جاؤوا لهيفين يَبُوسون أرض لبنان- أزرار 507

هنري زغيب قرأها 1,374
  

قلقوا، في حيثما هم، على ما يجري في وطنهم الغالي، خافوا على أهاليهم، توجَّسُوا من شرٍ يسحقه جيش لبنان البطل في الشمال، ومع هذا، ورغم هذا، كل ما يجري لم يَثْنِهم عن المجيء الى لبنان لقضاء عطلة صيفية اعتادوها بين أهلهم هنا.

حجوزات المجيء الى لبنان (بحسب شركات الطيران) كثيفة جداً، ومؤشر شركات تأجير السيارات عالٍ جداً حتى ليكاد يتعذر على الراغب أن يجد سيارة بالإيجار، وحجوزات الفنادق تحسنت كثيراً في الفترة الأخيرة عن تشاؤم كان ينخر قلوب أصحابها، والمطاعم عادت تدريجاً تعج بروادها، والمصايف بدأت مع أواخر هذا الشهر تستعيد ولو ببعض البطء ما كانت اعتادته في أوائل هذا الشهر، والذاهبون الى المطار (مودّعين أو مستقبلين) يروُون عن الازدحام الكثيف في صفوف المستقبلين، والواصلون يترجلون من الطائرة لا في شوق رؤية الأهل وحسب، بل في لهفة من يؤوبون الى وطن لهم خالوه غرق في ما يحول دون مجيئهم، ولكنهم جاؤوا، بلهفة حبهم الكبير جاؤوا، برغم نصائح أهل وأصدقاء هنا ألا يجيئوا وجاؤوا، بتحدّيهم كلَّ ما يجري على أرض وطنهم جاؤوا، بعناد من يؤْمنون بمقولة "كيفما كنت بحبَّك، بجنونك بحبَّك" جاؤوا، وجاؤوا يبوسون أرض لبنان، ويشربون كل نسمة هواء منه، في عاصمته الحبيبة، في مُدنه الغالية، في قراه المشتاقة، في مصايفه الفريدة، في جباله الأثيرة، في سواحله الأثيلة، في صيفه المعلَّق على التلال وبحره المستريح على الرمال، وفي كل شبر من تراب لبنان الرائع المقدس.

جاؤوا على الرغم مِما تُهاجمهم به نشرات الأخبار من تحركات "بيت بو سياسة" وتجاذباتهم وتصريحاتهم وخطاباتهم و"قواميساتهم" التبادلية والتشاتُمية والتلاسنية، ومن أخبار قتال جيشنا الرائع فصائلَ مُخرّبين زرعوا الرعب في كل لبنان فانقبض بعض أهالينا لا يتجوّلون خشية انتشار رقعة الخطر. غير أن أحبابنا في الخارج جاؤوا يتحدّون كل خطر ويتجاوزون كل قلق.

والى أحبابنا اللبنانيين الجاؤوا من الخارج، ضيوفُنا الطيبون العرب، جاؤوا هم أيضاً يتجاوزون كل قلق وكل خطر، الى مصايفنا جاؤوا، الى بيوتهم عندنا جاؤوا، الى أسواقنا الاصطيافية جاؤوا، مؤْثرين البقاء في صيف لبنان، برغم ما فيه، على البقاء بعيدين في بلدانهم الآمنة المستقرة التي قد يكون فيها مَن ارتدع هذا الصيف لكنّ المقبلين جاؤوا ولم يرتدعوا.

هذه الظاهرة، بدءاً من اللبنانيين في الخارج ووصولاً الى ضيوفنا العرب، تشير الى هذه الفرادة العجيبة الأعجوبية في هذا اللبنان الأعجوبي الفريد: تَجتاحه مَخاطر الأوضاع الأمنية والعسكرية والسياسية، فينكفئ اللبنانيون المقيمون احترازاً، ويُحجِم اللبنانيون في الخارج والعرب عن المجيء حيطةً وحذراً، ولكن... ما إن تهدأ تلك الأوضاع (نسبياً على الأقل وليس بالضرورة كلياً) حتى يعود هدير طائرات الوصول الى المطار يملأ فضاء لبنان بالأمل الآتي الى تحدي كلّ خطر، وإظهار كلّ حب، وإبداء كلّ تعلق بهذا الوطن الذي يخشى الكثيرون من المحبين أن يتحوَّل (بسبب البعض من "بيت بو سياسة") الى أندلس ثانية تضيع كما ضاعت الأندلس الأولى (بسبب "بيت بو الأحمر") ولم ينفع نواح الأحمق عبدالله الصغير الذي بكى كالنساء النائحات النادبات وطناً لم يعرف أن يُحافظ عليه كالرجال فانهار تدريجياً وتفكَّك تدريجياً وتفتَّت تدريجياً حتى سقط سقفه على الجميع.

أهالينا في لبنان لاهثون خلف نشرات الأخبار، يتسقّطون أخبار البيانات والانتخابات والتجاذبات والاجتماعات والخلوات والمؤتمرات والصفوف الأولى والثانية والعاشرة تحت الصفر، وأهالينا في الخارج وضيوفنا العرب ينعمون باستقرار سياسي وأمني في حيث هم، ويقارنون بين ما عندهم وما يجري هنا، فتتوزَّع أفكارُهم وأَلسنتُهم بين الشفقة والشتيمة.

حاصله... ما لنا وللباقي. حسْبنا مَن جاؤوا من أهالينا يزورون هذا الصيف، يبوسون أرض لبنان ويعودون حاملين كل الحب، ومَن جاؤوا من ضيوفنا العرب حاملين كل التعلُّق بلبنان. وحسبنا، نحن الذين هنا، أن نعرف كيف نُحافظ على هذا اللبنان الغالي الواحد الوحيد الأوحد قبل أن يجعله "بنو الأحمر" الجدُد أندلساً ثانية.  

                            odyssee@cyberia.net.lb