في رثاء الفردوس..!
"أيّ مكان، صحرا كان، أو بستان، بسّ أمان!"- من أغنية للمطربة شادية
أنا أعطيك الفردوس.. بدون مقابل، وبغير أي جهد!..
عرض معلن للجميع من جميع المستويات والأعراق، وفي كل وقت.. والضامن الوحيد لتصديق العرض هو الشخص الراغب نفسه..
*
الفردوس.. كلمة هندو أوربية، تعورفت لدى الاغريق، والأصل فيها حرف الباب المثلثة (p) وليس الباء العربية (b). الفردوس قبل كل شيء هو حقيقة.. بل هو الحقيقة الواقعية الوحيدة التي لم يستعِدها الفكر البشري بعد استمناء طويل!..
ان كل إنسان، - بل كل كائن حيوي- يولد ويوجد في الفردوس أولاً-، ثم يترك الفردوس بذاته، ليعود ويتحسر عليه، ويدخل في -حيص بيص- المباريات الفكرية والجدلية العقيمة، للعودة إليه، أو تلمس أطرافه.
من أسماء الفردوس (جنة) كناية عن ملامح الطبيعة والخليقة الطبيعية الأصلية غير المصطنعة، بفعل (يد) الإنسان أو مقتضيات (المعيشة) الحيوانية. وما يزال المرء يترجم حنينه القديم في صورة [حديقة/ بغجه/ garden] ملحقة بفضاء داره، أو بضعة زهور وشجيرات يضعها في زاوية منزله أو جانب المطبخ أو الحمام أحيانا.
نعم نحن نحلم ونشتاق للفردوس وجتة الفردوس، ومستعدين للموت للامساك بسورها الخارجي.
الفردوس في الميثولوجيا هو عالم الآلهة، ببعديه الفيزيائي الجغرافي أو الروحي المقتدر.
ومن ظهر الميثولوجيا انحدر (الدين)، واتخذ من (فردوس) أساسا لبناء قطيعه الاعمى المقاتل حتى الفناء لاستعادة الفردوس، أو احتلاله والهيمنة عليه.
لعل يسوع المسيح أكثر من اعتمده في كرازته الأرضية، لنشر تعليمه الجديد المحرّض ضدّ عالم المحسوسات الجسدية والمادية، وذلك باستهلاله التاريخي الكبير والأساسي – على غرار المنفستو الشيوعي/ (1848م)- لصاحبيه الرفيقين [كارل ماركس وفردريك أنجلز]، ذلك هو شعار: [توبوا فقد اقترب ملكوت السموات!] برعاية [يوحنا المعمدان ويسوع الناصري].
ملكوت السموات بحسب اليسوع طريقه ضيق [narrow path] مزروع ومحيط بالتجارب والالام والأشواك والمجاهدات الروحية.
"اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!"- (مت 7: 13-21).
يوجد بلدان أوربيان في الزاوية الشمالية الغربية من القارة، اشتقا اسميهما من التوصيف الانجيلي لطريق الملكوت، وهما: [Norway, England]. ويرجع أصل تسمية (نروج) بالانجليزية إلى [Narrow-way]= (طريق ضيق).
أما تسمية (انجلتره) الأصلية فتعود للغة الجرمانية وهي [Eng- Land]* = (أرض ضيقة/ حاسرة). والكلمة (eng) = تعني (narrow) يالانجليزية، أي (ضيق) باللغة العربية. وكلا اللفظين يطابقان التوصيف الجغرافي الظاهري لشكل الجزر النروجية والبريطانية، ناهيك عن علاقات الجوار.
ونعرف من مسرحيات شيكسبير [1564- 1616م]: [الملك لير، ماكبث]، ان النروج والدنمارك كانتا تهيمنان على (انجلاند) سياسيا وعسكريا، في عصور سابقة، ومن هنا فحوى ومغزى عبارة ماكبث الشهيرة التي صارت مبدأ استهلال الوجود والاستقلال البريطاني: [أن تكون أو لا تكون، ذلك هو السؤال!]. هذا هو السؤال اليوم الذي دفع حكومة كامرون المحافظة للتطويح بالبلاد – في رياح القرن الحادي والعشرين والالفية الثالثة- بالاستقلال عن المجموعة الأوربية والتبعية الأميركية الدولية، لاستعادة بناء ذاتها وهويتها المتجددة، لتسلّق سلم القرار الدولي، بحسب (قطبية) انجليزية.
وفي تبرير ودعم نزعتها الاستقلالية عن الاتحاد الاوربي، تشبهت الحكومة الانجليزية وتذرّعت بنماذج: النروج وسويسرا، وما تتمتعان به من خصوصية في التعامل الاوربي والدولي.
وعودا على بدء.. هل انجلاند أو النروج لها شبه أكبر بالفردوس الأرضي. في هذا السباق نجحت بريطانيا في استقطاب المخيال العالمي لطلبة العلم والمدنية ورخاء العيش وتجارة المال، على صعد الشرق والإسلام والعرب-، وليس أخيرا ميتروبوليتان الدين السياسي والارهاب الدولي.
فإذا كان الطريق الى الملكوت ضيقا وصعبا، ينتهي بباب ضيقة أيضا، فطبيعة الملكوت الداخلية يرسمها سفر الرؤيا اللاهوتي (رؤ4، 5). – لمن يرغب في المزيد-.
(الجنة) في الفكر الإسلامي هي نقيض/ مقابل مضاد (للجحيم/ جهنم). وكلا اللفظتين من أصول لغوية غير عربية. وقد تفاوت ذكرهما في نصوص القرآن كثيرا، باقتضاب تارة، وبتفصيل تارة أخرى، بغية [الترهيب والترغيب!].
للرقم [سبعة (7)] أهمية ظاهرة، فيتم تصنيف (الجنة) الى سبعة – جنات/ جنان-، ويتم تصنيف (جهنم) إلى سبعة – طبقات-. السمة والمشتركة بين الجنة وجهنم هي الخلود والاطلاق، مع خلافية الراحة واللذة في أحدهما، والعذاب والندم في الآخر.
أما ماهية الجنة الإسلامية، فهي مستوى من الرخاء والترف الملكي واكتساب كل ما حرمه الفرد – بسبب بيئته الصحراوية أو مستواه الطبقي–.
وفي مقابل المضمون الروحي للملكوت اليسوعي، تقوم الجنة الإسلامية على ملء الحواس واشباع الملذات الحسية والمادية بصورة خارقية.
*
ثمة اشكاليتان في هذا المجال..
أولهما:- في المصادر الميثولوجية والفلسفية والعلمانية، يرتبط (الفردوس) بالحياة ورفعها الى درجة من الاشباع العقلي والامتلاء بالقيم المثلى – أقصى ما يمكن الإنسان انجازه وجعله سمة عامة وعادية للحياة. أما الفكر الديني فقد فصله عن الحياة وربطه بالموت – ما بعد الحياة-، وجرد الإنسان من دوره فيه، محيلا ومعيلا أمره للغيب والمجهول.
ثانيهما:- فكرة (الفردوس) الديني تقوم على تغييب عنصري [الحرية والارادة] في حياة الشخص، ومعاملته – عبدا مسلّما- بالكامل لمنطوق فكره الديني وعبوديته المطلقة لأولياء الدين.
ان عدم ممارسة الإنسان لحقوقه ورغباته وأفكاره يُخِلُّ بالتعريف الاصطلاحي لماهية – إنسان-. وليس هذا مجال مناقشة مدى إنسانية – العبد-، لكن تلك الإنسانية رهن تحرير الفرد من العبودية، بكل مستوياتها وأنواعها ومبرراتها.
فالدين - هنا- أول وأخطر مؤسسة اختزلت وجود الإنسان في عنصر الخوف، بدء من الخوف من الطبيعة، حتى الخوف من أهوال الجحيم. والمقصود بالدين - هنا- أيضا الايديولوجية الدينية البراهمية تحديدا، ممثلة ضدّا، ندّا سلبيا للحضارة والإنسانية.
*
طوباوية الفردوس.. أو (فردوس طوباوي)..
الإنسان هو كائن حي، عاقل شاعر وله حواس خمس عاملة. فإذا مات، انقطعت منه نسمة الحياة، وفقد خصائصه العقلية والحسية العاملة. وبذلك ينتقص فيه معنى الإنسان، ولا يعود غير -جدث- ميث، وفارغ. وهذا ملعب الفرس!. أشبه بمقامرة مع (ميت)!.
ان طوباوية العروض الدينية تستغل ثغرة العقل الجامد أو العاجز، لفرض فكرة طوباوية خارج العقل والمنطق واللاهوت. فالاله العلي القدير ليس في محاججة مع الإنسان أو أي كائن آخر، يقضي سنواته المعدودة لينتهي أجله. والمعنى، ان (السوبريم) الازلي عمل كل شيء بما يناسب عقل الإنسان. وقد أنجز عقل الإنسان خطوات كبيرة ومتقدمة في فك مفاتيح الكون والطبيعة، مما لم يخطر للأقدمين، وسوف يكشف النقاب عن أبواب جديدة لا تخطر لنا اليوم، ولا يستبعد مجيء يوم، يكون كل شيء مكشوفا للإنسان مثل كتاب مفتوح.
ليس من خلق الرب السوبريم أن يقول: أنا عملت كذا وكذا، أين كنت عندما وضعت أساسات الأرض وربطت موازين الجبال، وحددت ارتفاعات مياه البحار والمحيطات فلا تدمر سطح الأرض. أنا هو الاقوى والأعلم والأذكى والأقدر، وليس أمامك غير أن تخضع لي وتعبدني. هذا منطق بشري ضعيف لشخص تنقصه الثقة بالذات. والمنافسة/ المفاخرة تكون بين البشر وهذا هو مضمون الغيرة والحسد، والمنافسة والمسابقة غير العقلية.
فلان لديه سيارة، وأنا اشتري سيارة أرقى من سيارته. فلان يسكن في الحي الفلاني وأنا أسكن في حي أرقى منه. فلان عمل كذا، وأنا أتفوق عليه حتى نهاية الهراء أو اللهاث. ان غير قليل من أهل الحكمة يأنفون عن الدخول في مجادلات أو مسابقات أو مهاترات من هذا النوع.
كيف تكون هاته شخصية/ مستوى تفكير الله وطبيعة خطابه؟..
لقد تجاوز العقل العلمي والفلسفي كثيرا من ألغاز الدين. ومع ذلك يستمر الفكر الديني في ترديد نفس احجياته، ويتهم العقل العلمي بأنه وثني/ علماني/ ملحد أو كافر. هذا العقل العلمي الباحث والمكتشف والمخترع والمجدد أفضل من عقل جاهل/ مجدد حتى لو وصف بأنه مقدس.
يردد المحاجج الديني غالبا بأن عقل الإنسان محدود عاجز وعقل الله غير محدد وقادر على كل شيء. ومنه يتخذ سبيلا لإبطال كل فكر ودعوى علمية لأنها صادرة عن إنسان (!). والسطر المخفي والمضلل خلاله، ان (الله) السبريم جلس وكتب بيمينه الكتب الدينية على اختلاف طبعاتها ولغاتها وسنوات اصدارها؟..
بعد ترويض عقل المرء يتم دسّ الفقرة التالية، حول عالم ملكوت وطبقات متعددة من رياض وجنائن في عالم ما بعد الموت. وبعدما يموت الفرد ويشبع من المرض والشيخوخة والتعب، يتحلل جسده الى تراب وغازات، يعود كائنا حيا في الجانب الآخر من العالم، ويتقمّص شخصية جديدة، ويلتقي أشخاصا وشخصيات من تاريخ الأبدية العابرة للقارات والأزمان.
ويحلو للبعض المبالغة في الزعم، للقول ان حياة الدنيا مجرد سفرة/ زيارة قصيرة للأرض، تمهيدا للانتقال لعالم الأبدية، الجنة أو الجحيم.
لم يحدث على مدى الأزمنة والتواريخ، ان أحدا ما، عاد من الموت بعد سنين من مماته، عائدا لأهله وعائلته، وبعد يوم أو اسبوع يرتدي ثيابه التي مازالت في الخزانة، وربنما يستعير ثياب ابنه/ جاره، ويقوم يذهب الى عمله في المكتب أو الشركة التي عمل فيها من قبل.
لماذا يتعامل الرب مع البشر على طريقة (الغميضة) والتحدي الإعجازي؟.. كم من العشاق والعاشقات فقدن أقرانهن وبعد فترة عاد اليها صاحبها من الموت، وحصل على (تذكرة) حياة جديدة.
مثال يسوع المسيح شبه الوحيد في هذا المجال، حول القيامة من الموت، انه قام وصعد الى السماء. ويبقى داخل مجال الفكر الديني. الفكر الإسلامي يتجاوز هاته الاشكالية ليجعل القيامة داخل الموت وفي عالم آخر، لا يستطيع أهل الزمان رؤيته واستكناهه.
ومشكلة الإنسان المعاصر، هو كيف يمكن التيقن من حقيقة قيامة شخص من الموت وصعوده في عالم الهواء، أو شخص يقوم في العالم الآخر المنسوب للغيب. هذا خارج العقل. لعبة (غميضة) يلعبها العلي القدير مع البشر.
الله: الخالق المقتدر هو عقل، والعقل يتعامل بالعقل، ويحترم عقل الإنسان، وفي هذا تأكيد على نبذ الله للخرافة والأكاذيب الطوباوية التي توصف بالمعجزات والخوارق. الله في غنى عن الخوارق الاسطورية والخرافات المنافية للعقل والمنطق.
"المنطق هبة من الله"- (جويس ماير)
الإنسان الجاد والمعتدّ بذاته، عليه ان يواجه نفسه بالعقل وامتحان عقلانية حياة ما بعد الموت، والعروض السياحية من الدرجة الأولى المخزونة في العالم الآخر.
الله المحبة يمكن لمحبته ان تمتد لهذا العالم، ويمتد ملكوته وجناته لحياتنا الأرضية الحافلة بالنكد واللاجدوى والعبث. فنحن الآن أحوج ما نكون للراحة والصفاء والسلام، أما وعود ما بعد الموت، فلا يليق بالسوبريم إحالة البشر للسراب. ويعتقد مزيد من علماء اللاهوت العبرانيين واليسوعيين، ان الملكوت و"أورشليم الجديدة" ستكون على هاته الأرض التي نعيش عليها بعد تطهيرها من الأرجاس والخطايا.
إذا كان ثمة خدمة حقيقية، فهي تتعلق بالحياة الآن وهنا، لتحسين نوعية الحياة ورفع مستوى السلوك والفكر، والحد من الشر والأشرار والممارسات العدوانية والدنيئة.
ونحن على الأرض علينا ان نعمل ما ينفع حياتنا على الأرض، وإذا كنا فاشلين في تحسين حياتنا التي بيدنا، فلن ننجح في أداء خدمة نافعة بعد الموت.
*
جمهورية أفلاطون، أهل المدينة الفاضلة، وصولا للمجتمع الشيوعي الماركسي، طروحات وأطر متعددة لانتاج (فردوس) أرضي يمكن للإنسان وعقله استيعابه وانتاجه بجهده الشخصي.
لكن الذين حكموا البلدان والدول كانوا من العسكر والقراصنة والغزاة، وليس من الحكماء والفلاسفة. وان الحروب والغنائم وليس الانتاج والافكار هو ديدن النشاط البشري عبر الزمن.
في الذروة الفكرية والاجتماعية بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الأوربية ظهرت ظهرت تجارب اشتراكية وفابية (1884م)*، وصفت حينها بالطوباوية، في محاولة لإنتاج بذور مجتمعات جديدة تقوم على طراز مختلف عن السائد والشائع لليوم.
لماذا توقفت تلك التجارب، وانخرط العالم أكثر وأكثر في مستنقعات المادة والمال والاستهلاك والقنانة التكحنولوجية الرأسمالية، والتي يمثل عصر التواصل الاجتماعي الالكتروني نسختها الأولية النافذة للآن.
في أعقاب الثورة الصناعية واكتشاف البخار، انتقل كارل ماركس [1818- 1883م] الى لندن وبدأ في اكمال أبحاثه الفكرية التي عرفت بالاشتراكية (الاقتصاد الاجتماعي) لاحقا. بعد ولادة الاتحاد السوفيتي وانتشار الأحزاب الشيوعية العالمية، أعادت الارستقراطية الرأسمالية قراءة طروحات كارل ماركس – بشكل معاكس حول تطور الرأسمالية والانتاج الرأسمالي، وأنتجوا من خلالها نسخة جديدة ومتجددة من (فردوس رأسمالي) أو ما عرف بعدها بالقرية التكنولوجية والعالم قرية صغيرة، كمقابل فكري للمجتمع الشيوعي الاشتراكي.
القرية الرأسمالية العالمية، هي انحراف ايديولوجي عن طروحات ماركس الفلسفية الاجتماعية، وخروج بالنص/ الإنسانية عن مسارها الأصلي. وهو ما حدث في مصادرة الدين لفكرة (الفردوس) من الميثوولوجيا القديمة والفلسفة الاغريقية.
ان تأسيس جمهورية اشتراكية على يد لينين [1870- 1924م] ورفاقه في عشرينات القرن العشرين، كان تجربة تجديدية في مفهوم الدولة الحديثة، على مسار نماذج متعددة ومتجددة للدولة الأوربية الحديثة. سبقتها تجارب وطروحات فكرية على أيدي جون لوك [1632- 1704م]، الثورة الفرنسية [1789- 1799م]، الجمهورية الفرنسية الاولى [1792- 1804م]، ايمانويل كانت [1724- 1804م]، أوتو فون بسمارك [1815- 1898م]، جمهورية روسيا الاشتراكية [1917- 1991]، جمهورية فايمار [1919- 1933م]، جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية [1949- 1978م].
لقد انتقلت فكرة الفردوس الإنساني الى مجال الفكر السياسي ممثلا في مجال (الدولة)، وذلك من منظور كون الدولة الحديثة تجربة جديدة في مجال فلسفة العقل والفكر السياسي، وكامتداد طبيعي لحركة العلوم والمكتشفات والمخترعات العلمية لعصر النهضة الأوربية.
لكن ما حدث من قبل الرأسمالية الغربية عقب الحرب العالمية الثانية (1945م)، هو تصاعد الصراع الايديولوجي بين الغرب والشرق، وجعل التحديات والمواجهات الايديولوجية/ (الحرب الباردة) اطارا للسياسات الدولية وانقسام العالم الى خندقين متعاديين.
دعني الآن أنوّه للتكنيك الداخلي لعملياتية الحضارة والتمدن. لنجد أن أساس كل شيء هو (فكرة). وأن الوجود والعالم والحياة تنبع وتقوم على مستوى رفيع من (عالم الأفكار). وأن عالم الافكار في تطور وتلاقح وحوار مع بعضه ومع الواقع والمستقبل. وعلى الأساسات التي يضعها عالم الأفكار، تقوم وتتطور الحركات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية. هذا التوصيف يشير لعصر التنوير والنهضة الفلسفية والحركة الاخلاقية التي ضاهت وتجاوزت ذروتها الاغريقية السابقة.
بعبارة أخرى، لقد تساوقت حركة الأفكار والأخلاقيات المدنية وحركة العلوم في عصر النهضة. فكيف كان انعكاس تلك النهضة والمخترعات والذرى الفكرية على الحياة العامة والثقافة الاجتماعية. مسألة الانعكاس الاجتماعي والثقافي الشعبي لها أهمية كبيرة في ملء شعور الإنسان بذاته، وتمايزه الطبيعي والحضاري عن عالم الحيوان من جهة، وعن المجتمعات المختلفة، ورفعه لمستوى الامل والإبداع.
في كتاب صادر حديثا ترد عبارة دقيقة وموجزة ذات فحوى كبير لوصف حقيقة اكتشاف البالون/ المنطاد: [He put two things together that never put together before.]. قد يمر البعض بهاته العبارة دون توقف، ولكن تأمل معناها هو السر والأساس وراء ارتفاع الإنسان في الهواء وتحليقه فوق السحب.
هل توجد مثل هاته الدقة في الملاحظة والتعبير اليوم؟.. وهل لدينا هذا الملاحظ أو المعبّر والقارئ الدقيق؟..
هذا هو معنى الانحطاط في أي عصر!.
ترتب على تلك الجملة البلاغية البسيطة، ثلاثة مخترعات علمية نقلت البشرية من حال إلى حال وبفضل جهد شخص واحد* ومرحلة معينة، وهاته المخترعات هي: الطائرة، البوست الجوي، التصوير/ فوتوغراف. وهي اليوم في متناول البشرية في كل مجتمعاتها وطبقاتها الاجتماعية والثقافية، بضمنهم الرعاع والغجر وأعداء العلم والحضارة.
فهل يعلم مستقل الطائرة كيف ظهرت الطائرة للوجود وبفضل من؟..
هل يعرف مستخدمو خدمة البريد والرسائل عبر الهواء متى وكيف خلق – الله- هاته الخدمة؟.. ان بشرية اليوم لا تعرف مكتشف/ مخترع الكهرباء والبرق؟.. لكنهم يحشون عقول الناشئة بالتعصب القومي والديني والطائفي والمذهبي الدافعة للبغضاء والعنف.
استمرت حركة العلوم والبحث والتطوير العلمي عبر القرن العشرين، ولكن حركة الأفكار تراجعت، واختفى الفلاسفة الكبار. ودالة غياب الفلسفة تاريخيا، هو غياب القيم الاخلاقية. وإذا كان احتجاج كولن ولسن [1931- 2013م] في (سقوط الحضارة) عقب الحرب العالمية الثانية، ومثله جان بول سارتر [1905- 1980م]، فإن عصر ما بعد الخمسينات/ [Post War Age] شهد النزع الأخير للاخلاق،، لتضمحل وتغيب تماما مع مدخل الألفية الثالثة.
فلسفة بلا دين ، افضل من دين بلا أخلاق!. هل يكفي هذا الإيجاز؟..
ولكن ما هو الدين، ما هو الإنسان، ما هي الحياة.. بغير قيم خلقية سامية؟؟!.
*
لقد جاءت أفكار لوك لرفع مفهوم وقيمية الإنسان والدولة. وكانت الثورة الفرنسية الخطوة العملية الجبارة لنقل البشرية وتحرير الأرض والإنسان من سلطة الملكية والاقطاع. وجعل لينين شعاره: [الحرية، الأرض والسلام]. ونجحت جمهورية فايمار في مداواة جراح هزيمة الحرب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالاعتماد على الإمكانات الذاتية، ورفعت مستوى الأداء الاقتصادي بشكل غير مسبوق. وكان للتجربة الصينية الشيوعية الجمع بين الإرث التاريخي لحضارة الصين التاريخية وقيم العصر الحية، ومازالت الصين تقدم تجربة اجتماعية اقتصادية سياسية لا مثيل لها، في مواجهة الصراعات والتحديات الدولية.
القاسم المشترك لكل تلك التجارب السياسية والفكرية هو اعتمادها التام على نفسها وقدراتها الذاتية، وعدم نقل أزماتها وعقدها نحو الخارج أو الجيران، و(البحث عن عدو جديد)، أو الاستدلال الى بلد ضعيف وجعله مفرغة للتوترات الداخلية وابتزاز ثرواته عبر الغزو كما حصل مع العراق، وعموم جمهوريات الربيع الأمريكي لاحقا.
لقد كان للقرن العشرين- قرن ظهور الدول ومؤسسات الحكم الحديثة- أثره في هيمنة الخطاب السياسي على صوت العقل والفلسفة. أما الظاهرة الثانية فقد كانت بريطانيا الفكتورية وتطبيقات الكومنويلث، لجمع ثمار المستعمرات والمحميات البريطانية في سلة الملكة الكبيرة. فالصغار يجمعون للكبير، وليس العكس كما في حالة الاتحاد الأوربي (يناير 1958م)*.
ان تجربة الفكر السياسي للدولة البريطانية مختلفة كل الاختلاف عن التجارب الاوربية قديما وحديثا. ينطبق عليها المثل الشرقي المعروف، (مصائب قوم عند قوم مكاسب!).
ان انجلتره ومن بعدها الولايات المتحدة – ربيبتها وصورتها المتطرفة- تحتاج دائما لمنطقة أزمة. وسوف تتدخل وتتقرب من بلد/ اقليم الأزمة في صورة – فاعل خير- ثم تتحول على طاولة المفاوضات الى طرف رئيس له حصة رئيسة في تقسيم الغنائم والاتفاقيات السياسية والاقتصادية.
وعندما تنعدم الأزمة أو منطقة الأزمة، فلابد من اختلاق أزمة داخلية في بلد ما، أو بين بلدين، وتهيئة الأجواء لتدخل الوسيط الدولي، انجلتره وأميركا. وكل ما حصل ويحصل اليوم في العالم والشرق الأوسط هو أزمات مصطنعة يتم استغلالها لتفريغ احتقانات الغرب الاقتصادية والسياسية.
تضخم ظاهرة الدولة العسكرية – ثم البوليسية-، وهيمنة الخطاب السياسي من القرن الماضي، خرج بحركة العقل العلمي والأخلاقي عن مساره لخدمة الايديولوجيات السياسية والكولونيالية. مما دفع بالعلاقات الدولية للتحول جهة الاصطراع والاستفزاز ولوي الذراع بدل التعاون والتفاهم الدولي المثبتة في اللائحة الاساسية المهملة من أسفار الهيئات الأممية.
وكانت تلك المقدمة لتقدم الفكر السياسي العالمي نحو فكرة القوة والسوبر بور التي ابتدعتها الولايات المتحدة عام 1945م، وجمعت لأجلها أحلافا شيطانية دولية بلغت (77) دولة معادية للفكر الاشتراكي ولوائح عدم الانحياز.
فكرة السوبر باور (القوة العظمى) قسمت العالم الى خندقين متصارعين، يهددان بتحويل الكرة الأرضية الى كرة من نار في طرفة عين. وبعد انحلال الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، انتقلت السياسة الأمريكية لتجييش عدو جديد. وأذكر منذ بداية التسعينات، كانت ندوات متصلة تعقد في المدن والعواصم الأوربية حول الجمهوريات الخمس في الاتحاد السوفيتي، ومستقبل الإسلام السياسي في الجمهوريات الروسية الإسلامية، ودور نفط الجمهوريات الإسلامية في نزاعات المستقبل ودعم جهود السلام.. وغيره من ألاعيب وحيل السياسات الغربية.. كنت يومها في جمهورية النمسا. بينما سلسلة الحروب اليوغسلافية تبذل وسعها وتتعاقب مثل مسلسلات هوليود التي لا تنتهي. والإسلام أحد تخريجات الحرب اليوغسلافية المبكرة، بكل ما شهده وترتب عليه من تأجيج الاحتقانات بين المسلمين والمسيحيين، وتهييج مشاعر المسلمين في العالم ضد سلوبودان ميلوسوفيتش [1941- 2006م] رئيس جمهورية الصرب، وذلك كونه مناوئا لتفكك الاتحاد اليوغسلافي والسياسة الامريكية في المنطقة والعالم. ولا أدري لماذا يسمح المسلمون للولايات المتحدة ان تستخدمهم ورقة وأداة لمكافحة أعدائها.
*
لابد من التذكير – ضمن السياق- بالفردوس الأمريكي الذي انتشرت اعلاناته بشكل غير مسبوق. الأرض الجديدة، أرض كنعان الموعودة، أرض الذهب، دولة البيض، العالم الجديد، العالم الحر، العالم المتقدم، الحوار والتعاون والسلام، الدمقراطية الامريكية.. ألخ. وهاته الأخيرة هي ما وصلنا مع مشاريع روجرز وكيسنجر للسلام في الشرق الأوسط، وصولا لورقة الاصلاحات السياسية، كما تجلت في سياسات الخصخصة واستضعاف دور الدولة واختزالها لمؤسسة بوليسية، وصولا للعولمة وهيمنة صندوق الدولي لتأكيد تبعية دول العالم الثالث للاقتصاد والسياسة الامريكية.
عالم اليوم، في امتداد لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، منقسم في خندقين، عالم أمريكي، وعالم مضاد لأمريكا، وكما اعلنه بوش الصغير، محور الخير ومحور الشر، ومن ليس معنا فهو ضدّنا. في تزوير وقلب وتحريف لمقولة المسيح: من ليس ضدنا فهو يعمل معنا- (مرقس 9: 40).
وضمن تخريجات دمقراطية العولمة الأمريكية، اعتبر المجتمع الأمريكي نموذجا للالفية الجديدة، وجرى استنساخه في غير مجتمع من العالم الثالث. وبينما كان المال هو الغاية المقدسة للامريكي الكاوبوي وأحفاده المعاصرين، جرى تطوير العنف الديني السياسي وتدعيم جذوره وقواعده وهياكله ومؤسساته وتمريرها عبر بوابات العولمة وثورة الاتصالات بما فيها خدمات التواصل الاجتماعي المسخرة للعنف والارهاب الوهابي السلفي، وسيلة تستخدمها الولايات المتحدة لضرب أعدائها في العالم أجمع من جهة، والعمل على ضرب الجماعات والبلدان الإسلامية ببعضها، لكي لا تنمو الى درجة من الوحدة والتماسك، تتحدى بها واشنطن، كما حصل مع صدام حسين [1937- 206م] وبن لادن [1957- 2011م].
الشخصية العربية والمسلمة لا يستبد بها المال، كما لدى الغرب، كما تستبد بها الغيبيات ومظاهر التقوى الدينية والقيم البدوية، وبلوغ سدرة المنتهى. فالعنف الديني تحت راية (الشريعة) والمدعوم من السياسة الدولية، انما هو نتيجة نفسية اجتماعية للتردي القومي والسياسي والاقتصادي التي تشابهت فيها أمم ودول الإسلام في العالم.
فكما ان الذرى الحضارية والعلمية تنعكس اجتماعيا ونفسيا في ارتفاع معدلات الامل والتفاءل والطموح والسعي للمكاسب والمنجزات العلمية والثقافية، على العكس منها تنعكس حالات التخلف والانحطاط في اشاعة اليأس والخمول والقنوط وقتل الإبداع والرغبة في التغيير.
وعلى العالم العربي والإسلامي والعالم اجمع الاعتراف والاعتبار بارتفاع نسبة الاحباط واليأس والتشاؤم من الحياة في مجتمعاتها. لابد للمؤسسات المدنية في بلداننا استحداث برامج اجتماعية ونعلمية وثقافية تحفيزية وتشجيعية، لتسهيل سبل الحياة وفرص المعيشة، واستحثاث ارادة الإبداع والابتكار والتفكير في صفوف الناشئة والشباب المسلم.
لابد من وضع حد للتغرير بهم وتعطيل طاقاتهم ومطامحهم لنزع احتمالات التمرد السياسي والخروج عن بيت الطاعة الحاكم، مستخدمين الدين عموما، والإسلام خاصة، أسوأ استخدام لترسيخ العبودية والتدجين ومسح المخّ وهدر طاقات الإبداع والبحث. من الغريب، ان يتحول الدين الى دين للموت، يركز تفكيره ومواعظه على تفاهة الدنيا، وتزيين عالم الملكوت والجنات، مسخرين مزيدا من الوقود البشري لمحارق الصراعات والعنف الدموي المنتشر في الشرق والغرب.
ان عسكرة مفاهيم الإسلام، وتحويل الشباب المسلم الى جيش ديني أعمى يحارب ضد العالم وضد كل شيء، بغير تحديد مواقع أقدامه واستبصار مستقبله، انما مؤامرة ضد الإنسان عموما والمجتمع البشري، وضد المجتمعات العربية والمسلمة وبلدان العالم الثالث، لاخراجها من مضمار الحضارة والمدنية، وركنها في زوايا التخلف والهمجية والعداء للحياة والإنسان.
لم يعد من الصعب على أية جهة سياسية أو حقوقية اليوم التقدم بمشروع اتهامي عالمي ضد الإسلام دينا وإنسانا، باعتباره عدوا للإنسانية والحضارة، وذلك بدعم دولي محدود. ان البلدان والمجتمعات المسلمة، شيوخ الفتاوي والجنود الجهاديين، ليس لهم جواب أو تبرير لما حدث وكيف ولماذا. ولن يجدوا في أنفسهم أو الأطر الدينية والسياسية المحيطة بهم من يتحمل مسؤولية الانحراف الخطير والعداء للإنسانية الزالق فيه المسلم الجديد. وإذا كان الامريكان وراء اللعبة عموما، وتيسير التسهيلات الدولية المالية والجيوبوليتية للارهاب والعنف المسلم؛ فهؤلاء أنفسهم، سوف يعودون لوقف الدعم وإعادة تفعيل الاطر القانونية والسياسية ومواثيق حقوق الإنسان والحيوان والطبيعة، لتجريم مرحلة تاريخية كاملة من العنف الإسلامي، كما حصل مع الحقبة النازية أو نظام البعث العراقي.
الولايات المتحدة الأميركية حسب طروحات بريجنسكي: "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ."- (مت 7: 6).
لقد انتهت القومية العربية الناصرية والبعثية لغير ردة، وانتهت الوطنية البلدانية بالتدريج، سيما في محيط الوجود الاسرائيلي، ولم يبق من عنصر قوة أو شوكة في مجتمعات الشرق الأوسط غير شوكة الإسلام، وقد وقعت هاته في مستنقع الجريمة والوحشية ومعاداة الإنسان والحياة، ومن العسير على تاريخ الإسلام المقبل التحرر أو التخلص من لوثة الحاضر. ولن يمرَّ الأمر بسلام وقصاص، حتى يقول المسلم "يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا"!- (مريم 18)، "إِنَّآ أَنذَرْنَٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَابا"- (النبأ - 40).
خيط الرجاء الوحيد للنفاذ من انقلاب اللعبة الأميركية والدولية، هو الانتباذ ركنا قصيا، هو الخلاص الفردي، وعدم بيع الذات لزبانية الجن وكرنفالات الموت المجانية.
*
لقد انحدرت فكرة الفردوس عبر حركة الزمن، من الفردوس الطبيعي، الى الفردوس الفكري الفلسفي، الى الفردوس السياسي ثم الفردوس التكنولوجي، وصولا/ عودا للفردوس الطوباوي الديني المحيل على الغيب.
لقد تركنا عالم الأفكار والأنوار وراءنا. نحن اليوم في ردة الفكر والوعي، أو سقطة الفكر والوعي والاخلاق. والبديل الممكن أو المتبقي، انما هو فردوس الطبيعة وانتباذ المنظومة التربوية الدينسياسية الراهنة، للمحافظة على النقاء والصفاء ونبذ الأطماع والماديات والحسيات، من أجل حياة نقية نزيهة زاهدة، تعيد صفو الحياة لمجاريها الأولى. وهذا هو الفردوس الذي لا يحتاج الى مال وأحزاب وجيوش، ولكنه يحتاج الى مقدرة على التضحية والتنازل وانتباذ العالم.
· ثمة روايات أخرى عن أصل تسمية (انجلاند)، ذات تأويل لغوي ديني، أحدها أن الجرمان عندما اقتربوا من سواحل الجزيرة المقابلة لهم، وصفوها [Angle’s Land] ثم دمجت اللفظتان وتركبت منها كلمة واحدة [Angleland= England]. وثمة رواية أخرى تعود لايام الامبراطورية الرومانية، حين مثل شخصان من الجزيرة أمام بابا روما وسأل عنهما، فقيل له انهما فلان وفلان، فقال ما معناه: [No, they’re angles]. ومنها تحور اللفظ وتحول إلى تسمية للبلاد.
· سميت باسم الفابية نسبة للجنرال الروماني فابيوس كونكتاتور [275- 203 ق. م.]، وقد أسسها الزوجان سدني ويب [1859- 1947م] وزوجته بياترس/ (الليدي باسفيلد) [1858- 1943م] من اساتذة علم الاجتماع الاشتراكي. ومن ابرز رموزها الكاتب المسرحي والفيلسوف جورج بيرناردشو [1856- 1950م] وغراهام والاس [!]. اختلفوا عن الماركسيين باسلوب (الحكمة والموعظة) ونبذ الخطاب السياسي والمضمون العنفي. في عام (1920م) تحالف الفابيون مع حزب العمال، وفي عام 1945م عقب الحرب اكتسح حزب العمال الانتخابات ضد حزب ونستون تشرشل [1874- 1965م] بطل الحرب، رافعين شعار [العمال ابطال السلام]. وقد اسسوا (دولة الرعاية) ووضعوا (ميزانية إنسانية.. على اساس الايدي العاملة وليس رأس المال) ووضعوا نظاما للتأمين الشامل، وصرف الحليب لكل أسرة، حيث تجده كل صباح امام الباب. وقدموا تجربة فريدة عن ان الدولة مؤسسة للرعاية، وليس للقهر والاستغلال والاستبداد.
· فيلكس نادار [1720- 1810م] صحفي، رسام كاريكتوري، مصور فوتوغرافي ومخترع له مساهمات في اكثر من مجال. كان له دور بارز في تجارب المنطاد الاولى وبغير كلل أو يأس. وقد قدم له نابليون مبلغ خمسين الف فرنك لانجاز احد تجاربه.
· يفترض اعتبار تجربة الاتحاد الأوربي ضمن مشاريع الإنسان الرائدة لبناء فردوس أرضي يقوم على مبادئ وقواعد فكرية وتنظيمية واخلاقية راسخة لتحقيق مجتمع الرفاه والرقي الإنساني، ويبلغ اعضاؤه اليوم ثمانية وعشرين بلدا، بتحدثون اربعا وعشرين لغة، ويتكونون من اعراق وثقافات متباينة، ولكنها يتداولون عملة واحدة ونظاما تجاريا دفاعيا أمنيا موحدا. ومن المقرر ان يشمل كل القارة الاوربية، يحتل الاتحاد المرتبة الثالثة عالميا من حيث تعداد السكان. وقد حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2012م لدوره في دعم السلم العالمي وحل الازمات الدولية.