ياهودايزم.. (تقنيات لعبة السلطة)- ج3

وديع العبيدي قرأها 1,188

ياهودايزم.. (تقنيات لعبة السلطة)- ج3 

[7]

غوغاء وشغب..

ماذا لو قبل اهل الناصرة يسوع الجليلي- ابن مدينتهم؟؟!..

هل كانت الخطط والخطوط والسيناريوهات اختلفت عما نعهده اليوم؟..

وبالتالي اختلفت صورة حاضرنا وجغرافيا فلسطين وشرق المتوسط؟..

ماذا لو ظهر يسوع اليوم في ناصرة فلسطين، هل ستقبله ام تعيد نفس موقفها القديم؟..

أعني.. ان مدننا ما زالت ترفض ابناءها، وبلادنا تدأب على طرد ابنائها، وتوزيع سكانها على اطراف الارض، ليسودها اللصوص والبغاة والغزاة والطغاة وكل من هو آت!!.. العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة!..

ألسنا نحن مرفوضين، نحن الايتام الغرباء، مرفوضين من بلداننا ومدننا وعوائلنا وبيوتنا وناسنا الذين نشقى لأجلهم، ونتغرب ونتعذب بسببهم؟؟..

أليس.. لو كنا في دفء بلداننا، وبين محبة أهلينا، اختلفت ظروفنا وأفكارنا وحياتنا؟..

وبدل الهدر البشري والفكري، الوطني والقومي، استفادت بلادنا ومجتمعاتنا من خدماتنا وافكارنا، وتحسنت نوعيا، بدل الانحطاط والاسفاف الذي انتهت اليه!..

صاحب المعمل النمساوي الذي كنت اقدم له مقترحاتي حول العمل، قال لي: وظيفتك هنا ان تعمل ما نطلبه منك، وليس ان تفكر وتضع نفسك في مكاني!.. زعلت.  ونسيت انه قبلني وانا الاجنبي الملون، المرفوض في بلدي ومن اهلي. لو قبلني بلدي واتاح لي فرصة توظيف امكانياتي ما كنت لاجئا غريبا في بلاد اخرى!.

وهذه حال أكثر من مائة مليون لاجئ مغترب خارج بلده حسب احصاءات الامم المتحدة.

فماذا فعلت بلداننا للمحافظة على ابنائها ومواطنيها، بدل اذلالهم وفرمهم في ماكنة الحرب والقتل والارهاب اليومي، الذي هو صورة الحياة اليومية، باعتبار ان الاضطراب ظاهرة عادية، في وقت تسود فيه الدمقراطية والانتخابات وبرلمانات الابتذل وحكومات القومسيون..

اقول، منذ ايام يسوع ومجتمعاتنا والعقلية الاجتماعية والسياسية لم تتحسن، بل نحو الأسوأ!..

لو قبل سكان الناصرة ما اراده يسوع الجليلي لهم من خير..

لو قدروا الخروج من مومياءات أنانياتهم الجسدية المتحجرة.. لما عرفنا اليوم تلك المقولة المؤلمة:

-                       لا كرامة لنبي في وطنه!..

-                       مطربة الحي لا تطرب!..

-                       لا أب من غير كرامة الا في بيته!..

"وعاد يسوع الى منطقة الجليل بقدرة الروح،

وذاع صيته في القرى المجاورة كلها.

وكان يعلم في المجامع والجميع يمجدونه!

حتى جاء الى الناصرة، حيث كان قد نشأ..

ودخل المجمع كعادته يوم السبت، ووقف ليقرأ..

فلما فتح الكتاب وجد الكلام الذي في سفر اشعياء (اش 61)

روح الرب عليّ، مسحني لأبشّر الفقراء

أرسلني لانادي للمأسورين بالاطلاق،

وللعميان بالبصر، لاطلق المسحوقين احرارا..

ثم طوى الكتاب وسلّمه الى الخادم وجلس..

وعيون الحاضرين في المجمع شاخصة اليه..

فقال: اليوم تمّ ما قد سمعتم من نبوءات!.

فتعجب الحاضرون من كلامه!

وتساءلوا: أليس هذا ابن يوسف؟..

ألسنا نعرف أمه وأخوته بيننا؟..

فقال يسوع: لا شك ستقولون لي هذا المثل..

ايها الطبيب اشفِ نفسك أولا!..

اصنع هنا في بلدتك ما سمعنا انك عملته في غيرها..

الحق اقول لكم.. ما من نبي يقبل في بلدته!

لقد كان في زمن ايليا التّشبي أرامل كثيرات..

حين اغلقت السماء وحدثت مجاعة كبيرة في الارض..

ولكن ايليا لم يرسل الى ايّ واحدة منهنّ..

بل الى امرأة أرملة في صرفة صيدا اللبنانية.

وكان في زمن اليشع كثيرون مصابون بالبرص

ولكن لم يشفَ احد منهم، سوى نعمان السوري!

فامتلأ الناس حنقا لما سمعوه ودفعوا يسوع خارج الناصرة..

وساقوه الى حافة الجبل المبنية عليه مدينتهم، ليطرحوه للاسفل!..

ولكن يسوع نزل الى كفرناحوم المجاورة واخذ يعلّم..

فانذهلوا من تعليمه لأنه كان يتكلم بسلطان!"- (لو 4: 14- 32)

وبدلا من الاحترام والتقدير.. أطلقوا شراذم الغوغاء واولاد الشوارع في أثرهم، فيكون قتلهم عشوائيا باسم الغضب الشعبي ولا يحتمل احد مسؤوليته. من هذا المنظور تتذرع حكومات اليوم باعتبار بعض المجرمين السياسيين مختلين عقليا..!

نجد هنا مدينتين متجاورتين من نفس المقاطعة والثقافة هما: الناصرة وكفرناحوم.

احداهما رفضت يسوع وهي الاولى، والثانية قبلت دعوة يسوع وتبعته. لماذا؟..

السبب واحد واضح وربما تافه. وهو ان سكان الاولى يقولون ان هذا اليسوع نشأ في مدينتهم، وركض في ازقتهم وما زالوا يعرفون امه واخوته والبيت الساكنين فيه من يومهم. وبحكم النشأة المشتركة، فهم متساوون ومتشابهون ومتكافئون في كل شيء، وليس بينهم احد أفضل من سواه. فلماذا يزعم يسوع ان لديه قدرات ومواهب روحية تميزه عنهم؟.. ولم لم يلاحظوها فيه عندما كانوا معا، ولماذا لا يتحدث عنها اخوته، ولا تكون لهم مثلها؟..

ان فكرة [المماثلة والمشاركة والتكافؤ] هي من مقومات الاجتماع القبلي – تقاليد عشائرية- والمجتمع القبلي لا يسمح بتمايز احد عن سواه، وكل من له فضلة في شيء على سواه، عليه ان يشارك بها المجموع. والاشارة الانجيلية المكررة، تكشف عن عمق فاعلية الاصول القبلية في الاطر الاجتماعية للقرية والمدينة على سواه.

وفيما يخص الناصرة، يرى المؤرخون انها كانت مدينة صغيرة يبلغ سكانها يومذاك حدود ستمائة نسمة. ومصطلح – مدينة- يعني انها ليست قرية ذات اصول قبلية او زراعية. ويفهم من قربها من بحيرة طبرية اشتغال بعض اهلها بالصيد الى جانب مهن اخرى كالتجارة والملاحة.

تنوع المهن يقود للانفتاح الاجتماعي والعقلي، اكثر من الجماعة الزراعية المتشابهة في كل شيء، ولا تتعدى اهتماماتها وافكارها قطاع الزراعة. لكن هاته الفرضيات العلمية المنطقية تندحر امام ردود افعال سكان الناصرة المدينة ازاء دعوة يسوع. نفهم منه ايضا، لماذا لم يتخير يسوع تلاميذه واتباعه من مدينته وموطن ذويه، منصرفا الى مدينة صيدا الشمالية ومواطن بعيدة عن موطنه الجغرافي. هؤلاء كانوا اهله وذويه، عائلته واخوته/(متى 12: 49).

نحن، من ابناء تفس المجتمع الذي نشأ فيه يسوع، تحتل الصداقة في حياتنا ونفوسنا، مكانة اكبر واقرب للنفس والفكر، من العائلة والاشقاء. يخبرنا الانجيل ان اخوة يسوع سخروا منه وتندروا عليه/(يو 7). وقد اتهموه انه يسعى وراء الشهرة والصيت. لذلك يقوم بمعجزات امام الجموع ويتجول من مدينة لاخرى.     

جموع الغوغاء ومظاهر الشغب هي التي ستسم المناظر الاخيرة من المشهد الاخير من حياة يسوع في الجلجثة، بعد انسحاب قادة السنهدريم.

"وقف الشعب هناك يراقبونه، والرؤساء يتهكمون قائلين:

خلّص آخرين، فليخلص نفسه ان كان حقا هو المسيح!

وسخر منه الجنود ايضا، وهم يقدمون له خلا، قائلين:

ان كنت انت ملك اليهود، فخلص نفسك!..

وأخذ واحد من المجرمين المصلوبين  يجدّف عليه قائلا:

ألست أنت المسيح؟.. اذن خلص نفسك وخلصنا!.. –(لو 23: 35- 39)

والغوغاء ومظاهر الشغب هي التي ستحيط وتحاصر التلاميذ والرسل عبر الزمن والجغرافيا، كما في رسالة غلاطية، وهم الذين يطاردون بولس والمتجددين داخل مدن مقدونية وتصل فلولهم الى روما. مناظر الفلول والغوغاء وجموع الشغب المتكررة في اضطهاد كلمة يسوع، سوف تستمر عبر التاريخ وخلال الزمن، اذ تتطور متخذة مظاهر واساليب متجددة، دون ان..

1-                تتحمل المراجع مسؤوليتها لكونها تحدث من قبل غوغاء.

2-                تتراجع المخططات الستراتيجية او تتعدل الاهداف وتميل الى نوع من التعقل او المراجعة بعد عشرات القرون.

في هاته المفارقة، يبرز سؤال وجيه، يجمع بين راهنيته التاريخية والراهنية المعاصرة، فحواه: هل يجب على اهل الناصرة أو اية شخصية او جماعة سكانية قبول كل فكرة تطرأ في البلاد او العالم؟.. ولماذا..؟!..

أليس كل كائن في الوجود حرا بذاته؟.. انه حر ومسؤول في طبيعة تعاطيه مع الوجود وتقرير مصيره!.. حر في ثيابه وطعامه وعلاقاته.. حر في بقائه ورحيله.. القبول او الرفض.. الاتفاق او الاختلاف.. الاتباع او المعارضة او الحياد.. نعم انه حرّ..

ولأن الانسان ليس كائنا همجيا متوحشا، مجردا من العقل والحكمة والاخلاق، فأن حريته تقترن بالمسؤولية من جهة، وبمبدأ عدم الضرر من جهة مقابلة.

وفي نفس الوقت، لا يبدو ان يسوع او أحد اتباعه في كرازتهم-[متى 10، لوقا 9، 10]، لجأوا الى العنف او القهر او التهديد لفرض أفكارهم على احد. وجوهر الكرازة كتابيا يتلخص في جملة واحدة أساسية: (يجول ويعمل خيرا!). ومن معاني (الخير/ الصلاح) تجديد أذهان الناس وتحرير عقولهم واجسادهم من عبودية العادات والتقاليد والافكار الجامدة والضارة.  وهو ما أعتبره اليوم وظيفة المثقف الاجتماعية والوطنية.

وعند مراجعة الطريقة او الطرق التي واجه بها الفريسيون وأتباعهم حركة التجديد اليسوعي، نجد انها استندت الى مبدأ الاستبداد السلطوي [سلطة الاستبداد واحتكار السلطة]، وليس الى مبدأ الحرية الانسانية. وعلى طول الخط الممتد لثلاثة قرون، اعتمد الكهنوت اليهودي خطة موحدة لافشال وتفتيت حركة الاصلاح والتجديد الجديدة. وقد اعتمدت الخطة على عاملين رئيسين، او مستويين من التعامل:

-                       تحريض جماعات بشرية من قاع المجتمع للتشويش والتمرد واثارة الفوضى والقلاقل ضد التجديد. وهو ما يتمثل في مصطلح (الغوغاء) في كل زمان ومكان.

-                       تحريض السلطات العليا ضد المجددين باستخدام الافتراء والوشاية والتزوير، بما فيها تهمة اقلاق الامن وتهديد السلطة.

وبذلك يتم تحشيد كل مستويات الرأي العام والسلطات والاعلام ضد جماعة معينة، ومحاصرتها والتضييق عليها وصولا للقضاء عليها.

مظاهر غوغائية..

-                       صاحوا صياحا شديدا، وسدّوا اذانهم، وهجموا عليه هجمة واحدة، ودفعوه الى خارج المدينة، واخذوا يرجمونه بالحجارة. –(اع 7: 57- 58)

-                       حرّضوا ضدّهم النساء النبيلات والمتعبدات ووجهاء المدينة، وأثاروا الاضطهاد على بولس وبرنابا حتى طردوهما من بلدهم.- (اع 13: 50)

-                       انقسم اهل ايقونية فريقين: فمنهم من كان مع اليهود، ومنهم من كان مع الرسولين. ولما اوشك اليهود ورؤساؤهم والمنضوون معهم ان يهينوا الرسولين ويرجموهما بالحجارة، هربا الى مدينتي لسترة ودربة وأخذا يبشران هناك(...) بعد ذلك جاء يهود من انطاكية وايقونية الى لسترة، واستمالوا بعض الجموع هناك ورجموا بولس حتى ظنوا انه مات، وجرّوه خارج المدينة. – (اع 14: 4- 6، 19)

-                       في مدينة فيلبي المقدونية كانت امرأتان، احداهما تاجرة ارجوان تبعت بولس، والثانية تاجرة سحر فيها روح عرافة، بقيت تتبع بولس صارخة اياما، حتى تضايق بولس كثيرا وطرد الروح الشرير منها. ولما رأى سادتها ان مورد رزقهم قد انقطع، قبضوا على بولس وسيلا وجروهما الى ساحة المدينة للمحاكمة. وقدموهما للحكام قائلين: هذا الرجلان يثيران الفوضى في المدينة، فهما يهوديان يناديان بتقاليد، لا يجوز لنا نحن الرومانيين قبولها او العمل بها.. الخ. – (اع 16: 10- 20/ بتصرف)

-                       اقتنع بعض الحاضرين وانضموا الى بولس وسيلا، ومن بينهم عدد كبير من اليونانيين وكثيرات من النساء النبيلات. فأثار ذلك حسد اليهود الذين لم يؤمنوا، فأتوا ببعض الاشرار من ابناء الشارع، وجمعوا جمهورا واخذوا يحرضون الناس حتى اثاروا الفوضى في المدينة، ثم هجموا على بيت ياسون مطالبين بتسليم بولس وسيلا- المقيمين عنده- الى الجمع. – (اع 17: 4- 5)

-                       عرف يهود تسالونيكي ان بولس يبشر بكلمة الله في بيرية، فلحقوا به وبدأوا يحرضون الجموع ليثوروا عليه. – (اع 17: 13)

-                       في كورنثوس تجمع اليهود ضد بولس برأي واحد، وساقوه الى المحكمة، واشتكوا عليه قائلين: هذا الرجل يحاول اقناع الناس ان يعبدوا الله بطريقة تخالف شريعتنا!. – (اع 18: 12- 13)

-                       في تلك المدة وقع اضطراب خطير في افسس بسبب (الطريق)/[أي: المسيحية!]. فان صائغا اسمه ديمتريوس كان يصنع نماذج فضية صغيرة لمعابد الالهة ارتميس، فيعود ذلك عليه وعلى عماله بربح كبير. ولما تراجع اهتمام الناس بشراء مصوغاته لانصرافهم عن عبادة ارتميس، دعا عماله واهل مهنته وقال لهم: تعلمون ايها الرجال ان عيشتنا تعتمد على صناعتنا هذه. وقد رأيتم ان بولس قد اضل عددا كبيرا من الناس، لا في افسس وحدها، بل كل مقاطعة اسيا -الصغرى- تقريبا، واقنعهم ان الالهة التي نصنعها ليست بآلهة. وهذا لا يهدد معيشتنا وصناعتنا فقط بالكساد، بل يهدد معبد ارتميس الهتنا العظمى بفقدان هيبته، فنخشى ان تتلاشى كرامتها وتنهار عظمتها، وهي التي يتعبد لها سكان اسيا جميعا، بل العالم كله، فلا يعود يحج اليها احد، وتتراجع موارد الحج والزيارة. فلما سمع العمال هذا الكلام تملكهم الغضب وبدأوا يصرخون: عظيمة ارتميس، الهة اهل افسس!. وعم الاضطراب المدينة كلها. وهجم عدد كبير من الناس على غايوس وأرسترخس رفيقي بولس المقدونيين، وجروهما الى ساحة الملعب.- (اع 19: 23- 29)

-                       كنت اخدم الرب بكل تواضع، وبكثير من الدموع، وانا اعاني المحن التي اصابتني بها مؤمرات اليهود. وفي كل مدينة اذهب اليها، يعلمني الروح القدس، ان السجن والمصاعب تنتظرني فيها، ولكني لا احسب لحياتي اية قيمة.. -(اع 20: 19، 23- 24)

-                       رأى بعض اليهود من مقاطعة اسيا – الصغرى- بولس في هيكل اوروشالوم، فحرّضوا الجمع كله وقبضوا عليه وهم يصرخون: النجدة يا بني اسرائيل! هذا الرجل يدعو الناس في كل مكان الى عقيدة تشكل خطرا على شعبنا وشريعتنا وعلى هذا الهيكل. حتى انه ادخل اليونانيين الى الهيكل ودنّس المكان المقدس (..) عندئذ هاج اهل المدينة جميعا، وهجموا على بولس وجروه خارج الهيكل ثم اغلقت الابواب جميعا. وبينما هم يحاولون ان يقتلوه سمع قائد الكتيبة الرومانية بالاضطرب فأخذ مجموعة من الجنود وقواد المئات وحضر للمكان، فتراجع اليهود وكفوا عن الضرب. – ومن هنا اقتيد بولس للسجن الذي انتهى باعدامه-/(اع 21: 27- 32)

خلاصة..

قد استخدمت عبارة [تجديد/ مجددين] لغرض تفعيل هاته الحيثية السوسيوسياسية، وعدم حصرها في موضوع او شخصية محددة او زمن سابق. فقراءتنا التاريخ، لا تستهدف تقديسه وعبادته، وانما تحليله ودراسة تفاصيله، بما يفيد ويساعد في فهم ديناميكيات الواقع المعاصر والتباسات حياتنا الشخصية والعامة اليوم.

فالغوغاء والاستبداد، ومبادئ الشغب والتحريض والوشاية والافتراء والتزوير والتشويه ونشر الاشاعات وتضليل الرأي العام، هي القوت اليومي المستمر لجماعات النفوذ والسلطات بتعدد مستوياتها وتنوعاتها.

واليوم.. مع تطور تقنيات الدعاية والاعلام والميديا الالكترونية، تلعب اللغة وتقنيات الصوت والصورة، أكثر من أي وقت آخر، الدور الاساسي في انتاج فيروسات التخريب التي تخترق أذهان الرأي العام والشبيبة والاطفال، بشكل يشل قدراتها وخياراتها للتوقف والتأمل او التمييز.

وبحيث أنتج عبر نصف القرن الاخير، أجيال هائلة من روبوتات البشر المسيرين الكترونيا، والعاطلين اجتماعيا واخلاقيا، والمتمردين على كل الانساق والمفاهيم والقواعد الاساسية، في اطار الترويض والأدلجة والتسيير الذاتي عن بعد. فمرحلتنا الانتقالية المعاصرة، هي الأخطر والأفدح تاريخيا منذ وضع حروف الكتابة.

وعلى الفرد الواعي اليوم تشخيص ما وراء شغب الغوغاء والميديا، والاغراض المترتبة عليها، سيما بالنسبة لنا بوصفنا ننتسب الى اكثر الجماعات الضعيفة والمرفوضة عولميا وامبرياليا: العالم الثالث والشرق الاوسط.

وليس لنا او وراءنا اية خطوط حماية أو دعامة -من دولة او مجتمع-ح بعد سيناريو تفكيك الهيكليات على صعيد الدولة والقانون من جهة، وتفتيت وحدة نسيج المجتمع والثوابت الوطنية. وكثير منا اليوم يشبهون ابطالا فرديين في وجه قوى الامبريالية العالمية وسياساتها التدميرية، وفي نفس الوقت مرفوضين من السلطات العليا ومن القواعد الاجتماعية!.

وإذا كانت الامبريالية الانكلواميركانية تتبنى اليوم – جيلا جديدا من مشروع الاستشراق وفلسفة الهيمنة الدولية، بعد نجاحها في تفتيت المعارضات السياسية والاقتصادية، الحكومية والحزبية والشعبية، وفي طريقها لتفتيت الثقافات والديانات المعادية؛ فأن المثقف الوطني والانساني، المناهض للامبريالية والفاشية، مدعو لموقف جاد وحازم، عملي وثوري، جنب الى جنب تيار المثقفين الغربيين المعارضين للقمم الصناعية وزحف المكننة والاتمتة على مجالات الحياة والعمل والمعيشة، بما له من اضرار تدمير كارثية، على مليارات البشر، من اجل سيادة اقليات امبريالية اعلامية عسكرية وجماعات نفوذ مالية تكنولوجية/ الكترونية.

ولتكن البداية مقاطعة المنتجات الالكترونية وخطابها الاعلاني الاستهلاكي الذي التهم عقول الاطفال ببرامج الالعاب والاطفال السيئة المضمون والاغراض.

انها دعوة من اجل موقف جاد.. واكثر جدية..

[8]

اختراق.. استمكان.. هيمنة!

هل انتشار الجماعات اليهودية في العالم، يرتبط بميولهم التجارية؟.. أم يرتبط بتطبيق نص (تك1: 28): (أثمروا وتكاثروا واملأوا الارض، وأخضعوها)؟.. هل له صلة بمزاعم الاضطهاد والمظلومية المؤدلجة كتابيا؟.

ان الشعور بالمظلومية والاضطهاد قد يكون ازمة نفسية او انعكاس عقدة نقص واغتراب وعجز عن مضاهاة القوى النافذة والمتنافسة اجتماعيا.. فتركن النفس الى حالة شعورية انها مقصودة ومستقصدة من الاخرين، بدافع الحسد او الافضلية، فيسعة الاخرون لتحطيمها ومحاصرتها. ان الغالب والسائد لا يشعر بالنقص، وانما النقص يلازم الضعيف والعاجز، فيؤدلج عقدته الى مرض نفسية، او عقيدة دينية، تفترض من الاخرين مراعاتها نفسيا او دينيا. لكن هذه العقدة، لا تخفي مكنونها السياسي، ورغبتها في ترجمة ضعفها الى سيادة وهيمنة، باسم المظلومية النفسية او الدينية.

انها نوع من لعبة ماكرة، تبتدعها النفس للدفاع السلبي عن النفس وتسلقها للهيمنة. والواقع ان ما من شخص او فئة لا تتعرض للمعوقات والتهميش ضمن منظومة الصراعات البشرية والبقاء للاقوى او الاذكى او الافضل، ولكن نادرا ما عنى البشر بادلجة ضعفها الى عقيدة دينية وسياسية وصياغتها تحت عنوان تمارس من خلاله اضطهاد الاخرين وتتسلط به على الامم. ان أدلجة الاضطهاد المزعوم لم تمنع استمرار وجود الجماعات اليهودية في بلدان الاضطهاد، بدء بمصر -العبودية- او بابل -السبي- او المانيا -النازية-. ورغبتها المتواصلة للعودة الى تلك المجتمعات والتسلط عليها سياسيا وفوقيا. 

ومن دراسة شخصية يعقوب الذي هو نسخة متطورة من ابيه وجده، نعرف سر قدرة الشخصية اليهودية على البقاء والتحايل في سبيل النفاذ والصدارة. بل ان فكرة شخصية (الفهلوه) التي ارتبطت بالشخصية الفنية لعادل امام منذ مسرحية (مدرسة المشاغبين) في سبعينيات عهد الانفتاح الساداتي، تكمن اصولها في سفر التكوين التوراتي، ممثلة بيعقوب اسرائيل لا غيره.

يعقوب اسرائيل هو الرمز الحقيقي الاعلى للشخصية العبرانية، بينما داود هو القائد الاعلى الذي يجمع يجمع السلطات الثلاثة في شخصه [النبوة/(السماء) – الكهنوت/(الوسيط) – الملك/(العسكري السياسي والروحي)]. وهي صفات لم يوصف بها سواهما، ولم تجتمع لغيرهما، بينما جاء يسوع الجليلي ايجامع في شخصه [البنوة السماوية- اسرائيل- ملك الملوك].

قوة بنيان هيكلية الامة العبرانية، شكل حصانة قومية تاريخية. فرغم انتشار اليهود العالمي، لم تتأثر ثوابتهم القومية والدينية واللغوية. الى جانب احتفاظهم بتواصلهم الاجتماعي والتوراتي، بشكل جعل منهم امة عالمية.

ولا يضاهيهم شعب اخر عبر الزمن، غير الصينيين في القرن العشرين، ومن قبلهم المغول في العصر الوسيط. والمعروف ان الانجليز – بريتانيا- عملوا على الانتشار في اطراف الارض واحتلال مراكزها الرئيسة عبر البحار، فكان نجاحهم محدودا ومؤقتا، وانتهى بفقدانهم – ان كانت لهم- هويتهم القومية.

لقد سبقت التوراة.. واعقبتها اعداد كبيرة من العقائد والديانات والاسفار المقدسة، لكن ايا منها لم يتفوق على متانة وعمق التوراة والتناخ العبراني، ناهيك عن كونها  الاكثر قدما بين المدونات الدينية والأكبرحجما.

وما يزال تلاميذ موسى يلتزمون بدور الحراس المخلصين للكتاب والديانة والهيكل والتقاليد عبر الزمن.

لا يتسامحون ازاء من يتعرض لخصوصياتهم الدينية والقومية، او يشكك في دعاواهم ومزاعمهم التاريخية والسياسية. ورغم صيتهم بأنهم (قتلة الانبياء) ووصف يسوع لاورشالوم (قاتلة الانبياء) و(لا يموت نبي الا في اورشالوم) فلم يمنعهم ذاك عن اسباب فخرهم.

فاستمرار معارضتهم ومحاصرتهم لاتباع طريق يسوع لا يخرج عن اطار حراستهم الهيكل والعقيدة بكل طريقة.

لكن النشاط اليهودي الدفاعي عن عقيدتهم يخضع لاشراف وتوجيه قادتهم، لذلك يكونون منظمين ومتفقين ومنسجمين في عملهم، ليس في المدينة الواحدة وانما في كل مكان في شبكة عملية منظمة، لا يتخللها اختلاف او انشقاق او تمرد.

وهو ما يتكشف في نشاط شاول الطرسوسي وسعيهم من بلد لاخر في عمله، او نشاط معارضيه من بني جنسه بعد خروجه عليهم، اذ لاحقوه من مدينة لمدينة وبلد، للنيل منه والانتقام لفعلته.

وقد بذل بولس جهده الفكري واللاهوتي لمواءمة المسيحية في اللاهوت العبري، واتخذ كل وسيلة تقنع بني جنسه بيهودانية يسوع الجليلي ومسيحانته الكتابية، بوصفه امتدادا جسديا لابراهيم وموسى وداود، كما يتضح من رسائله عامة، روميا وغلاطية وعبرانيين خاصة.

وفي مقره الاخير قبل اعدامه بقليل يبعث بولس في طلب وجهاء يهود روما-(اع 28) للتحدث اليهم واطلاعهم على رؤيته العقيدية، وذلك لارضاء ضميره تجاه بني قومه.        

(لقد كنت اتمنى لو اكون انا نفسي محروما من المسيح في سبيل اخوتي، بني جنسي حسب الجسد.)- (رو9: 3)

ويمكن استقراء التكتيك الذي اتبعه اليهود لافشال المسيحية – او أي حركة تنال من شريعة موسى- في خطوات..

1-                الرفض المطلق.

2-                المحاججة والافحام والتبخيس.

3-                الملاحقة والمقاومة والتحريض واثارة الشغب.

4-                الايذاء المباشر ونشر الاشاعات والوشاية لدى السلطات.

5-                المسايرة والانضواء والتسلق لصدارة الحركة.

6-                تقديم تفاسير ورؤى ترسخ ارتباط العقيدة الجديدة بعقائدهم وتقاليدهم المتوارثة.

7-                تصدر الحركة على كل مستوى وتهميش المخالفين والمعارضين، بما فيهم القادة الاصليين للحركة.

8-                تشويه الحركة وتزييفها وتقديم حركة ممسوخة تنتهي الى حالة من فوضى ولبس واختلاط.

9-                اعادة الجماهير لتبعية العقيدة القديمة باعتبارها الاصل النقي واضفاء مسوح تجعلها حيوية معاصرة.

10-          اختزال مراحل التحول وحركات التغيير والتجديد وتسجيلها في حساب الخسائر والعبث.

11-          عند مواجهة المعوقات، اللجوء الى تدمير المرتكزات الاجتماعية والفكرية للحياة والمعيشة للبشر، ودفع تيارات الفوضى والبلبلة وانعدام القيم والثوابت واسباب الحياة، ومساواتها بالمرحلة الهمجية او الحيوانية، مما يعدم أي قيمة للحياة او الامل او الوجود، عبر الانحلال التام.

12-          ظهور جماعات المساعدة ومد العون التي تستقطب جماعات البشر اليها ماديا واجتماعيا.

13-          تهيئة الناس لظهور المخلص من جديد، الذي يعيد فرض العقيدة القديمة وتعميمها لكل البشر.

والملحوظ انه.. رغم اقبال غير قليل من العبرانيين لاعتناق عقيدة (الطريق)، الا انهعم لا يتنازلون عن شريعة موسى، ويواصلون جهدهم اللاهوتي والتشريعي لانتاج نسخة متداخلة من مسيحية صهيونية او يهودية مسيحانية، كما هم عديد الوعاظ والقنوات المسيحية –اليوم-، التي تخدم هذا الاتجاه الجديد، تحت عنوان البروتستانتية. والواقع، ان استفحال هذا التيار الوعظي والمدعوم من السياسة الاميركية – الاستشراق الجديد-، استغل غياب المرجعية المسيحية الموحدة –او المرجعيات التقليدية: الكاثوليك والارثوذكس-، وأفرغ الاصلاح اللوثري من اهميته اللاهوتية والكنسية، علما ان اليهود يتهمون مارتن لوثر بمعاداة السامية!.

في كنيسة انطاكية السورية، يظهر اول تحدي لاهوتي في المسيحية –(الطريق)-، التي لما تفتأ لم تستقل بذاتها او تتضح هويتها الخاصة، ولدى كثيرين اعتبرت مجرد –طائفة- يهودية مستحدثة.

فقد (جاء بعض اليهود من منطقة اليهودية الى كنيسة انطاكية، واخذوا يعلمون الاخوة قائلين: لا يمكنكم ان تخلصوا، ما لم تختتنوا حسب شريعة موسى!)-(اع 15: 1). ويبدو انهم (بعض الذين كانوا على مذهب الفريسيين، ثم امنوا، وقالوا: يجب ان يختتن المؤمنون من غير اليهود، ويلتزموا العمل بشريعة موسى)-(اع 15: 5).

خطورة هذا الطرح هي وقف دخول الامم – غير اليهود- في المسيحية، وحصرها في صفوف اليهود، دون انتشارها بين الشعوب. ويلحظ انها لا تقتصر على مسألة الختان، رغم خطورتها، لكنها تتخده مفتاحا للالتزام بكل بنود شريعة موسى [لاويين وتثنية] المتضمنة لشريعة الذبائح والتقدمات وسلطة الكهنوت.

وسوف يترتب على هذا الطرح، اتهام مباشر لبولس، بالتهاون في شريعة الاباء، وسعيه لتسهيل العقيدة لاغراء الامم بقبول دعوته.

وترتب على ذلك، أن (بولس وبرنابا جادلاهم جدالا عنيفا)-(اع 15: 2) وتقرر بأثره قيام بولس وبرنابا العودة الى جماعة التلاميذ وعقد اول مؤتمر مسيحي لمناقشة اول اشكالية لاهوتية تتعلق بالقانون المسيحي، لفك ارتباط العقيدة الجديدة، من قيود وفروض شريعة موسى.

يقول بطرس: لماذا تعارضون الله، فتحمّلون المؤمنين عبئا ثقيلا عجز الاباء وعجزنا نحن عن حمله؟../(اع 15: 10). ويقول يعقوب: أرى أن لا نضع عبئا على المهتدين الى الله من غير اليهود!../(اع 15: 19). وانتهى المجمع الى قرار يقول: اجمعنا برأي واحد، على نختار رجلين كرسا حياتهما لاسم يسوع المسيح، نرسلهما مع بولس وبرنابا، ليبلغاكم الرسالة شفاها. فقد راى الروح القدس ونحن، أن لا نحملكم أي عبء فوق ما يتوجب عليكم!../(اع 15: 25- 28).

ان القرار الرسولي الاول جاء ضبابيا –ناقص الوضوح- من جهة، وشفاهيا –تعويم المسؤولية-- من جهة ثانية. ولذلك بذل بولس في رسائله المسجلة، جهدا حقيقيا لمقاومة فكرة الختان والفروض الكهنوتية والجسدية. فيما تغافلت ذلك الكنيسة الشرقية طويلا، وعملت على دمج عقيدة يسوع في شريعة موسى، والاستمرار في تطبيق الفروض والالتزامات الجسدية، واستنساخ نظام الكهنوت اليهودي ومقتضياته في بناء كهنوت – مسيحي- بنفس تقاليد الثياب والمراسيم والاناشيد والمزامير.

فالمسيحية الشرقية: هي يهودية!، مضافا اليها رمز الصليب!.

وما زال اقحام اسفار التناح العبراني في الكتاب المسيحي المقرر اشكالية تعجيزية، لا يجرؤ احد على مناقشتها، او العمل على فصلهما، بدعاوى مدرسية ساذجة، بحسب النقاشات التي اجريتها شخصيا مع بعض المعنيين.

ان انجيل بولس – بحسب رسائله- يختلف عن بقية الاناجيل المعولة على النصوص العبرانية، من جهة، ومن جهة مقابلة، فالتعليم الانجيلي الكتابي، يختلف على ارض الواقع، مع التعليم الكنسي الشرقي والغربي، الذي يضيف ما يدعى بالتقليد الرسولي –(بيداغوجيا)- ومصادر اخرى الى جانب الانجيل الذي يصير شكليا وهامشيا في التعليم والوعظ الكنسي عموما.

ويمكن للراصد ملاحظة مواضيع الوعظ المتعلقة حتى اليوم بالاسفار العبرانية. وسيما كتب موسى الخمسة –لاويين وتثنية تحديدا- لتعريف مبلغ التشويه وتزوير دعوة المسيح، وغيابها عن اذهان العموم. وما زالت ثيمة (الروح القدس) من المسائل المحرجة – والمغيبة- في الكنائس التقليدية عبادة وتعليما.

وهو ما يعني نجاح التخريص والشغب اليهودي في النيل من -كلمة- يسوع الجليلي وتشويه دعوته، ما يقتضي البقظة والرجوع والتصحيح من الشعب المسيحي السادر وراء ابهات الكنيسة وقادتها الفريسيين الجدد.

هاته الخطوات العملية لا تخضع للتعاقب المتدرج، بقدر ما يمكن ان تعمل مترافقة بحسب ما يقتضي، وعلى الراصد استقراء فعالية أي -عدد- منها في أي زمكان. والاهم منها، اين نحن اليوم؟.. وما هو الاجراء الفاعل لاستعادة سلطان الكلمة وعصا الهيمنة العالمية. فهي حاضرة في كل وقت باختلاف الوسيلة والوضوح والعزيمة.

وقد استمرت فصول الرفض والمقاومة والاضطهاد والتصفية الجسدية والفكرية حتى قرار قسطنطين قيصر باعتناق المسيحية وصدور قرار لاحق يوقف ممارسات ملاحقة اتباعها ويعتبرها عقيدة رسمية للامبراطورية الرومانية.

اعتبار المسيحية عقيدة الامبراطورية الرسمية، رفع مكانة اليهودية بعدها كعقيدة كتابية سماوية. كما انعكس على امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية بالتدريج. ويمكن القول، انه من تلك اللحظة التاريخية، بدأت اعداد متزايدة من اليهود في اعتناق عقيدة يسوع او الاعتراف به بحسب عقيدتهم دون التخلي عن التزامهم بمراسيم التوراة وطقوسها.

وبعد سقوط القسطنطينية، بدأت موجات من يهود بيزنطه والقسم الشرقي من الامبراطورية في اعتناق المسيحية، لتزداد قوة عقب الاصلاح اللوثري، حيث تظهر طائفة اليهود البروتستانت في أوربا الغربية، والتي يظهر ثقلها الكبير في مجالين بارزين: الاقتصاد والثقافة.

ان المحذوف في فهم الدين وتفسيره، منذ القدم، هو اغفال مشروعها السياسي وطبيعة منظومتها الديماغوجية القائمة على ترويض وتلقين وتسخير الاف البشر والملايين وربطهم بقيادة مرجعية – قائد مرجع- له مظاهر التدين، ومضمونه سلطان سياسي. وظاهرة اقتران الدين بالسلطة الحاكمة، قديم قدم سومر والفراعنة، ما دفع الرومان وبيزنطه لاحتذائه، والاسلام على غرارهم. ونظرة عامة للامبراطوريات العالمية نجدها امبراطوريات دينية، او تتخذ الدين اساسا وذريعة.

ولعل الجدلية الاشكالية القائمة حتى اليوم هي: هل الدين يحكم السياسة، ام السياسة تحكم الدين؟..

وفي ضوء فهم هذا السؤال وفلسفته، كيف يمكن تفسير امبريالية ما بعد الحداثة، ومرحلة ترامب والبركست الاخيرة، التي قلبت الاديان رأسا على عقب، مهيدا لاعلان ديانةجديدة وكتاب مقدس جديد يتعارف عليه الباحثون بالدين الطبيعي- [Natural Religion].  

وهو أمر يجد مبرراته، في مستنقعات الفساد والطمع والاجرام التي غرق فيها الاقطاع الديني وتمادي رموزه في ركوب تجارة الاعلام والاعلان والثراء الفاحش، على حصان الرأسمالية والامبريالية!. 

[9]

موجز وجيز في الاجتماع السياسي..

يتفق اكثر اليهود على كونهم ابناء ابراهيم المذكور في جينولوجيا سفر التكوين التوراتي. وتعود اصول عائلة ابراهيم/(أبرام- ابرهام) الى مدينة اور- [Ur] الواقعة جنوبي العراق على الضفة الجنوبية الغربية من نهر الفرات، والمشهورة بكونها مركز مدنية سومر التي تعود للالف الرابعة قبل الميلاد. وتقدر الحسابات التوراتية تاريخ خروج عائلة ابراهيم من اور للقرن الثامن عشر قبل الميلاد، خلال حكم حمورابي في بابل.

من اور جنوبي الفرات يتجه خط سير العائلة الابراهيمية صعودا مع الفرات الى وادي حاران في شمال سوريا، ونزولا من شمالي سوريا الى جنوبي فلسطين، الى سيناء ومصر، عودا الى سيناء ثم مغارة المكفيلة حيث مدفن العائلة في غرب فلسطين.

رحلة ابراهيم التوراتية رسمت ما يدعى بجغرافيا التوراة –جغرافيا الكتاب المقدس-، وسوف نلاحظ تكرار المخطط السياحي الابراهيمي من قبل كل من اسحق ويعقوب ويسوع الجليلي، مما يعكس البعد الايديولوجي لترسيم حدود الجغرافيا السياسية من جهة، ومدى القصدية التاريخية في ترسيم خطوط وحدود الرحلة والجغرافيا. وبدلا من [اور- بابل- حاران- نابلس – بئرسبع- مصر- مديان]، سوف تكون اوروشالوم العاصمة الدينية والسياسية وقلب العالم الروحي على الارض في سفر الرؤيا الانجيلي (21: 10).

يفهم من ذلك انتشار ذرية ابراهيم في اطراف تلك الارض الواسعة التي تتمدد جنوب الفرات نحو نجد والحجاز/ أدوم وعسير، وليس هنا مجال عرض تعدد زوجات ابراهيم وولده مع سراريهم وجواريهم وما انجبوا من ذراري واسباط وقبائل. لكن اشارات كتابية تتحدث عن المدن الغربية في شمال افريقيا والتي يُختلَف في عددها – خمس او عشر- وتنتشر بين صحراء ليبيا والجزائر. وقد اشار مؤرخ يهودي معاصر الى وجود ثاني اكبر جالية يهودية في شمال افريقيا، ومدى علاقتها باسرائيل اليوم. وفي شمالي شرق الاردن ثمة المدن العشر، المشيرة الى تركزات سكانية يهودية عبر التاريخ الكتابي. كما توجد جماعات يهودية في القرن الافريقي واليمن والهند، على طول مراكز التجارة البحرية قديما.

ومنذ البدء كان العامل الاقتصادي اساس الوجود العبراني ومحور معيشتهم. وكانت التجارة – وليس الزراعة- محور الحياة العبرانية الاساسي دائما. ويفهم من تذمرهم في مصر، عدم اعتيادهم العمل اليدوي – في البناء- الذي اجبروا عليه بحسب النظام الاقتصادي الفرعوني يومئذ. وما يزال العمل الرئيس لليهود متركزا في التجارة، وسيما فيما خف حمله وغلا ثمنه، ممثلا في الصيرفة وتجارة النقود.

انتشار الجماعات اليهودية في اطراف الارض قديم جدا، ولا تكاد توجد مدينة او مدنية لا يوجد فيها يهود يحترفون تجارة المال، ولا سيما في المراكز الحضارية والامبراطورية. ومنه يفهم حجم تواجدهم ودورهم في محطات القوافل التجارية القديمة – طريق الحرير- وتجارة ترشيش، الى العواصم الاسلامية الحجازية والعباسية والعثمانية ومراكز روما وبيزنطة وروسيا القيصرية وصولا الى تركزهم في انجلتره في القرون الاخيرة ومنها الى الارض الجديدة/ الولايات المتحدة الاميركية.

المال هو رأس السلطة. والسلطة تقوم على الاقتصاد والثقافة والاعلام. وهاته كلها اشتهر بها اليهود منذ زمن مبكر. الصيارفة والعلماء ورواد التنظير، اغلبهم يهود. ولكن اساسهم ومعجزتهم الكبرى تبقى التوراة او كتاب التناخ/ البايبل  الساري لليوم والاساس الديني والثقافي لعقائد ومذاهب كثيرة.  

يمكن القول ان العبرانيين/ (اليهود) هم أول/ اقدم امة عالمية أو شعب معولم. فهم يوجدون في كل مجتمع وكل زمن، وفي مركز أي نفوذ سياسي او اقتصادي. ان هذا يتيح هم معرفة ما يجري في كل مكان. وبالتالي الاستفادة منه او المشاركة فيه وتوجيهه لصالحهم، وهو ما ساعد ان يجعلهم نوعا من القاسم/ العامل المشترك في الظواهر السياسية والاقتصادية والثقافية حول العالم ومركزه.

اننا.. نحن ابناء ومجتمعات الشرق الاوسط، والمشرق العربي تحديدا، الاكثر التصاقا وتداخلا اجتماعيا وثقافيا مع الاصول الابراهيمية والعبرانية، رغم الاهمال الواضح لأبعاد الرابطة الاسماعيلية البراهمية، رغم تاكيد الاشارة القرآنية عليها. وبدل الانعكاسات الطيبة لهذا التقارب، كنا نحن، العرب، الاكثر تضررا بالصلة اليهودية والنشاط السياسي الصهيوني المعاصر خاصة.

وتاتي أوربا بالدرجة الثانية في صلتها باليهود، وذلك منذ قنوات الاغريق والرومان وبيزنطه، وساهمت المسيحية في تقوية هذا الجانب وترسيخه، عكس الاسلام في الجانب العربي. وعلى خلاف العرب، كان الاوربيون اكبر المستفيدين من النشاط اليهودي، بغض النظر عن فكرة (نظرية المؤامرة) أو من يستخدم من!.

ولاشك.. ان موضوع البحث لا يقف عند هاته النقطة!.. ولكنه لا يستبعد امكانية العمل واحتمالات تصحيح معادلات التاريخ والجغرافيا وما يقال عن الحتميات والقصديات التاريخية التي اهملها السابقون من اجدادنا ومثقفينا.

والسؤال المطروح في سياق البحث، هو مدى صلة اليهود بالمسيحية، وهم الذين رفضوا يسوع وأفكاره واتباعه، وكانوا وراء معظم حملات تصفيتهم وملاحقتهم والتنكيل بهم عبر ثلاثة قرون، حتى صدور مرسوم امبراطوري روماني يحظر ذلك. لقد كان قرار يسوع واضحا بارسال تلاميذه في حملتين للامم، وكان امتداحه لايمان المرأة الكنعانية السورية والضابط الروماني هو الأكبر في مجاله، مما لليهود. وسوف يتكرر الامر مع بطرس في حلمه الشهير-(اع 10) وقصته مع الضابط كرنيليوس، وكذلك مع فيلبس والوزير الحبشي-(اع : 35)، ثم مع بولس وحاكم قبرص- (اع 13: 7- 8) الى كرازته للكريتيين واليونانيين ومدن مقدونية الى ما بعد روما.   

حرص بولس في حملته الكرازية الاولى والثانية ان يقصد المجامع اليهودية في الشتات، في الاناضول وبلاد الاغريق ومقدونية، أولا. وعندما يرفضه اليهود ويضطهدونه، ينصرف عنهم الى تبشير غير اليهود. ورغم ما لقيه منهم مرارا وتكرارا، لم يغير من وجهته لهم وتعلق قلبه بهم، في رحلته الكرازية الثانية، وحرصه على نوالهم خلاص يسوع، مؤكدا لهم ان يسوع الجليلي هو مخلص اليهود الموعود في الكتاب. 

وفي الجانب المقابل، لم يغير اليهود من موقفهم المتشدد، وتحديهم العنيف له ولدعوته، دون الفت من اصرار بولس لخلاصهم. محاولا كل وسيلة، لاقناعهم وقيادتهم للايمان بيسوع المسيح المخلص..

-                       لقد بعث الله الى اسرائيل مننسل داود مخلصا اتماما لوعده، هو يسوع. / (اع 13: 23)

-                       ما وعد الله به اباءنا، قد اتمّه لنا نحن ابناءهم، اذ اقام يسوع من الموت من بين الاموات. /(اع 13: 32- 33)

-                       اعلموا ايها الاخوة، انه بيسوع تحصلون على غفران الخطايا،وانه به يتبرر كل من يؤمن، من كل ما عجزت شريعة موسى ان تبرره منه./ (اع 13: 38- 39)

-                       بشرت اهل دمشق اولا، ثم اهل اورشليم ومنطقة اليهودية كلها، ثم الاجانب. فدعوت الجميع الى التوبة والرجوع الى الله، والقيام بأعمال تليق بالتوبة. وبسبب تبشيري قبض اليهود علي وحاولوا قتلي، ولكن الله حفظني، وبمعونته اقف امام العظماء والبسطاء شاهدا له. ولست أحيد عما تنبأ به موسى والانبياء: ان المسيح سيتألم ويكون أول القائمين من بين الاموات، وسيبشّر بالنور شعبنا والشعوب الأخرى./(اع 26: 20- 23)

-                       شهد بولس -لوجهاء اليهود في روما- من الصباح الى المساء، شارحا لهم امور الملكوت ومحاولا اقناعهم بالامور المختصة بيسوع استنادا الى شريعة موسى وكتب الانبياء. فمنهم من اقتنع بكلامه ومنهم من لم يؤمن. فاختلفوا فيما بينهم وانصرفوا بعدما قال لهم: صدق الروح القدس اذ قال لابائكم بلسان النبي اشعياء: اذهب الى هذا الشعب وقل له: سمعا تسمعون ولكنكم لا تفهمون، ونظرا تنظرون ولكنطم لا تبصرون. لان قلب هذا الشعب قد صار غليظا، واذانهم صارت ثقيلة السمع. وقد اغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا باذانهم ويفهموا بقلوبهم، ويرجعوا الي فأشفيهم. وختم بولس كلامه بقوله: اعلموا اذن، ان الله ارسل خلاصه هذا الى الامم الاخرى، وهم سيسمعون اليه./(اع 28: 23- 29)

في اكثر من واحدة من رسائله وعظاته ناقش بولس قضية خلاص اليهود ومغزى موقفهم السلبي، وقد خلص الى فرضية مفادها: ان رفض اليهود للمسيح هو ربح للامم!.. "اذا كانت سقطتهم غنى للعالم، وخسارتهم ربح للامم، فكم بالأحرى يكون اكتمالهم"/(رو 11: 12)، فـ"ان العمى قد اصاب اسرائيل جزئيا/مؤقتا، الى ان يتم دخول الامم كليا"/(رو 11: 25). "ففيما يتعلق بالانجيل، هم اعداء الله من اجلكم. واما فيما يتعلق باختيار الالهي فهم محبوبون من اجل الاباء. ان الله لا يتراجع عن هباته ودعوته. والواقع انه، كما كنتم انتم في الماضي غير مطيعين لله، ولكنكم الان نلتم رحمة من جراء عدم طاعتهم هم. فكذلك هم الان غير مطيعين لله، لينالوا هم ايضا رحمة، من جراء الرحمة التي نلتموها انتم." / (رو 13: 28- 31)

هاته الخلاصة التي انتهى اليها ضمير بولس القومي(*)، ستشكل القاعدة التي تقوم عليها نظرية الاسخاتولوجيا في سفر الرؤيا التي يدونها يوحنا بن زبدي بعد ثلاثة عقود من موت بولس الطرسوسي.

وبكلمة واحدة.. نستشف، ان العبرانيين، هم الجماعة الوحيدة المفروة، في امتدادها السوسيوتاريخي منذ أول المدنيات (أور سومر) حتى ما بعد التاريخ، او من سفر التكوين الى سفر الرؤيا، حسب الرواية الكتابية!..

ــــــــــــــــــــــ

* "اقول الحق، في المسيح، لست أكذب. وضميري شاهد لي في الروح القدس. ان بي حزنا شديدا، وبقلبي الم لا ينقطع. لقد كنت اتمنى لو اكون انا نفسي محروما من المسيح في سبيل اخوتي، بني جنسي حسب الجسد. فأنهم اسرائيليون، وقد حصلوا على التبني والمجد والعهود والتشريع والعبادة والمواعيد. ومنهم كان الاباء، ومنهم جاء المسيح حسب الجسد، وهو فوق الجميع، الله المبارك الى الابد"- (رو 9: 1- 5)

 (يتبع..)

***

ياهودايزم.. (تقنيات لعبة السلطة)- ج3

وديع العبيدي