جبران في ذكراه: ويل لأمة كثرت طوائفها

تلفزيون نابلس
 

جبران في ذكراه: ويللأمة كثرت طوائفها

تلفزيون نابلس

لم يزل في لبنان ما يجمع عليه اللبنانيون... فبرغم حدة الازمة التي تعصف بوطنهم والتي كادت تودي بمقومات عيشهم المشترك، يحيي مثقفو لبنان هذه الايام على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والدينية وتوجهاتهم السياسية،  الذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة الاديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران «رائد الحداثة الادبية».

ولد جبران في 6 يناير 1883 في بلدة «بشرّي» الجبلية في شمال لبنان، ورحل في 10 ابريل 1931 في الولايات المتحدة، بعدما اعطى من فكره وقلبه ووجدانه بالقلم والريشة خلال سنوات عمره الثماني والاربعين، ما عجز عن اعطائه مفكرون وادباء ومنظّرون عالميون كبار.

 لم يزل جبران العبقري الشاعر الذي يحيا في قلوب الأجيال، لأنه يعطي آلامها الخرساء ألسنة من نار، -كما يقول ميخائيل نعيمة- إنه الثائر على الظلم والاستبداد والحرمان، الثائر على التقاليد البالية والإقطاع بوجهيه السياسي والديني، الثائر على الفوارق والامتيازات الدينية والمذهبية في الوطن الواحد.. الثائر على الخنوع والاستكانة والذل.. فجبران العبقري المفكر الشاعر الذي جاء ليقول كلمة: "... جئت لأقول كلمة وسأقولها، وإذا أرجعني الموت قبل أن ألفظها يقولها الغد.. فالغد لا يترك سراً مكنوناً في كتاب اللانهاية، والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة عدة". هكذا يقول جبران الذي تفتحت عيناه في بقعة شمالية شاهقة من جبال لبنان، في بقعة غنية بمفاتنها الطبيعية وذكرياتها الدينية، الإيجابية منها والسلبية.

اغترف جبران من هذه الثروة الجمالية ما كفاه مؤونة العمر، وعبّ من معين تلك الذكريات ما عبر عنه حباً لا ينضب للإنسان، ونقمة عارمة على كل من يحاول استغلاله والحد من حريته ووطء كرامته، ونشر ذلك الدر كله في كتاباته الشعرية والنثرية; بلباقة الأديب وعطاء الشاعر ودقة ورهافة الفنان، فأنت تشتم طيوب لبنان وتستشعر سحر أعاليه وأغواره وتحس جماله وجلاله في كل ما تقرأه لمؤلف »النبي« - هكذا ردد شقيق روحه ميخائيل نعيمة.

لبنان إقطاعيتان

ولبنان آخر القرن التاسع عشر كانت تسوده إقطاعيتان، سياسية ودينية، وقد كرهت نفس جبران الإقطاع والظلم، فلا عجب ان اتخذ من ظلم الإقطاع بشقيه، مواضيع كثيرة، كثيراً ما عبر عنها في إظهار بحور التقاليد البشرية وما حللته وحرمته، واستبداد الحكام - مدنيين وغير مدنيين - في علاقاتهم بعامة الشعب. جبران الثائر عبر عن كل هذا، إنه النبع الطيب الذي استقى منه عشاق الأدب والحياة حب الأدب والحياة، وحب الكلمة، من دمه شربنا ومزجنا بدمه دمنا المشتاق إلى الضوء، من خلجات صدره ارتجف صدرنا للخير والحقيقة والجمال والحب، بحنان أعطى وبحنان أخذ الآخر، بل حول سرير العالم الصغير إلى هودج من الرؤى والأحلام والأسفار والابتسامات، والدموع إن تكلم عن الموسيقى أنصتنا وإن تكلم عن الدين اتسعت آفاق الذات حتى ملأت الآفاق، وإن تكلم عن البيع والشراء أخذ الميزان من طرفيه، وإن تكلم عن الحق والعدالة والإنصاف، زرعت في الأرض السيوف.

مثل جبران للبعض الأبوة، وللبعض الآخر الأدب بكل جمالياته، كان وما زال صخرة في التاريخ الأدبي، وسفينة شقت البحار وأرست لتعود وتحمل الأكاليل.. منح الأدباء ذاك البريق الخلاب الذي يجعل من الليل نهاراً، تلك الكرامة التي لولاها ما من طير يطير، أسس وجذر وزرع، وصمم، وهدى، وجهه مرسوم على صخور لبنان يبشر في ذكرى ميلاده 125 بغد مزهر. إنه الفتى الضاحك، لابس القمصان المزركشة الذي لم يمت، إنه الحافي القدمين على شواطئ العالم، والذي يرفع يده لكل سيارة مسرعة لتنقله إلى المجهول، لم يتكرر جبران في أي واحد أتى، وبرسوليته المنتقلة إلى المشعل رسم ميثاق الأدب الجديد. فكان أكثر من محطة في تاريخ الوطن، أنه من هؤلاء الرواد الذين تخطوا التاريخ العادي الرتيب وأكدوا من جديد مبرراً لوجود لبنان ودوره، رغم العواصف التي تهب وهبت عليه.

جبران خليل جبران، شاء أن يحتضن في عقله وأحاسيسه وفكره كل معرفة وكل قيمة إنسانية، لقد حاول أن يكون معلماً، وحاول أن يكون مبتكراً وإنساناً بعدما أدرك قيمة الإنسان وما يمثله من فكر وعمل وتحرك وتطور، وكأنه وجد "يوتوبيا" مطلقة في الإنسان، فحاول الغور والغوص في الذات الإنسانية ليفجر هذه اليوتوبيا.. فقد مثل التحطيم الكلي لكل قيد، ولكل شرط يحد من الانعتاق المطلق للإنسان، حتى أنه ميّز بين الدين والطائفة، لأنه اعتبر الدين صيغة إنسانية عليا، هي عزة الإنسان، بينما وجد الطائفة أنها قيد وشرط يحد من هذا الانعتاق وهو لخّص هذا المفهوم في عبارته التي تقول: »ويل لأمة كثرت بها طوائفها وقلّ فيها الدين". والأمة هنا هي مجموعة البشر التي تشكل مجموعة نادرة من القيم الإنسانية.

كان الشرقي الأول في كل عصر النهضة الذي استوعب وأدرك قيمة الموسيقى وفعلها وتأثيرها على البشر، فجعلها بمنزلة الآلهة وجعلها بالقيمة التي تساعد في تشكيل الفكر، لقد جعل الموسيقى كالهواء والماء، وجعلها موازية لكل الحياة، لدرجة أنه لم يستطع أن يتصور كائناً ما دون موسيقى، دون حب الموسيقى، دون سحرها، فكان كتابه "الموسيقى". ومن هذا الوضوح جاءت رؤيته للإنسان عامة رؤية شاملة تخاطب الداخل، تخاطب المكنون، لأنه أدرك بأن كل "إصلاح" يكون بإيجاد إنسان شفاف سامٍ، راقٍ، وهذا الإنسان بهذا الشقاء هو الذي ينص الشرائع والقوانين بحياته العملية اليومية. لذلك جاء الحب عنده غير كل حب، وجاء فكره ورسمه ونصه (نطقاً) من أفواه الناس شاءهم أن يكونوا المثل الأعلى الذي يريد، لأنه جعل الإنسان نقطة الحياة كلها، وجعله الطبيعة كلها وجعله الكون كله.

سيد النوستالجيا

يقول هنري زغيب في جبران العاشق الأبدي:

"جبران والحب نهج حياة وترهبن انصراف، وحده بدأ انتظاره، ووحده أنهاه، على أمل يوم غادر أن تلده امرأة ثانية، لعله يجد لانتظاره حضوراً يساوي الانتظار، اثنتا عشرة امرأة، ولا صورة لعاشقة، اثنتا عشرة امرأة ولا عشق عاصفاً، اثنتا عشرة امرأة ولا حب... ومع هذا كتب في الحب كما قلائل العشاق، فأي عاشق هذا؟ وأي عشق؟ وهو الذي قال في الحب أصفى ما يقال... عشقنه كلهن، فهل هو واحدة منهن عشق؟ هل واحدة منهن بلغت منه الامتلاء؟ يحب ذاته في كل امرأة عرف، كان يحب حبه هو لها، كان يحبها تعشقه، لكي يتأمل نفسه معشوقاً وكان يحاول أن يتهيأ لحالة العشق، فيراقب تصرفاته عاشقاً، ويتابع خلجاته معشوقاً... كان يحب الحب للحب، لا الحب للحبيبة أو من الحبيبة أو في الحبيبة. ويبقى لنا جبران لغزاً كبيراً، لكنه مهما يكن، كان عاشقاً كبيراً.. وكان عاشقاً غير عادي ولم تكن علاقاته سوى سعايات أعطته كل ما يريد، إلا ما هو لا يريد سواه: الحب العظيم، وفرة النساء لا تخلق عشقاً، امرأة واحدة، امرأة تكون هي التي تخلق عاشقاً خالداً. جبران كان خصب الخيال، رائع الرؤيا وسيد النوستالجيا، ومن هذه الثلاثة الأقانيم خرج عاشقاً كبيراً، فيما لايزال ينتظرها أن تصل، تلك التي، لو وصلت، لكان سيكون لها أن تضفره عاشقها إلى الأبد، لكنها لم تأتِ، فتعب، وترك لها كلماته فيها، وراح. ...جبران، بقيت كلماته لنا في الحب، ضوءاً رائعاً على جبين العاشقين، واحدة أخرى من غرائب هذا الرجل، إنه كتب إلى العشاق، وهو... لم يعشق"...

جبران خليل جبران هذا الوهج الإنساني من لجة ولادة الحياة، هو المعلم أكان فنه أو فكره أو رؤاه توارداً أو تفاعلاً أو تأثراً، فهو ما غاب، إلا ليولد بتفكك الإنسان وتعقده، وبفناء المجهول وضيائه من جديد، جديد هذا الضوء الذي هو انعكاس لجزئيات الحياة.. ففنه هو خلاصة «جبرانية» للفنون، بدءاً من "رقصة الطقوس" منذ 15 ألف سنة قبل الميلاد، الى زمن العصر الحجري، مروراً بيدي «الهوت غاراني» وقوة سرهما الساحر. وفي تعاليم كهنة "طيبة" و"مدينة" و"توت عنخ امون"، ومنحدر سلالته الذين رأى فيهم جبران مدخلاً وانبعث بهم حلماً ورؤياً ومع وليدات آلهة الإغريق والمقدونيين، فقد خط خطوطاً معبرة لروح الجمال صلاة وعشقاً، ولم ينتظر، فالدعوة المباركة إلى باريس وعداً بواحة الفن التي رأى فيها صورة أطيافه وفكره بتماثيل "رودان" ورسوم "ميرو"، وبهما توهج واشتد أزره بين "لحظة الألم المريرة" و"النشوة الأبدية لفن حب الإنسان، ومع الحب هناك".

انتسب إلى جدرانيات قصور "بومبي" الغامضة، وأفاريز "البانتيوم" وساحات الإمبراطورية الرومانية، فقد استلهم ما استلهم.. ولم يبرح روما إلا وتقاسم آلام الإنسان المجسدة على خالد الرخام والفسيفساء الفنية وروائع الفرسك، والألواح الخشبية... روائع "مايكل أنجلو"، دعته "بالليل" و"الفجر" و"النهار" و"الغسق"، وعصرته ألماً "بالأم الحزينة" وفجرت في نفسه بركان التمرد "بالعبودية" و"الثورة" و"الصرخة" وأشاعت في روحه مشاعر التأمل والسلام "بملحمة الخلق".

وبعدها من نوافذ الخلق انبرى جبران يتصادق مع "دانتي" و"وليم بليك" بمواكبة سفر طويل، وإذا "بحلم إسحاق" يتجسد في آثاره شكلاً وكلمة، ثم استمر المعلم كقبس من أرض الشرق يضيء ويعطي العالم أشكالاً، وخطوطاً وسوريالية ورموزاً منهمرة من رؤى الحق لكلمة الإنسان، نبع "النبي" وأسراره المتعالية.

في سيرة جبران يقول الباحث الدكتور محمد حمود في كتابه: "جبران خليل جبران - الصادر عن دار الفكر اللبناني:

"أن جبران تعلم مبادئ القراءة والكتابة من الطبيب الشاعر سليم الضاهر، ودفع الفقر والجور بالأم إلى حمل أولادها الأربعة وهجر زوجها ووطنها إلى بوسطن (الولايات المتحدة الأميركية) حيث نزلت في حيّها الشرقي وسط الكثير من أهل بشري، أخذت الأم تبيع أشغالاً يدوية، وفتح بطرس متجراً صغيراً تساعده فيه أختاه، أما جبران فدخل المدرسة. نمّت الأم في نفس جبران حب الاستقلال والطموح، حيث قامت معلمة الرسم "فلورنس بيرس" بتشجيعه ورعاية موهبته، كما قامت الآنسة "دجيسي بيل" العاملة في المدرسة بالكتابة إلى صديقها المثقف الفني "فريد هولاند داي" لكي يهتم بجبران.

ومنذ ديسمبر 1896، أخذ "داي" يساعده مادياً ويقرأ له ويعيره الكتب التي أثرت في توجهه الفكري والروحي والفني، وعهد إليه "داي" في رسم الغلاف لعدد من الكتب التي نشرتها دار "كويلا أند داي" وعرّفه ببعض الرسامين والأدباء وببعض العائلات الأرستقراطية الغنية، كما تعرف إلى الشاعرة الجميلة جوزفين يسيبودي، وقررت أمه وأخوه إعادته إلى لبنان لإكمال دراسته، فأبحر إلى بيروت في صيف 1898، ودخل »مدرسة الحكمة«. فدرس اللغة العربية وآدابها، وكان يقضي العطلة الصيفية في بلدته بشرّي.. لكنه نفر من والده الذي تجاهل مواهبه فأقام مع ابن عمه نقولا، ووجد عزاءه في الطبيعة وفي صداقة أستاذ طفولته سليم الظاهر، وضيافة الوجيه طنوس الظاهر. ومن علاقة الحب بينه وبين "حلا الضاهر" استوحى قصته "الأجنحة المتكسرة".

العودة إلى بوسطن

لما علم جبران بوفاة أخته سلطانة سنة 1902 كانت في الرابعة عشرة من عمرها، غادر لبنان عائداً إلى بوسطن، واتصل بالشاعرة جوزفين يسببودي، فصادقها، وكانت في السادسة والعشرين من عمرها، وهو لايزال في التاسعة عشرة، فأعجبت برسومه، وتطورت صداقتهما إلى حب دام أربع سنوات، وكان لهذه العلاقة صدىً في "دمعة وابتسامة"... ومرضت أمه ثم أخوه بطرس فحلّ محله في الدكان. توفي بطرس مسلولا، ثم تبعته الأم في السنة نفسها 1903. فترك جبران الدكان لمسؤول يتدبر أمره وانصرف إلى الرسم والكتابة بالعربية.

وفي مايو 1904 عرض جبران رسومه برعاية مشجعه "فريد داي" ودخلت ماري هاسكل حياته... في هذه الأثناء بدأ جبران يكتب في جريدة "المهاجر" في نيويورك، وفي 1905 صدر كتيبه الأول "الموسيقى" ثم انقطع للكتابة والرسم، وكانت أخته "مريانا" تشتغل في معمل خياطة وتعيله، ذاعت شهرته، الأدبية، بين قرّاء العربية في المهجر، من خلال مقالاته وقصائده النثرية، وقصصه التي نشرها في "المهاجر". وفي العام 1906 نشر له أمين الغريب في نيويورك "عرائس المروج" فحازت قصصها الثلاث إعجاب كتاب المهجر، لما فيها من سخرية وواقعية ونقد لاذع في أسلوب جديد حي.

وخلال سنتي 1907-1908، عرفته ماري هاسكل إلى أصدقائها وصديقاتها منهم "ميشلين" فأحبها جبران ورسمها مراراً، وسنة 1908 ظهر كتابه الثالث الذي ثبت شهرته "الأرواح المتمردة".

وفي يوليو 1908 أرسلته "ماري" على نفقتها إلى باريس ليطور فنه، فلبث فيها سنة، في اكتوبر 1910 عاد إلى الولايات المتحدة، وطلب جبران الزواج من "ماري هاسكل" التي أحبته وأعجبت به، فرفضته حتى لا تعرقل نتاجه الفني، ولكنها ظلت تساعده مادياً ومعنوياً، ثم أرسلته إلى نيويورك حيث تعرف إلى أمين الريحاني وآخرين من رجالات الأدب والفن.

سنة 1912 صدرت "الأجنحة المتكسرة" وبعد سنتين "دمعة وابتسامة" وعرضت رسومه للمرة الأولى في نيويورك، وفي السنة عينها أظهر عداءه للاحتلال التركي في سورية ولبنان، فدعا في مقالاته العرب إلى الاتحاد لمقاومة العثمانيين. وحين عمت المجاعة العام 1916 اشترك في حملة لجمع التبرعات لوطنه، وكتب قصيدته النثرية: »مات أهلي« وبدأ نجمه يلمع، وبفضل صداقته مع "ماري هاسكل" أتقن الإنكليزية، وصار معظم نتاجه بعد سنة 1918، بالإنكليزية. كانت "ماري" تصحح له ما يكتب فظهر "المجنون" 1918، واستمر جبران يستشيرها في كل ما يكتب بالإنكليزية خلال جلسات عمل أو بالمراسلة، وبعدما غادرت بوسطن إلى الجنوب سنة 1922، حيث تزوجت سنة 1926 وأرسل إليها "يسوع ابن الإنسان" سنة 1927 و"آلهة الأرض" 1930، و"التائه" 1931 لتصحيحها قبل الطباعة.

سنة 1920 شارك في تأسيس "الرابطة القلمية" مع ميخائيل نعيمة وأيليا أبي ماضي وأمين الريحاني وندرة حداد ونسيب عريضة، وانتخب رئيساً لها. وفي السنة عينها ظهرت له "العواصف" بالعربية و"السابق" بالإنكليزية. وسنة 1923 ظهر "النبي" وكانت السنوات الثماني الباقية من حياته سنوات شهرة عالمية، فكتاب "النبي" أصبح أكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، ومؤلفاته العربية طبعت مراراً.

ونشرت له "الهلال" المصرية، بعض مقالاته وراسل الأديبة مي زيادة، (حين تحدث بعض الباحثين عن غرام بالمراسلة بينهما) بيد أن المحافظين في مصر هاجموا كتاباته العربية، فرد عليهم أعضاء »الرابطة القلمية« فنتج عن ذلك جدل نقدي بين المهجريين المجددين والكتاب العرب المحافظين، ثم انصرف عن الكتابة بالعربية الى الإنكليزية، واتخذ سنة 1925 الشاعرة الأميركية باربارا يونغ سكرتيرة له والتقى معها في الإيمان بالتقمص. ورغم الآلام المبرّحة في ساقيه، تابع الكتابة، فأنهى بين 1926 و1931 "يسوع ابن الإنسان"، "آلهة الأرض"، "التائه"، وأجزاء من "حديقة النبي" أتمته سكرتيرته ونشرته بعد وفاته.

وفي وصيته سنة 1930 ترك جبران لماري هاسكل لوحاته ومخطوطاته ورسائله وكتبه، ولأخته ماله وأسهمه، ولمسقط رأسه بشري المدخول من حقوق كتبه، وقد أقام له العرب والأجانب في نيويورك وبوسطن حفلات تكريمية، إلا أن صحته ساءت فنقلته سكرتيرته إلى المستشفى حيث فارق الحياة في 10 ابريل 1931 ونقل جثمانه إلى بشري في السنة ذاتها.

واسع الثقافة

كان جبران واسع الثقافة - يقول الدكتور حمود - من بشري إلى الحكمة، ومن التوراة إلى الإنجيل والقرآن ونهج البلاغة، من كليلة ودمنة إلى الأغاني، ومقدمة ابن خلدون، وشعر المتنبي والمعري، إلى روسو وفولتير وبلزاك ونيتشه، إلى شاتوبريان وويليم بليك، وكيتس وأرسطو وكانط، وشيلي، ولعله حاكى في قصائده النثرية قصائد الشاعر الأميركي "والت ويتمان" مبتكر هذا الفن، وأثر التصوف الشرقي واضح في نتاجه، وقد تأثر بطاغور وذكر لماري هاسكل أنه التقاه، ويبدو أنه كان مطلعاً على الأساطير اليونانية والكلدانية والفارسية والفينيقية والمصرية، وكان منذ طفولته ميالاً إلى الوحدة، والتأمل وأحلام اليقظة، وظل في مراهقته منطوياً على نفسه، ورافقته أحلام اليقظة حتى رجولته فادعى لمعارفه، وخاصة ل¯"ماري" أنه منحدر من أسرة أرستقراطية، عريقة غنية، وأنه أثناء إقامته في باريس قبل عضواً في "الاتحاد الدولي للفنون الجميلة والآداب"، وكان تجواله الواسع في (مصر، الأستانة، أثينا، إيطاليا وباريس) فرصة أتاحت له الاطلاع على ائتلاف الشعوب واختلافها ما عمق إحساسه بهموم الإنسان.

في موضوع المرأة يورد حمود قول جبران فيها: »أنا مدين بكل ما هو أنا للمرأة، ولولا المرأة لبقيت هاجعاً مع هؤلاء النائمين الذين يشوشون سكينة العالم بغطيطهم«. ولقد مر بنا في سيرة حياته الدور الحاسم الذي مثلته المرأة في حياة جبران بدءاً من أمه "كاملة"، مروراً بأختيه، وصولاً إلى ماري هاسكل. لقد جابه جبران ثلاثة بثلاثة: الغربة والشرع والموت، بالفن والحب والتألّه أو السعي إلى الاتحاد بالمثال والروح الكلي، وفي هذا الصراع مثلت المرأة شعلة الروح كما رأى إليها طاغور وويليم بليك وجبران، تساعد الإنسان في الوجود على الخلود.. ولما كان جبران رساماً وموسيقياً وشاعراً وذا جبلة دينية ونزعات فلسفية وصوفية، فقد جاء نصه مزيجاً من الألوان والإيقاعات والصور والانطلاقات والتخييلات، حيث طغت على رموزه عناصر الطبيعة.

جبران خليل جبران الذي آمن بالشرق وبوهج الشرق، ولكنه تمرد على أصحاب السلطة فيه الذين لم يرتفعوا إلى مصاف القيادة والمسؤولية، لأنهم لا يملكون شجاعة البطولة المبدعة، فركدت بذلك أساطير الشرق في الرتابة والجمود والتكرار والتزييف.. خاض بقوة الإبداع مغامرة التعبير باللغتين العربية والإنكليزية، فكان له بهما أسلوبه الخاص المتميز، والذي يمكن أن يوصف بأنه تعبير شرقي بلغة غربية (أنغلوسكسونية). ورغم ذلك فإن هذا التعبير، فرض مكانته بين الغربيين خصوصاً في كتاب "النبي" ثم في كتاب "يسوع ابن الإنسان".

جبران الأديب المجدد التزم بإبداعه فكرة البناء، وفكرة تخطي المكرس الراكد والتقليدي والمتجمد، وكان لأدبه محاور عدة، منها الدين الذي أراد أن يعيده إلى أصوله، أي إلى الإيمان الرحب، ومنها المرأة التي كانت بالنسبة إليه أساساً في الحياة والوجود والإبداع.. والإنسان في المطلق الذي هو (روحاً وجسداً) الجوهر والذات، كذلك اللغة، وهو في مجالها كان أكثر من مصلح، إنه مجدد، يؤكد أن اللغة كالكائن الحي تخضع لسنة الولادة والنمو، ثم الاندثار، إذا لم يتصدَ لذلك الاندثار والموت أهل اللغة، هو يرى أن اللغة ليست وسيلة أو إطاراً للإبداع، بل هي الإبداع نفسه.