في رثاء الوقت!

وديع العبيدي قرأها 1,132

في رثاء الوقت! 

(.. ثم يأتي الآخرون!)

لماذا الوقت؟.. وليس الزمن؟!

هل يمكن رثاء الزمن؟!!..

حتى الآن.. اليوم واللحظة.. لا يعرف أكثرية البشر أن كل ما يجري هو مجرد كلام.. وأن العالم الحقيقي للتغيرات هو عالم اللغة!. وقد يكون من الصعب إقناعُ الناس واقتناعُهم بالأمر، وهذا هو ما يدعى بالجهل المركَّب.

فالإنسان لديه عقل، وهذا تنصُّ عليه مواثيق حقوق الإنسان. ولكن نسبة قليلة من البشر تستخدم عقولها حقا.

والمقصود طبعا ليس التفكير الحيواني المتعلق بالطعام وإشباع الغريزة، وأفكار الحقد والحسد والانتقام والتملُّق، ولكن الأفكار الإنسانية والمعنية بالتطلع والتطور.

الإنسان الذي لا يفكر هو (إنسان) – بحسب مواثيق حقوق الإنسان، ولكنه إنسان جاهل!.

من اجل تعليم الجهلاء وتثقيفهم وُضعتْ أساليبُ التعليم والإعلام ومصادر الثقافة والعلوم والفنون. وسواء في مؤسسات التعليم والحلقات الاجتماعية والعلاقات الشخصية، تجد رفضا من الشخص الجاهل على قبول التعليم او الأفكار الجديدة، بل يتعصّب بعضُهم لأفكاره التقليدية والأسطورية ويتّهمك بما شاء، فهذا هو الجاهل المركب. الجاهل مضروبا في رقم (أس) كذا بلغة الرياضيات.

إذن!.. البشرية لا تعيش جميعها في نفس المكان، أو نفس العالم الواحد، كما تشدّق الرومانسيون ذات يوم!

البعض يعيش في عالم الخرافة، والبعض في عالم الغيبيات، والبعض في عالم السياسة، أو عالم المال والمضاربات، والأدباء يعيشون في عالم الشعر أو اللغة، والبعض يعيشون في عالم العلم والبحث بحسب تخصُّصاتهم. الأطفال يعيشون في عوالم طفولتهم، والنساء في عوالمهن بحسب أمزجتهن، وثمّة ما لا نهاية من العوالم، التي يتستقطب كل منها أعدادا من البشر.

والآن، هل أنت تعيش في نفس عالمي، أم لديك عالمُك الخاص؟! وهل توجد نوافذُ ومعابرُ ومناطقُ ترانسيت بين العوالم. لهذا، يمكن أن نلتقي بيسر، أو نختلف بمبدئية.

لكن العالم الأكبر والأشمل الذي يجمع عوالم البشر، هو عالم اللغة. فميزة البشر هي الكلام. واللغة فندق بعدة طوابق وأجنحة وردهات وممرات.. ألخ.

ومن منظور اللغة- للتأكيد- نحن نتكلم عن الوقت، ونميز الوقت عن الزمن، باللغة أيضا.

لقد كان البشر أقرب الى بعضهم قبل اكتشاف اللغة. وكان العالم أكثر إنسانية، من غير لغة طبعا.

فالمكتشفات، ومنها اللغة، تعمل بعكس وظائفها ومقاصدها!.

اللغة تباعدُ وتفرِّقُ ولا تقرِّبُ ولا تجمع، وكذلك هو الدين والقومية وكذلك هو الحب وما شاكل.

ما علاقة الوقت بالتغيير؟.. هل الإنسان يتغيّر ويؤثّر على ما حواليه، أم الوقت يتغير ويغير الإنسان؟..

في الماضي، أي كل ما هو سابق لنصف القرن الأخير، لم يكن يمر يوم، بغير سؤال عن الوقت!.

ان لم تسأل أنت، فثمّة من يسألك سحابة اليوم، في البيت أو الشارع أو مكان العمل أو المقهى: كم هو الوقت من فضلك؟.. هل تعرف الوقت؟.. متأسف، ليست معي ساعة، لا أعرف الوقت!.. أين اختفى هذا السؤال، وأين توارت الحميمية التي وراءه!.  

اهتمام الإنسان بالوقت قديم. يقول المؤرّخون ان اكتشاف الإنسان للزمن يعود الى عهود سحيقة، أي تتجاوز الأربعة آلاف عام. وأول من اهتم بالوقت وتحديده كان الرعاة والصيادون. أمّا أقدم انواع الساعات وتطورها فقد اعتمدت في البدء على الطبيعة نفسها، ولاسيما الشمس. الساعات الشمسية، المائية، الرملية، والزئبقية اخيرا.

وفي القرون الوسطى اخترعت الساعات الميكانيكية في القرن الرابع عشر، ساعات الزنبرك في القرن السادس عشر وساعات البندول في القرن السابع عشر، وصولا الى ساعة البلورات المتذبذبة والساعات الذرية في القرن العشرين.

يرجع الفضل في قراءة الوقت الى اكتشاف الجذر الستيني في علم الأرقام، وإليه يستند تقسيم الساعة واليوم والعام. وما يزال الأمر كذلك حتى اليوم.

لكن الساعة كجهاز أو آلة يدوية اختفت من التداول والاهتمام، مع انتشار الاجهزة الكهربية والالكترونية الحديثة. فالفيديو والطباخ والكمبيوتر والهواتف الخلوية الشائعة الآن تتضمّن معظم المعلومات الأولية حول الوقت والجو والأخبار العامة على مدار الساعة والثانية.

كانت الساعة جزأً مهمّا من اكسسوارات الشخصية وموضع التمايز والتنابز، ساعة الحائط أو المنضدة أو الجيب أو اليد، باليمين أو اليسار، نسائية او رجالية، للأطفال او البالغين، بندولية/ رقاص او رقمية.  وفي بيوت الأغنياء والمثقفين لا بد من ساعة حائطية  كبيرة في حجرة الجلوس.

اختفت وتغيرت أشياء كثيرة.

هل الأشياء اختلفت ام الإنسان؟..

من يؤثر ومن يتأثر، بالآخر؟..

 في العرف الشعبي، ان الزمن/ الوقت يتغير. ويفرض على الناس ان يلحقوا به.

واليوم، بعد كل التغيرات والانهيارات التي اكتنفت العالم، والشرق الاوسط – بلداننا- تحديدا، من المسؤول عن التغيرات وكيف حصلت؟..

الله، ام الزمن، ام الإنسان؟..

وفي كل مجال سوف يدخل البعض في مناظرات وفذلكات، يضلّل بها نفسه وغيره، ويدفن الحقيقة بكل قوته. واقع الحال، ان الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن كل شيء، وفي المقدمة منه، ما يجري له، وما يتعامل به ويتداوله شخصيا.

وكما ان الفكر الديني الأخروي يروّج لفكرة الحساب وتقديم كل فرد حسابا عن نفسه يوم القيامة؛ فالإنسان هو ايضا مسؤول عن أعماله ونتائجها، بوعي أو بغيره، بقصده أو بغيره، بإرادته أو بغيرها. ولا يوجد شيء يجرّده أو ينقذه من مسؤولية ونتائج ممارساته، مهما كان.  وكما ان القانون البشري والدساتير في أصولها الفقهية تجعل كل امرئ مسؤولا، ولا تنتقل المسؤولية لآخر، فكذلك هو دائما، وهذا هو الاصل.

انت مسؤول ايها الإنسان!.. وبلاش دموع تماسيح!

هل يتجرد اهل العراق مما حصل للعراق؟  أم يتجرّد أهل سوريا مما جرى ويجري لبلدهم، وكذلك الأمر لكل بلد، من البلدان، خيرا أو شرّا. هذا هو القانون الأصلي للطبيعة وللوجود.

هل يتجرّد سكان جزيرة العرب من تبعات ما يجري باسم الإسلام، وما جرى عبر التاريخ؟.. حلم!.. أم هل يتجرّد الايرانيون من دورهم بالمقابل الشيعي والصراعات الدينية عبر التاريخ، وما يجري اليوم من منافسة بينها وبين أخواتها للهيمنة على المنطقة باسم الدين؟.. هل تركيا لها رداء الحَمَل البريء أم مصر أو أي بلد آخر، متورّط في اللعبة!..

في القصة التوراتية، عندما سئل آدم عن فعله، نقل المسؤولية الى حواء. وحين سُئِلت حواء نَقلت المسؤولية إلى الأفعى.

عندما تسأل الطفل الصغير عن فعله، فهو يتّهم مباشرة شخصا آخر، أو يتنكّر للأمر بكل سهولة، وتتساءل، من أين تعلم ابنك الكذب والافتراء. هذا الأمر لا يرتبط بالشر منطقيا، وانما بالذكاء والعمل من أجل البقاء الذي هو غريزة كل مخلوق. عندما تريد قتل ذبابة تزعجك، وتصدر صوتا كريها، فهي تهرب منك، وتعود تهاجمك من الخلف.

القرد يتمتع بذكاء غير عادي، ولكنه باتجاه الخبث يتذاكي من أجل إشباع حاجاته أو تسلية نفسه بالسخرية من الغير.

فالذكاء ليس له أخلاق، أو صفة. بعبارة أخرى، ان الأخلاق، اختراع بشري متأخِّر، ولم يكن موجودا في البدء. لا يوجد حَسَنٌ أو سَيِّءٌ، طيّبٌ أو مُرٌّ، مفيدٌ أو ضارّ، في أصله.  بالنتيجة كل الأشياء نسبية، ايضا في الأخلاق والقواعد الاجتماعية.

التدخين يزعجك، ولكن غيرك يتلذّذ به. والشراب المرّ مكروه، وهناك من يحبذه.

السكّر ليس طيبا للجميع. والظلام ليس مكروها للجميع، على الاطلاق، حتى الألم ليس منفّرا للجميع، وثمّة من يتلذّذ به. الطبيعة ليس لها أخلاق، والأخلاق ليس فيها تجريد.

اللامبالاة، هو عدم اعتراف الفرد بمسؤوليته. وبرواج اللامبالاة – كما هو ديدن الجيل الجديد وناشئة اليوم- ينتشر السوء، وتنعدم الروادع.

لو حمل كل جائع سيفا وخرج من داره، لما بقي جائع في الأرض، فالأغنياء سيكفون عن نهب الضعفاء واكتناز الأموال. ولو عوقب المسيء في مكانه ولحظته، لم تروّج الإساءة وتطفيف الميزان وسبل الابتزاز والتحايل والاستغلال وتعويج المستقيم كما اليوم.

في العراق جرى تطبيق عقوبات وغرامات عالية بحق مخالفي أنظمة الشوارع والمرور في سبعينيات القرن العشرين. وكان العراق من أفضل بلدان المنطقة في قوانين المرور والالتزام بالإشارات الضوئية والعبور من خطوط العبور. وفي العقد التالي تم تطبيق قانون مراقبة الاسعار (مادة سبعة تجارة)، وكانت عقوبة قاسية وتاريخية. لكن أي بائع دكان لم يجرؤ على مخالفة تسعيرة الحكومة حتى في أبسط مادة.

هكذا تتمٌّ تربية الشعوب، وتهذيب طبائعها البدائية، وليس بدمقراطية التسيب وفلتان الحريات التي لا يستفيد منها غير اللصوص والقتلة والمفسدين. والأمثلة شائعة.

الحرية المنفلتة والتمادي في حقوق الإنسان، والمفروضة فرضاً من قبل السياسات الامريكية على بلدان أوربا في العقود الأخيرة، حولتها إلى مستنقع للفوضى والرداءة والأوساخ والعنف اليومي. وكل المقيمين في الغرب يعترفون مبلغَ تردّي الأوضاع من عام لعام، ومن عقد لعقد. وأن أوروبا بدأت تتردّى منذ أواسط الثمانينيات، بدء بمشروع حرب النجوم بقيادة ممثل هوليود الفاشل دونالد ريغان وصديقته التاتشرية.

لماذا تغير الوقت.. كيف تغير الزمن.. من أطلق التنين النائم منذ عصور ليسود الناس.. من جعل الأبيض أسود والأسود أبيض. من.. من.. أنا وأنت يا عزيزي، الاعتراف بداية الحل!.

انت قلت انه ريغان، والسياسة الأمريكية المندلقة بعد خيانة ميخائيل غورباتشوف، ووو..

نعم أنا أقول.. ولكن ماذا كان دورك أنت في الاستجابة والاحتجاج؟..

من أجبرك على ارتداء ما ترتدي من ثياب وانت إنسان حر. ومن جعلك تتزوج الهاتف الخلوي وتنام في حضنه وانت إنسان حر. لماذا نرفض بكل قسوة، وننصاع بكل قسوة، ونحن أحرار.

عفوا. طبعا أنا لا أتهمك، وتستطيع أن تعترف للملأ أنك لست حرا، وتتباهى وتدافع عن عبوديتك حتى نهاية اليقين.

لكن هذا لا يعفيك من المسؤولية. وعندما يكون العالم فاسدا، والوقت سيئا، هذا يعنى أنك مسؤول.

الشيوعيون الذين بنوا جماهيريتهم ومصداقيتهم برفع شعارات مناهضة للامبريالية والاستعمار والرجعية، هم أكبر حلفاء الرجعية المحلية والامبريالية العالمية.

الاسلاميون الذي لم يكن لهم صوت، وكانوا يندّدون بتسييس الدين، يسيطرون على الحياة الحزبية والسياسية باسم الدين، والتسابق أو اللهاث للسلطة والنهب الحلال [نهب الدولة حلال!- كما جرى في عراقستان].

وأكثر الناس مصنفون بحسب خنادق: حزبية، دينية، طائفية، جغرافية، ولاءات أجنبية وفكرية، معلنة أو تقية. ولكنك تبقى مسؤولا أمام ضميرك، حتى يصحو.  وان لم يحدث يبقى ضمير التاريخ.

هل انتهى عصر الإنسان الإنسان؟.. الإنسان النوعي المسؤول والسالك بالضمير والوعي والارادة.

اين الإنسان الذي تحدث عنه روسو وكانت وراسل ويسوع المسيح.

بعض الناس يصنف المسيح في خانة الدين الرجعي العبودي، وأنا أضعه في خانة الأحرار الثوريين وأصحاب الثورات الراديكالية. ماركس وجد شجعانا تفهمّوا أفكاره وحوّلوها إلى واقع، ويسوع لم يجد.

تكأكأ عليه الفريسيون ودجّنوا وصاياه بحسب أنظمتهم الإقطاعية المتوارثة..

لماذا لا توجد قرية في طرف الأرض، اجتمع أفرادها المائة أو الألف وأقاموا لأنفسهم نظاما مستقلا لا يكون تابعا لدولة أو لحزب أو لسياسة دولية شرقية أو غربية أو لدين أو لطائفة، ولا يقترض من البنك الدولي أو يفاخذ الناتو، ولا يتداول الانترنت والهواتف الخلوية ولا يشعر بعقدة نقص أن لم يفعل ذلك، أعني إذ يكون حرا شجاعا مستقلا بوعيه وارادته وذاته..

ماذا لو أن دولة جورج أوريل الشيوعي كانت من نمط إنساني مستقل – لا تشاكل أهل العالم- بدلا من رواية (1948) الساخرة من الرأسمالية الامبريالية.   

سؤالي لك يا عزيزي القارئ.. تعال لنغير هذا العالم السيّئ..  ونرفض الذلَّ والتبعية!

ولنبدأ بخطوة واحدة.. أنا وأنت فقط... ثم يأتي الآخرون!