نهم الكتابة حتى الأسبوع الأخير في غياب سلمى الحفار الكزبري

هنري زغيب قرأها 1,838
 

على قدْر إعجابي بأدبها الغني المتنوِّع الوسيع، كان إعجابي باثنين: صباها "السبعيني" في الحركة، وشغفها العشريني في الكتابة.

أما عن صباها "السبعيني"، فالذكريات لا تُحصى، منذ عودتي النهائية من "المنأى المؤقت" (على بحيرة الليمون – فلوريدا) الى لبنان (1994) واختلافي إليها في سهرات أدب وشعر ومساجلات ثقافية، وفرحنا بها رفيقة الدرب في رحلاتنا الداخلية والخارجية، متألّقة دائماً بالشكل الأنيق والحديث الأنيق والدماثة الأنيقة، وتلك الطلة الأليفة التي تجمع الأمومة والصداقة.

وأما عن شغفها العشريني في الكتابة، فهي كانت على توتُّر محرور دائمٍ في صحبة القلم. تكتب! أيان زرتها، كنت أجدها تكتب. في بيتها البيروتي (عين التينة) أو في مصيفها (بعبدات أو بيت مري)، دائماً في حالة كتابة. ونادراً ما كنا نقصدها إلاّ وتزف إلينا نبأ انتهائها من نص أو مباشرتها نصاً جديداً.

كأنها لم تكن منتبهة الى العمر. كأنها لم تكن تحسب للموت حساباً. كأن الموت عندها أمر لا يحدث إلاّ للآخرين.

مندفعة دائماً الى نهم الكتابة ورغبة العشرة الأدبية العالية. بيتها كان يجمعنا نتحلّق حول أخبارها وإصغائها (وكم كانت تعرف أن تصغي!) حتى إذا تغير الجو الى فن أو غناء أو موسيقى كانت هي لولب التشجيع والحماسة العفوية. وحين السهرة في غير بيتها، تكون سيدة الحضور برصانتها التي تحمل العز الدمشقي الى القيافة البيروتية في حضور راقٍ وذكاء حاد يفرضان احترامها.

وحين السهرة عامرة في قريطم عند الدكتور نقولا زيادة (توفي قبلها بخمسة عشر يوماً) تكون هي الماثلة أبداً بتواضعها الذي تتعمّد أن تضعه عند جلالة "الدكتور نقولا" فيغتبط هو، وتسعد هي، وتهنأ شلّة الساهرين.

كانت لـ"الأوديسيه" معها تجربة نبيلة، وهي لم تكن تغيب عن ندواتنا في "الأوديسيه" حتى إذا غابت مرّة قلقت عليها الزميلات ألكسا (قيامة) ومنى (غزال) ورشا (نجار) لكثرة ما كانت لهنّ صديقةً ذات بال، وسيدة ذات مثال.

سنة 1999 هيأنا معاً "مهرجان مي زيادة"، فكانت أكثر "الصبايا" صبا، وأكثر السيّدات ترتيباً وتنسيقاً، وأكثر فريق التنظيم سهراً ودأباً على التفاصيل الصغيرة، وعلى الاتصال بالمحاضرين الأجانب في حيثما هم. وبدا واضحاً ما يكنُّون لها من احترام وتقدير، وخصوصاً شريكها في تحقيق رسائل جبران ومي زيادة، المؤلف البروفسور سهيل بشروئي (مؤسس منبر جبران في جامعة ميريلاند، ومؤسس ورئيس الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية في الجامعة نفسها). وبين شحتول (بلدة مي في فتوح كسروان) وقصر الأونسكو (حيث المهرجان في أيامه الثلاثة) وفي أوديتوريوم حسانة فتح الله داعوق (حيث أمسيات المهرجان) كان "الست سلمى" بهية الحضور على ابتسامة من الرضا الأمومي الذي يَشع بِهناءته على الجميع.

ومن المعرض الذي أقمناه لـ"أغراض مي" في قصر الأونسكو، بدا كم غنيّةً كانت 16 سنة من متابعتها شؤون مي في لبنان ومصر، أوراقاً ورسائل (من مي أو الى مي من كبار الأدباء العرب والعالميين) ووثائق ومقتنيات وصوراً فوتوغرافية ودفاتر خاصة بمي، وآلتها الكاتبة التي كتبت عليها مي معظم مؤلفاتها، والعود الذي كانت تعزف عليه مي لرواد صالونها الأدبي في القاهرة.

قبل سنوات دعي الدكتور نقولا زيادة الى محاضرة في جامعة حلب، وطلب من "شلّتنا" أن نشكل وفداً من الأصدقاء لمرافقته الى حلب، فكانت "الست سلمى" أول من تحمس للذهاب، وكانت رفقتنا وإياها ذهاباً وإياباً من أمتع الأوقات.

سنة 2001 أصدرت كتابها "ذكريات إسبانية وأندلسية" وفيه مَجموع الرسائل التي كتبها إليها (والى زوجها السفير الكزبري) الشاعر نزار قباني الذي كان تلميذ زوجها في كلية الحقوق (جامعة دمشق) ثم التحق مستشاراً لسفارة سوريا في أسبانيا (حين زوجها سفير هناك)، وأمضى الفريق الدبلوماسي السوري فترةً بدت آثارها في قصائد نزار الأندلسية وفي صداقة متواصلة ترجمتها رسائل نزار الى "السيِّدة سلمى" و"سعادة السفير نادر"، ضَمَّها هذا الكتاب الذي ينضح منه نُبلُ الوفاء من الفريقين. واحتفاءً بهذا الكتاب أقمنا في "الأوديسيه" أمسية قرأنا فيها من شعر نزار الأندلسي، وكانت "الست سلمى" مغتبطةً بالاحتفاء اغتباطَها بصدور كتابها الجديد. وبعد تلك الأمسية ظللنا نتواعد للقيام برحلة الى الأندلس تكون "الست سلمى" مرشدتنا فيها، وكم كانت حماستها عالية بـ"قيادة" تلك الرحلة، وتكراراً تؤكد لي كم ستكون الرحلة "مثمرة" لقلمي ومقالاتي لـ"النهار".

ويكون اشتغالُها على رسائل مي زيادة وجبران فتحاً جديداً أضاء على وجه مهم جداً من حياة الاثنين معاً، فإذا بكتاب "الشعلة الزرقاء" مرجع لم يعد منه بُدّ لكل من يدرس جبران أو مي (بات اليوم مترجماً الى 12 لغة) في تحقيق دقيق ومقدمة وافية اشترك بهما معها الخبير الجبراني الكبير الدكتور سهيل بشروئي.

وكم كانت تهنأ الى كتابة البيوغرافيا التي خصصت لها جزءاً كبيراً من كتاباتها، فأضاءت على جورج صاند، وعلى مي زيادة (في 3 كتب باتت اليوم مراجع وثقى)، وعلى والدها لطفي الحفار وعلى نساء متفوقات في العالم.

كانت كتابة السيرة هوايتها الأحب. وفي السنوات الأخيرة كان انهماكها منصباً على إنهاء كتابة مذكراتها (مع أن لها كتابين: "عنبر ورماد" و"الحب بعد الخمسين" في السيرة الذاتية)، مستذكرة مَحطات من حياتها المديدة المليئة بأحداث أدبية ولقاءات كانت، في حينها، تدوّن مخططاتها وأفكارها في دفاتر خاصة وأوراق كثيرة احتفظت بها استعداداً لوضع سيرتها الذاتية الكاملة التي كانت تعتبرها "قمة المؤلفات".

في زيارتي إليها قبل أسابيع، "بشّرتني" بأنها تضع اللمسات الأخيرة على الصفحات الأخيرة، وأردفت ببسمة هي بين اللطف والتمني: "هيّئ الأوديسيه للاحتفاء بهذا الكتاب. كيف الدكتور نقولا؟".

كانت دوماً تسأل عنه، وتضيف: "ما شاء الله. في التاسعة والتسعين ولا يزال ينتج ويقرأ ويكتب. أمدّ الله بعمرنا مثله كي نواصل نتاجنا".

مساء الخميس 27 تموز الماضي انطفأ "الدكتور نقولا زيادة" قبل أن يحقق حلمه ببلوغ المئة، وبقي يكتب حتى الأسبوع الأخير قبل غيابه.

بعد خمسة عشر يوماً، مساء الجمعة 11 آب الجاري، انطفأت هي قبل أن تحقق حلمها ببلوغ كتابها المطبعة، وبقيت تكتب فيه، هي أيضاً، حتى الأسبوع الأخير قبل غيابها.

كانا جارَين في حياتهما، تجمع بينهما معاً تلك الرغبة المحرورة في الكتابة الدائمة، برغم التقدم في السنّ.

وكانا جارَين في غيابهما فغادرانا معاً بفارق خمسة عشر يوماً.

وكانا يقعان معاً في الغلطة الواحدة.

لم يحسبا حساباً للموت.

*** كـــادر مـــع الْـمـقـال ***

هـــــي

- ولدَت في دمشق سنة 1923، وتزوّجت سنة 1943 في بيروت محمد رشيد كرامي (شقيق الزعيم اللبناني عبدالحميد كرامي) وعاشت معه في طرابلس، لكنه توفي في شباط 1944 تاركاً لها طفلاً (اليوم: المحامي نزيه كرامي).

- عادت سنة 1950 فتزوّجت في دمشق الأمين العام لوزارة الخارجية السفير نادر الكزبري وتنقّلت معه سفيراً لبلاده الى الأرجنتين وأسبانيا ثم في الإدارة المركزية (دمشق) الى أن ترك السلك وجاءت تسكن معه في بيروت ومعها ابنتاها رشا وندى.

- بدأت التأليف والنشر باكراً، فأصدرت أول كتبها "يوميات هالة" سنة 1950 وتتالت بعده مؤلفاتها الكثيرة في القصة القصيرة والرواية والسيرة، ولها كتبٌ ونصوص كثيرة مترجمة الى الإسبانية والإنكليزية والإيطالية والفرنسية.

- كتبت معظم مؤلفاتها بالعربية، ولها بالفرنسية ثلاث مجموعات شعرية: "الوردة المنفردة" (باريس/الأرجنتين 1958)، "نفحات الأمس" (باريس 1965)، و"بوح" (دمشق 1993).

- أما مؤلفاتها بالعربية فتتوزع ترتيباً زمنياً على الوجه التالي:

- يوميات هالة (بيروت 1950 و1995).

- حرمان (القاهرة 1952).

- زوايا (القاهرة 1955).

- نساء متفوِّقات (بيروت 1961).

- عينان من إشبيلية (بيروت 1965 و1999).

- الغريبة (دمشق 1966).

- عنبر ورماد (1970).

- في ظلال الأندلس (دمشق 1971).

- البرتقال المر (بيروت 1975).

- الشعلة الزرقاء (رسائل جبران ومي زيادة – تحقيق وتقديم - اشتراكاً مع الدكتور سهيل بشروئي 1979).

- جورج صاند : حب ونبوغ (بيروت 1979).

- مي زيادة وأعلام عصرها (بيروت 1986).

- حزن الأشجار (بيروت 1986).

- مي زيادة أو مأساة النبوغ (جزآن – بيروت 1987).

- الحب بعد الخمسين (دمشق 1989 – ثم 3 طبعات في بيروت، وصدر بالإنكليزية في كندا 1997).

- نساء متفوقات (دمشق 1990).

- بصمات عربية ودمشقية في الأندلس (دمشق 1993).

- عشية الرحيل (مختارات بالإسبانية من شعرها بالفرنسية – مدريد 1994).

- لطفي الحفار (سيرة والدها – بيروت ولندن 1997).

- ذكريات إسبانية وأندلسية: رسائل نزار قباني الأدبية إليها ( دار النهار - بيروت 2001).

- تحمل وسام "شريط السيّدة" من دولة إسبانيا (1965)، وجائزة البحر الأبيض المتوسط الأدبية (جامعة باليرمو – صقلية 1980)،

وجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي (1995).

خاص بـ"النهار"