخذنا هؤلاء السياسيون"؟ وأخطر الأخطر أن يجيء يوم لا يعود فيه المواطن يتساءل، بل يحزم آخر حقيبة سفر، ويُغلق باب بيته، ويرمي المفتاح في أقرب... مستوعِب للنفايات.