سيبقى الصَّمت جلاّدي
ما وصلْنا إليه اليوم هو الـ"أنتَ" وليس الـ"نحن".
الـ"أنتَ" إطار مرسوم مسبقاً، يبقى كما هو مهما تغيرت التفاصيل.
الـ"نحن" تفاصيل تزداد ثباتاً وترفض الذوبان لتلائم إطاراً جامداً.
"أنتَ" مرسوم لكل الطرقات، "نحن" طريقنا واحدة موحّدة لا مكان لسوانا عليها.
"أنتَ" مساحة تراب مهجورة، "نحن" مساحة حبّاتٍ ترابُها ينتظر عودتك كلّ يوم.
"أنتَ" شمس أشرقت في زمن بعيد، "نحن" شمس تشرق كل صباح.
"أنتَ" تستذكر ما كان لنا، "نحن" نناضل ليبقى كلّ ما لنا على قيد الحياة.
عنك "أنت" أبتعد أنا، صوب الـ "نحن" أسرع الخطى، أحتضن كلّ ثواني ماضينا معاً، وأنام على أمل ألاّ أستيقظ أبداً
على "أنت" تهاجر من الـ"نحن".
***
غائب بامتياز، مسافر على حدود جرح لا يندمل إلاّ لينْزف جرحاً آخر.
تنغرز ثواني غيابك في حضور اشتياقي إليك، أحلم باللحظة التالية علّها تعيدك إلينا، ألقاك ممعناً في ابتعادك، غارقاً في دنياك المعجوقة بالجميع إلا "نحن".
إفتح عينيك جيداً، ما عدت أقيم في المكان نفسه. أنا مستمرّة في سفري داخل الـ"نحن" التي غادرتها أنت.
إفتح عينيك جيداً، قد لا تراني معك، ولن تراني في أي مكان.
بعيداً عنّا لا وجود لي.
***
طالبْتُكَ بالأبيض لوناً دائماً، سألتك الصدق وليس صعباً. والنتيجة؟
في جميع الألوان أغرقتني، حكايات من زمن آخر أخبرتني. والنتيجة؟
هربت ثقتي بك هروب طائر من بندقية صياد، اختفيت من عالمك المشحون مقتطفات أخبار. والنتيجة؟
معاً خسرنا. والسبب؟
لم تنتبه أنك للحفاظ على الـ"أنت" أهملت الـ"نحن".
هنيئاً لك بك.
***
لستُ تمثالاً ولا أنتمي إلى مجموعة أصنام خاصة تحيط بك.
أنا قلبٌ ينبض حبّاً واشتياقاً، فاعذر غضبي وأقفل صندوقك على ما يحتويه. لا مكان لي بينها، أنا أنتمي الى الأبيض. إليك وحدك أنتمي.
***
إختر لي العنوان، وحدك تعرف الحكاية، أم تراك، بعد غيابنا عن كلّ تفاصيلها، نسيتها حكايتنا؟
***
لم تسمع صراخ صمتي، لم ترَ دمعتي ولا قرأت كلماتي بعين القلب.
شكراً لأنك حرّرتني منك.
***
لم نكن مرّة "أنت" و"أنا". منذ الثانية الأولى، منذ النبض الأول، كنّا "نحن" واحدةً، كيف صرنا "اثنين"؟
قرّرت العودة إلى دنياك؟ لك حرّيتك ولكن... لن تأخذني معك.
***
أحتاجُكَ؟ من قال!
قلتُ يوماً: "أتنفَّس برئتيكَ فلا تُخْرجْني منهما كي لا أختنق."
لم تُجِبْ. أخرجتَني. سلّمتَني بيديك إلى زمن أفرغتَه من معانيه فحوّلتَني بعيداً عنك، قلباً بلا حياة، حديقةً بلا زهور، يداً بلا لمسة، عيناً بلا نظرات.
من سمح لك باغتيال الحياة في حياتي؟
***
يبقى الصمت جلاّدي: جرّدتَني حتّى من صوتي. يا لقسوتك كيف استباحت حناني.
صوتك، يا المهاجر من شراييني إلى خارج حدود السّمع، ما حاجتي بسمعي بعد اليوم؟
عيناك، يا الهاربتان من شوق عينيّ، ضائعة أنا بدون دفئهما.
كيف استبحت نبض عمري حتى أنّ كلّ ثانية حياة خارج الـ"نحن" صارت موتاً ما بعده حياة؟
***
يوماً بعد يوم يزداد ذبول السّوسنة داخل الحديقة. تغتالها أيّامكَ المرويّة بكل حضور إلاّ حضورها.
تفتقد لحظات هروب زرعت أيامها قطرات ندى، تختلق ألف قصّة ورواية كي لا تختنق بصمتها، والذبول يزداد.
من أرقها وقلقها تستمدّ لحظات نضال للحفاظ على ما تملك، تواجهها حقيقة واحدة: داخل حديقتها ستبقى وحيدة تزاول ذبولها حتى الموت الأخير، ولا من يهتم.
من يهتم لسوسنة بيضاء في حقول من جميع الألوان؟
من يهتم لسوسنة تحتاج الى رعاية دائمة في غابات تنمو بلا رعاية ولا إحساس؟
وحيدةً ستبقى السّوسنة. وحيدة تغفو على حلم يدٍ زرعتْها وتركتها تسافر مع حزنها في تربة النسيان.