على أساسٍ تُراثيٍّ كونسيرفاتوار سعودي .. معهدٌ عالٍ للموسيقى
مع تنامي النهضة الحالية الاقتصادية الاجتماعية الفكرية الإنسانية في البلاد، وخاصة مع بدء العهد الزاهر، و مع تـنامي بل تطافر، الطفرة النفطية التاريخية الحالية (و هي الطفرة الثانية بعد "الأولى" التي عاصرناها في منتصف السبعينات من القرن الماضي بدءاً بمعقبات حرب 1973م والأزمة النفطية التي رافقتها و تلتها)..
فقد يحسن بنا الوقوف برهة.. و التأمل فيما يجري و يركض و يتراكض عندنا في خضم سيلان السيولة النقدية الجديدة و شبه المفاجئة.. بعد وصول سعر برميل النفط الخام إلى السبعين دولاراً.. بل و تعداها، و ذلك بعد العديد من السنوات التي راوحت بين منزلتي شيء من الندى و شيء من الجفاف، تمثلت في "ترشيد" الإنفاق، و ميزانيات العجز المتواصل، وما تبعه من الاستلاف من متعدد المصادر بما رفع الدين العام إلى مستويات متعالية.
أما الآن، و منذ ما قبل الصيف الماضي، و مع تدفق المداخيل و تفاقم الإيرادات و تلاطم سيولتها، فلقد آن الأوان لتغطية كل "عجز"، و اللحاق بالقيام بكل ما يمكن تغطيته من لوازم وطنية إنشائية (في كافة البنيات الأساسية / التحتية) من إسكان، و طرقات، و خدمات علاجية لائقة، و مدارس (غير مستأجرة)، و تعميم المرافق الترفيهية و الرياضية و خاصة الحدائق العامة و الفرعية في أنحاء المدينة الواحدة.. و كذلك بالطبع محطات تنقية الصرف الصحي و إعادة تدوير أطنان المخلفات..الخ.
ثم.. وهذا موطن القصيد هنا في هذه المقالة: عدم المضي في إغفال الحاجات البشرية غير المادية،.. بل لزوم إدراج و لو بعض الموضوعات والمشروعات النفسية/ الترويحية، للأخذ بالإنسان إلى مستويات أرقى من التنعم بالحياة. هنا أركز على حاجة الإنسان إلى أهمية الترفيه و التمتع بالحياة.. فيما وراء المأكولات و المشروبات و الملبوسات و اقتناء فواخر السيارات، ومضطرد التعالي في بناء العمارات و "الفيلاّت" و ما يلحقها من الملحقات.
فلعله آن الأوان (و ربما كان قد آن منذ الطفرة النفطية الأولى،أي قبل أكثر من ثلاثة عقود) بأن نبدأ الاعتناء بالنواحي الأقل مادية، وبالاهتمام بالمجالات الأكثر "نوعية" في الحياة. ولعل الكثير منا بدأ الشعور، منذ أمد بعيد، بأننا نحتاج إلى ما وراء الأكل و الشرب وما شابهما، و أن ليس بالقرصان وحدها يحيا الإنسان.
وفي هذا السياق، لعله أمسى من المناسب البدء في الإحساس بأهمية العيش الأكثر رغداًً.. والاهتمام بالنواحي الأكثر تمدناً و حضارة و رقياً. و يدخل ضمن ذلك رعاية الفنون الجميلة بأنواعها السبعة، ومع ما يصاحبها في أفلاكها من فروع و مرادفات، تضيف في مجموعها إلى الحياة ألقاً، و تجعل في المناخ العام رونقاً، فيما وراء الانشغال اليومي الرتيب المضني والممل، المتميز حالياً بالتركيز على تعددية المأكولات بلحومها و شحومها، و بالمتكدس من المقتنيات و المتراكم من الديكورات، والإسراف في كل هذا و ذاك (و كأنه تعويض مبطن عن الحرمان من النواحي الروحية الترويحية النفسية ..غير المادية.) (أشارت إحصائية دولية صدرت قبل أيام عن أن المملكة العربية السعودية تعد في مصاف الدول التي تعتري شعبـَها السمنة ُالمفرطة، بل تقع في مرتبة العشرة الأوائل؛ أما عن مرض السكري، الذي عادة ما يأتي من عواقب السمنة المفرطة، فقد أشارت نفس تلك الإحصائية إلى أن ربع السعوديين يعاونون من مرض السكري..)
أقولُ ربما آن الأوان أكثر من أي وقت مضى، للاعتناء بما يُسعد الإنسان و ما يَسمو بأحاسيسه، بما تنعمُ معه العين، وما يرهفُ له السمع ويطربُ له الوجدان، بما في ذلك الفنون الموسيقية وبقية الفنون الجميلة السبعة، والتي يحسن أن نهتم بها في مجملها. (أنوه هنا فقط ببعضها: فن المسرح والتمثيل؛ وفنون النحت والخزف والأشكال؛ وفن السينما _ الفن السابع)؛ وكذلك الفنون الاستعراضية المتنوعة، فليس بالعـَرْضة وحدها يرقص الإنسان.
كونسرفتوار سعودي، معهد لفنون الموسيقي:
مما تحتاجه البلاد، منذ عشرات السنين، هو إقامة عدد من المعاهد التي تنمّي الإحساس السمعي وترقىَ بالذوق الموسيقي عند مواطنينا الراغبين، وهم في أعداد متنامية؛ وذلك باشتمال أيامنا الدراسية في المعاهد والمدارس على أجزاء من البرامج الإنشادية الموسيقية، سماعاً و أداءً. فلعله من الواضح أهمية و قيمة الموسيقى، وفوائدها النفسية والصحية والتراثية الحضارية الثقافية.. وفي بث أوجه الحبور الاجتماعي.
فالموسيقى هي لون من ألوان التعبير الإنساني قد يتم التعبير فيها وبها عن خلجات القلب المتألم الحزين، وكذلك عن النفس المرحة المرتاحة؛ وفي الموسيقى قد يأتي المرء على جملة من الانفعالات التي فيها ما فيها من الرموز التعبيرية المتناسقة.. في "مقاطع" معزوفة يحس بها مرهفُ الحس أو مَن كان "ذوّاقة" ينفعل ويتفاعل سماعياً ووجدانياً و فكرياً، يحس بها إحساساً عميقاً وينفعل به انفعالاً متجاوباً، مثله مثل أي من الكائنات الحية. فالموسيقى _ وبخاصة تلك الموسيقى الراقية _ تساهمُ في إراحة النفس و في علو الروح و سمُوِّها.
ولكن الموسيقى ليست مجرد أنغام؛ بل هي وسيلة "للتواصل"، لالتقاء الذهن والروح عند الشخص الواحد؛ وهي أيضاً وسيلةٌ فاعلة اجتماعية وتربوية تساهم في عمليات التفاهم وفي تنمية الحس الشخصي؛ وتعمل على إدخال البهجة على النفوس وفي تجميل العالم من حولنا.
كما تساهم الموسيقى إسهاماً فعالاً في تبادل التآخي الثقافي الحضاري وتوثيق الصلات وتقوية عُرى الصداقة و المودة وتسهيل التعاون والتقارب بين الناس على المستوى المحلي في البلد الواحد، وبين مختلف الشعوب على مستوى الكون. ولعله من الممكن لنا أن نكون صورة أو فكرة عن أي بلد بوقوفنا على نوع و مستوى موسيقاه!
و كما في الموسيقى و الغناء، فهناك الحركات المُموسقة المعتمدة عليها؛ و هذا يعني و يشمل الأداءات الاستعراضية والحركات البدنية من الرقصات بأنواعها، الجماعية والشعبية والكلاسيكية والفردية.. فبالرقصات تكتمل وتتماهى المعزوفات.
إن أداء الحركات المُموسقة (الرقص بأنواعه) هو أداء طبيعي وهو وسيلة للتعبير عند الإنسان في كافة أرجاء المعمورة وفي مختلف الأوطان، التقليدية منها والحديثة. وما رقصة "العـَرضة" في شبه الجزيرة العربية إلاً مثالٌ حي ومستمرٌ عبر حقب الأزمان، في الهضاب والبراري والسفوح والوديان. و"العـَرْضة" تقليد موسيقى يؤدى في عدة مناطق في المملكة العربية السعودية ..عدا الحجاز وعسير(حيث تتوافر أنواع من الرقصات المحلية الفلكلورية في كل منهما)؛ ثم هناك العديد من الرقصات في منطقة الخليج، مثل موسيقى ورقصة "الّليوة"، وموسيقى ورقصة الطنبورة، وكلاهما جاء إلى الخليج من الساحل الأفريقي الشرقي. كما وتشتهر في منطقة الخليج أيضاً رقصة "الكاسر"(أو الحَربة) وأصلها من الساحل الشرقي للخليج (إيران) وهناك عدد من الرقصات النسائية، مثل رقصة "النَّشِل" التي تؤديها الفتيات على ساحل البحر وهن مرتديات فساتين ("ثياب") النشل احتفالاً بعودة أزواجهن و ذويهن الغواصين.
و كما في المدن و القرى على ساحل الذهب الأسود (الخليج)، فإن لمدن المناطق الأخرى أيضاً أداءاتها الاستعراضية المُموسقة، بما يشمل قرى تهامة و جبال الحجاز، برقصاتها الشعبية المتميزة المتعددة؛ ففي مدن الحجاز، مثل مكة المكرمة و"عروس البحر" جدة ، كانت ولا زالت رقصة "المِزمار" تؤدَى تقليدياً في الحارات، في مختلف المناسبات.
وفي أنحاء العالم، لا تكاد منطقة ولا دولة إلا و تقام فيها رقصاتها الشعبية(الفولكلورية)، من جزر المحيط الهادئ وأرخبيل اليابان (أنواع الـ "ماتسوري" =الاحتفال) و الفلپـين وإندونيسيا شرقاً.. إلى أنحاء أوربا، مروراً بدول الشرق الأوسط، وعلى رأسها الرقصات المشهورة بـ"الدبكة"، بأنواعها اللبنانية و الفلسطينية والأردنية والسورية والعراقية، حيث يؤديها الراقصون/و الراقصات، ومنها ما تؤديه النسوة حصراً، في أداء مختلف رقصات الدبكة، مثل تلك المخصصة للبذر والجَني و الحصاد.
فبالموسيقى و بالغناء تنتعش النفوس وتسمو الأرواح، و بخاصة حينما يتم الجمع بين الغناء الجميل و الموسيقى الرخيمة و الأبيات الشعرية الجميلة، و الحنجرة الصادحة الندية، فيأتي "الكورال" بالأغنية و النشيد، رائعَ اللحن شجيَّ النغمات، فتهتز معه الأسماع و تطرب له النفوس لحناً ومعنى. فما الإنسانُ و ما الأنْسَنة.. و ما "الأنسُ" إلا رفاق في دروب عشق الحياة.
فالمقترح هنا هو تعميم إقامة معاهد وطنية و مناطقية ومحلية للنهوض بالموسيقى وتشجيع مختلف قطاعات المجتمع للتضافر في هذا المجهود، سعياً إلى تنمية الحسّ المرهف عند الناس، كأفراد من ناحية، وإلى إعادة إحياء شيء من التراث الوطني الموسيقي، الفلكلوري منه والمخضرم و الكلاسيكي.. و ذلك بالتناغم مع التراث الموسيقي العالمي من ناحية، وما يتصل بخصائص وتراث العطاء الفني السمعي في كل منطقة حسب إمكاناتها واستعداداتها.
التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص:
وفي هذا وذاك من مختلف المجالات الفنية، يمكن أن تقوم في البلاد نهضة ذات "قفزة نوعية"، فنية، ثقافية؛ ويمكن أن تقام مختلف "الصناعات" الترفيهية و الترويحية والسياحية لإمتاع عموم المواطنين المهتمين، ولزوار البلاد المرتقبين بعد إقرار الدولة بصفة رسمية وبعد أن حزمت أمرها وحسمت مبدأ الولوج إلى عالم الحراك البشري العالمي بتشجيع الاستثمار بأنواعه بما يدفع عجلات إلى مزيد من التقدم، بما فيه النمو السياحي، فيما وراء الحج و العمرة؛ و التهيؤ لاستقبال الزوار من أنحاء المعمورة، لزيارة البلاد والتجوال فيها لرؤية معالمها وآثار تاريخها وتراثها الفني وأطلالها وعمرانها وفلكلورها في مختلف المناطق، ومدى إسهامات شعبها في مسار الفنون الجميلة .. و أوجه المسيرة البشرية الإبداعية، ومقارنتها على مستوى العالم بين الـ192 دولة حالياً، حيث أنه بدا جلياً أن "السياحة" تأتي في الدرجة الثانية مباشرة عالمياً.. حيث الاستثمار، والمردود. فستكون المنافسة شديدة جداً.
وإذا كان ما قد دأبنا عليه، في غياب إقامة معاهد للفنون الموسيقية، هو اعتمادنا في مجال الموسيقى على مجهودات فردية في المجال الخاص..فإنه ، رغم ذلك، كان قد نبغ في مجال الموسيقى، و بخاصة في الحجاز، خلال القرن الماضي عدد من الفنانين و الفنانات؛ فكان ممن اشتهر من الرجال: حسن جاوة، الذي شارك بمجموعة أغانٍ في مهرجان الغناء العربي الأول في القاهرة،1923م؛ والشريف هاشم العبدلي الذي سجَّل عدداً من الأغاني على عدة أسطوانات في القاهرة (توفي في 1926م)؛ ثم جاء فيما بعد الموسيقارون الكبار: طارق عبدالحكيم، محمد علي سندي؛ طلال مداح، غازي علي، عبدالله محمد، فوزي محسون، محمد عبده، عبادي الجوهر، علي عبدالكريم ومحمد عمر؛ ثم أبو بكر سالم بالفقيه، ومن بعده ابنه أصيل ؛ ثم برز: راشد الماجد؛ عبدالمجيد عبدالله؛ عبدالله رشاد؛ و المطرب "الجَسّيس" محمد أمان،. ْْْْكما كان من المطربات الحجازيات الشهيرات المعاصرات: المطربة الفنانة "توحة" (فتحية حسن يحي)؛ وابتسام لطفي، و كذلك عتاب. وممن جاء في الجيل الجديد من برز في داخل البلاد و خارجها: جواد علي، إبراهيم عبدالله، عباس إبراهيم. ومن اليافعات الواعدات: سارة الغامدي؛ وعد؛ رحاب؛ ود ..و غيرهم/ غيرهن.
ثم طفق مطربونا المحدثون وبعض المخضرمين يعتمدون في تجهيز وتطوير وتسجيل معزوفاتهم على الموارد والمرافق المتوافرة بوفرة في خارج البلاد، سواء في مصر ولبنان أو في منطقة الخليج، و مؤخراً في دُبي بالذات؛ كما واضطر عدد من المحدثين من المطربين من التسجيل و التصوير السينماتوگرافي المطلوب للمعزوفات في أماكن أخرى في العالم، شرقاً وغرباً.
ولكن في غالب الأحوال..اعتمد هذا وهذه وذاك على المجهود الفردي والتمويل الشخصي. وفي سيرورة هؤلاء الفنانين و الفنانات. في معظم الأحيان، بدأ الأداء و تطورت المواهب في طي المحاولات والاجتهادات وعلى مستوى الهواية، بعيداً عن التدريب الرسمي أو التأهيل المعهدي المؤسسي فيما عدا "د. عبدالرب إدريس" الذي حظيت به السعودية منذ فترة. و بقيت_ على مدى الأيام، و على كل حال_ الحاجة الماسة إلى إقامة كونسرفتوار.
فالأمل معقود على الجهات الرسمية (وزارة "الثقافة و الإعلام"؛ و الهيئة العامة للسياحة) و فيما ورائهما نتطلع إلى القطاع الخاص و خاصة الموسرين و كبار التجار المهتمين بارتقاء النوعية الحياتية والثقافية إلى مستويات أرقى؛ فيؤمل من المشتغلين في مجال الفنون و الموسيقى (مثل عميد روادنا الفنان الكبير طارق عبدالحكيم، ليعاود قيادة الحركة الفنية الموسيقية، بسمعته ومنزلته وأقدميته)؛ و مثل الفنان محمد عبده الذي سمعت انه اكتسب مؤخراً مئات الملايين لقاء عدد من مجموعته الغنائية في صفقة حديثة مع إحدى المؤسسات القومية الرائدة المشكورة، "روتانا"؛ فمن "حق" هذا الفنان للوطن السعودي.. و من حق محبـيه في فضاء الوطن العربي.. أن يسهم في إنشاء كونسرفتوار قومي.. يتركه تراثاً تالداًًَ و لحناً خالداً.. فيقوم بما لم تستطعه الأوائل من الخالدين لضيق ما بأيديهم مثل كوكب الشرق السيدة أم كلثوم.. و صاحب "النهر الخالد".. محمد بن عبدالوهاب ..طيب الله ثراهما.
ففي مجال الفنون الموسيقية، يحسن أن تتضافر مجهودات و عطاءات القطاع الخاص من مؤسسات و شركات و أفراد، وألا نستمر في المضي، كما كنا منذ عشرات السنين، بالاكتفاء بالمجهودات الشخصية والفردية من قبل عدد محدود ممن جادت به بلادنا من مبدعين وتم خلالها وطيلتها الاقتصار على أشخاص لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.. أو أحياناً زادت عن ذلك قليلاَ.
فلتكن لدينا أكاديمية لفنون الموسيقى على المستوى الوطني، ولو بدءاً بمدينة جدة، عروس البحر. ومن نافلة القول أن إقامة معهد عال للموسيقى يتطلب _ بالطبيعة _ إقامة أكثر من أكاديمية فرعية في مختلف أنحاء البلاد، ليتم تنامي إعداد الطلاب والطالبات في مختلف المعاهد بما يتواكب مع إنشاء المعهد الوطني وليزوده بعصارة الدارسين المتدرجين في سلم هرمية التعلم والارتقاء لتغذي صفوتـُهم أعدادَ المنضمين إلى المعهد العالي للموسيقى، أكاديمية الفنون الموسيقية.. الكونسرفتوار.