الأم ليست الأصل (غيبة المطرياركية)..

وديع العبيدي قرأها 1,493

المتعارَف في الدراسات التاريخية والفلسفية، اعتبار العائلة أصلا للقبيلة (العائلة، القبيلة، الدولة) كما لدى جورج فيلهلم فردريك هيجل [1770- 1831م]، وكان ذلك أحد دوافع الاعتقاد بأن المجتمعات النسوية (الأموية/ المطرياركية) كانت سابقة للمرحلة الأبوية (البطرياركية) [النظام الأبوي- الجنس عند العرب/ابراهيم الحيدري]. لكن مثل هذا الاعتقاد لا يحمل أية دلالة أو إشارة لمفهوم العائلة الذي نعرفه اليوم.

فالعائلة كعلاقة اجتماعية/ اقتصادية منتظمة بين شخصين [رجل وامرأة] تتأسس على التزامات نفسية أدبية تتمثل في حياة مشتركة وانجاب/ حضانة/ تربية/ تنشئة، وصولا لنشوء حلقة جديدة من عوائل الأبناء والبنات وفق نفس الأسس [المركز والدائرة]، وهكذا دواليك..... مفهوم (العائلة) هذا.. حديث استغرق عشرات القرون من التطور الفكري والمدني، لترسيخه وانتشاره كحالة مثالية لتحقيق التعايش والتعاون والأمن والسلام الاجتماعي. ولا يمكن تصوره أو تجذيره - بسهولة- كما جرى في بعض الكتب الدينية والتاريخية.

مثل هذا المفهوم لا ينسجم مع الحالة العربية – شبه جزيرة العرب- ممثلا في صورة القبيلة، كأساس للنظام الاجتماعي. أعني ان القبيلة - العربية- وخلافا لطروحات هيجل ليست تطورا للعائلة  ولا امتدادا لها، وذلك لسبب رئيس هو مركزية المرأة في العائلة، بينما يعدم دور المرأة في حياة القبيلة العربية وثقافتها. وما زالت المرأة عند العرب تفتقد المكانة اللائقة ومعيار الشراكة، كما هي في الغرب.

ويكاد الأدب العربي [ديوان العرب] يعدم قصيدة في الأم كما وصفها معروف الرصافي [1875- 1945م] والتي قد تكون من أول النصوص في هذا المجال. حتى شعر الغزل العربي يركز على أعضاء المرأة الجنسية أكثر من اهتمامه بإنسانيتها، واعتبارها كيانا نظيرا أو ندّا صديقا. ويلحظ اليوم انتشار حالات نفسية لدى الرجال تتمثل في [الحنين للأم]، أو التصاق الأبناء بشخصية الأم أكثر من الأب في التنشئة الحديثة، وهو من خصائص المجتمعات المدنية الشمالية والغربية، ولا صلة له بالثقافة القبلية القائمة على مركزية الأب ونَسَبه وإرثه [تعلق الأبناء بالأب في المجتمعات الأبوية].

العرب في شبه جزيرتهم الصحراوية يختلفون عن أهل الشمال [العراق والشام ومصر] كما يختلفون عن الايرانيين وراء الخليج والأمازيغ وراء البحر الأحمر. حيث تحتل المرأة –الأم تحديدا - مكانة متميزة، كانت تصل إلى درجات القداسة في المأثور المصري القديم، وهي صاحبة الأمر ومركز النفوذ لدى الأمازيغ (كنداله) التي تقود شعبها، وهي التي كانت على رأس الجيش التونسي في التصدّي لغزو العرب لتونس. ولا يزال يمكن تلمّس آثار هذه المكانة في المجتمعات الأموية [ايران، مصر، الأمازيغ].  

للأسف لا يوجد وجه مقارنة بين المرأة العربية –بحسب الثقافة القبلية الصحراوية-، والمرأة في أي مكان من ثقافات الجوار، - ومنه اليمن السعيد-. فالحضارات اليمنية القديمة، امتدادا لأصولها الأفريقية والشمالية حفظت مكانة المرأة ورفعتها فوق مكانة الرجل اجتماعيا ومعنويا، ولعلّ المرأة اليمنية القديمة، هي الوحيدة إلى جانب الأمازيغ، كانت على رأس مجتمعها السياسي، رغم أن من يقرأ تواريخ سبأ وقصة بلقيس لا يتوقف لدى هذه الحيثية تماما. علما أن (سبأ "شبا") هو اسم امرأة حكمت اليمن، وإليها انتسب اسم البلاد التي توالى على حكمها سلسلة من نساء القبيلة بدلا من رجالها، مثل (أسمى، أروى).

هناك مفارقة تاريخية اجتماعية بين الامتداد اليمني إلى الشام، على طول خط القوافل القديم [حضرموت- صنعاء- تبوك- دمشق]، لتشهد ظهور شخصية زنوبيا الغسانية اليمنية التي حاربت جيش الروم ووسّعت مملكة تدمر لتشمل بلاد الأناضول والشام جنوبا حتى سيناء. ولكن زنوبيا وأهل تدمر والغساسنة وكثيرين ليسوا من العرب، ومن الجنايات التاريخية القاتلة خلط المستشرقين وتلاميذهم المؤرخين العرب وكتاب التعريب القومي، بين حقيقة الأصول اليمنية وهويتها التاريخية والثقافية الناصعة الوضوح، وبين الأعراب البدو/ سكان وسط الجزيرة وهويتهم الثقافية المعروفة جيدا؛ دون وقفة علمية مقارنة عند الأصول والعادات والثقافات الاجتماعية المميزة بين أولئك.

وفيما اهتم الباحثون بالدراسات اللغوية وتوقفوا لدى قواميس كلّ جماعة وأقلية، ودراسة أنظمة النطق لديها ومخارج الأحرف، وأصول بدايات الكلام ونهاياته، مما اندرج في كتب ومصنّفات؛ عَدِمَ البحثُ الاجتماعي في حياة الجماعات البشرية تلك، رغم أن العادات ومظاهر السلوك أكثر وضوحا وأهمية في علم الاجتماع من المظاهر اللغوية المكتسبة، في التعامل بين الناس.

وأبرز تلك الظواهر الاجتماعية هو مكانة المرأة في القبيلة/ المجتمع.

النظرة العربية القبلية للمرأة لا تنطلق من قيمتها "الذاتية" ككائن انساني (نظير) الرجل، وانما يتم النظر إليها من قيمتها "الاستعمالية" باعتبارها (سلعة). فالسلعة ليس لها أهمية في ذاتها، وانما قيمتها تكمن في مدى صلاحيتها للعمل، والفوائد المترتبة على استخدامها (الوظائف).

ثمة كتب تؤكد الوظائفية السلعية (الجنسية) لجسد المرأة، ويحدّد صلاحيتها ونفاذها بمدة (خمسة عشر) عاما [فئة 15- 30، فئة 30- 45]. بينما يحدد نشاط الرجل بمعدل يزيد عن (60 عاما). بقمسة الرقم (ستين) على (خمسة عشرة) يكون الناتج الرقم (أربعة) [60 ÷ 15= 4]، وهو التشريع الفقهي لعدد الزوجات* المسموح به في الاسلام.

ان جسد المرأة لا يحتفظ بمواصفاته التنافسية خمسة عشر عاما، لذلك يلجأ الرجل لتجربة –امرأة-أخرى، كما تستطيع هي الحصول على تجربة جديدة. ويلحظ عدم وجود زيجات معمِّرة في تاريخ العرب [باستثناء زيجة خديجة بنت خويلد الأسدي من محمد]. ويتم تطليق المرأة بعد توقفها عن الانجاب أو بعد قضاء الحاجة منها.

وبالمقابل لا يوجد استئثار بالمرأة مهما كان جمالها ونسبها، عند العرب.. وفي قصص تزاوج أعداد من الرجال من -امرأة واحدة-، حيث يطلقها الواحد ليتزوجها الآخر [أنواع الزواج عند العرب]. وثمة نساء أفرادا كن أزواجا لجميع الخلفاء الراشدين وبعض الصحابة على التوالي، وذلك لخصائص حسنهن أو تضخم مؤخراتهن، أو مهاراتهن الحرفية في السرير. وهو ما يبرر ظهور فكرة (امهات المؤمنين) ومغزى النص الديني على عدم جواز الدخول فيمن دخل فيهن (الرسول). فكان عمر عائشة بنت ابي بكر التيمي، ما بين [18- 21 عاما] حين ترملت، وعمّرت دون أن يحق لها الزواج، فالتجأت للسياسة والفقه، ولم توفق!.

هذا المبدأ الاستعمالي للمرأة (السلعة) هو المرجعية الفقهية التي تقوم عليها كلّ الثقافة العربية القبلية بشأن المرأة. ولا غرابة بعد ذلك – شخصيا كنت أستغرب حقا- من كثرة تصانيف المسلمين (يجري وصفهم بالعلماء وربما المفكرين) في موضوع [فقه المرأة، فقه النساء، فقه النكاح، المستطاب والمستقبح في أوصاف النساء، غزل النساء] وغيرها مما يدفع مكانة المرأة إلى حضيض التفكير الاجتماعي والديني.

وعلى أساس القيمة الاستعمالية جرى تبرير وتسويغ تعددية الزوجات (في الاسلام) بمرجعية قبلية بدوية واضحة، كتقليد اجتماعي سابق تخذ صفة دينية دائمية. وهناك ثلاثة أوجه لاستعمال المرأة هي [خدمة، متعة، إنجاب] تحدّد أهميتها ومكانتها لدى (السيد) أو الجماعة. ويلحظ عدم ورود صيغة (زواج) في هذه العلاقة، وكذلك اختفاء فقرة/ فكرة [الرضاعة والحضانة] فيما يخص الإنجاب. حيث يجري التعامل مع كلّ جزء كخدمة مستقلة -لقاء أجر-، يمكن أن يتولاها شخص آخر، بقصدية واضحة.

فصل (الإنجاب) عن (الإرضاع) الغاء ضمني لمعنى (الأمومة). يترتّب عليه تدمير مكانة الأم. ليس المكانة الاجتماعية في القبيلة والجماعة، وانما مكانتها النفسية بالنسبة للطفل / الفرد. ومن الخصائص النفسية.. [الحميمية والحنان والدفء والشوق والارتباط الدائم (العِشرة والاستقرار)]، مما يتنافى مع البيئة والقيم البدوية. ان العلاقة بالأم هي أساس العلاقة بالوطن/ الأمة في هذه الحال, والمجتمعات المعروفة بعصبيتها القومية هي مجتمعات أمومية في الغالب [ايران، مصر، ألمانيا].

في أفلام جيمس بوند المشهور بتصيّد النساء، يلحظ أنه يترك المضجع بعد الجماع مباشرة، تحوّطا من اصطياده وهو نائم، أو تكون المرأة - العشيقة- مصيدة له. مثل هذا السلوك الجنسي تعلمه الانجليز/ الفايكنغ من البدو/ العرب، ويصفه الأديب غالب هلسا [1932- 1989م] في واحدة من قصصه [زنوج وبدو وفلاحون]، حيث (يدفر) الرجل المرأة بعد قضاء وطره منها ويبتعد عن فراشها. فالحميمية (العناق والحضن) تتنافى مع أطباع البدو الجنسية المقتصرة على [الايلاج والقذف]، وهي العملية المقصودة في مهنة البغاء. فالبغي تنفصل مباشرة عن الرجل عند القذف، وقد تستعجله ذلك لتنهي مهمتها وتأتي أجرها (النساء: 24). يترتب على هذا العرف استنكار العرب للحب والزراية بأهله. وذلك لتجاوز الحب ميكانيكية (النكاح)، إلى اشباع المشاعر والعواطف المتبادلة، التي تقتضي درجات من الحميمية والالتصاق والتعاشق والتواصل... يصفه أحدهم:

لم يخلق الرحمن أجمل منظرا من عاشقين على فراش واحد

متــلاصقيــــن  بـقبــلة  وبـضمَّـة       متعـــــانقين  بمــرفــق  وبســــاعد

تجدر الاشارة هنا إلى ما يرد عن أهمية (المداعَبة) الجنسية – (!)-، وهي الملاطفة التي تسبق الفعل الجنسي، والتهيئة الحسية التي تحقق الاستثارة اللازمة لتمام الفعل. فالمداعبة هذه تسبق الفعل وأنفع للرجل، من الاحتضان والمعانقة التي تعقب الفعل والألزم لحاجة المرأة وكرامة جسدها.

ان المشاعر الانسانية تقتضي اللمس والعناق عموما، فيما لا تبلغ المرأة درجة الاشباع بغير استمرار العناق والاحتضان الذي يعقب الفعل الجنسي زمنا غير قليل. وتلك هي المفارقة الجنسية بين البدو وسواهم. فالبدوي، يخشى الاقتراب/ الالتصاق من جسد المرأة وعاطفتها الانسانية، فلا تأسره وتتحكم به، وتجعله أسيرا وتابعا لها. بينما تلزمه اليقظة والتربّص الدائم بالآخر.

نقص الاشباع العاطفي والحسي بين الرجل والمرأة البدوية، يدفع كلا منها للبحث عن التعويض والاشباع العاطفي في مكان آخر. وما يزال تبادل العناق والقبل يشكل أساس التحية الرجالية التقليدية عند العرب. 

العلاقة الجنسية العادية بين الجنسين لا وجود لها في العرف القبلي، إذ لا تتجاوز عملية النكاح، وهو (الايلاج/ الدخول) ويلحظ أن لفظ الدخول منصوص في [عقد النكاح] كشرط لتوقيع شرعية الارتباط. بينما العلاقة الجنسية (الحياة الجنسية/ الثقافة الجنسية- بتعبير أوسع) هي أكثر من مجرد ايلاج، لا يتحقق تماما من غير مقدمات اجتماعية ونفسية وحسية معتبَرة، وتعقبه كذلك بما يحقق غاية العلاقة الجنسية والنفسية للطرفين، وليس لأحدهما دون الآخر.

وصف العلاقة بين الجنسين بالجنس [sex] بالتعبير الانجلو أمريكي، (النكاح- عربيا) يتضمن درجة غير قليلة من التسليع والتجريد النفسي، بينما وصف العملية بالحبّ بالتعبير النفسي الفرنسي أو الألماني يرفع قيمة العلاقة والاتصال النفسي والجسدي بين الطرفين. وعندما ترتفع قيمة العلاقة بين أثنين، ففي ذلك تقدير ضمني متبادل في نظرة كلّ منهما للآخر، ترتفع معه النظرة الاجتماعية للانسان بصورة عامة.

فالاتصال الناجح (communication) بين أثنين يشترط أمرين إلى ثلاثة [التكافؤ- المساواة- الاحترام]، وهو ينطبق على العلاقة الجنسية (الحبّية) في كلّ صورها ومستوياتها، ولا بدّ أن يكون قاعدة أساس للعلاقة الزوجية.

ونتيجة تدني النظرة للانثى، فأن الثقافة القبلية العربية/ الجماعة البداوية لا تعرف نظام الزواج، أو أن ثقافة الزواج الحضارية غير مضمّنة في الثقافة العربية. الزواج كنظام اجتماعي واجتماع انساني بين رجل وامرأة يكون قاعدة بنيوية ثابتة وقوية، تحمل معنى الاستقرار والطمأنية لا وجود لها في نظام القبيلة/ البداوة. مفهوم الزواج التوراتي: الرجل يلتصق بزوجته ويصيران جسدا واحدا!- (تك 2: 24) كان بعيدا وغريبا عن ادراك جيرانهم العرب. ولذلك لم تتطور القبيلة العربية الى مجتمع، أو تتبلور فكرة الامة والشعب عند العرب، وهي اشكالية سياسية حتى اليوم. واشكالية فكرية عند الخلط وعدم التمييز بين الدولة والشعب، أو بين الظاهرة السياسية وقاعدتها المجتمعية. أما الأكثر غرابة، فهو عدم استفادة العرب/ البدو من حضارات الجوار ايجابيا عند خروجهم من شبه جزيرتهم، للتفاعل الايجابي والحضاري بما ينفعهم.

قول على قول في هذا المجال، تحتل الشتائم والتعابير الجنسية أسبقية وأهمية لدى تعلم اللغات الجديدة، قبل أي شيء آخر، وهو أمر لا يقتصر حكمه على العرب، وانما على الأوربيين الذين يتعلمون العربية ويرافقون العرب. ولدى تولي بول بريمر الحاكم الأمريكي أمر العراق، أتقن بعض الشتائم باللهجة العراقية التي كان يستخدمها لنهر أعضاء مجلس حكمه. 

وعندما تستند ثقافتنا الجنسية للغة الشجار والخصومة والتحقير، وهي حالات تفرق الناس وتزرع في لا- وعيهم ذكريات مرة وخاوية، سوف تبقى تشكل عائقا في طريق الاتصال بالآخر، ومنه الأنثى. ولا يفوتني الاشارة هنا إلى مخزون اجتماعي متراكم من (النكت والحزازير) التي تظهر في حالة مخالفة، وهي التسلية والفرفشة. فأعضاء الأنثى ومفاهيم الجنس هي أدوات حربية ينال بها كلّ طرف من الآخر، أو هي أدوات استفراغ نفسي واجتماعي لملء وقت الفراغ دون إرهاق الذهن أو الجسد.

والواقع، أن النكتة مهما كانت بريئة، ومنذ البدء، هي سلاح حربي أبيض، قد يخلو من العنف المادي المباشر، ولكنها ليست خلوا من عنف فكري مؤدلج متراكم. فالعنف الفيزياوي قد يكون مؤقتا منقطعا في الزمن، بينما العنف اللفظي والنفسي يترسّخ في اللاوعي والذاكرة حتى الموت. وتعتمد كلّ النكات على وجود طرفين، أحدهما يمثل مركز القوة والذكاء، والآخر يوصف بعكس الأول، بالضعف والغباء. إنها اسطورة التفوق والتخلف الحضاري، وهي تجسيد لعقلية [البقاء للأقوى].

يمكن الخلوص مما سبق لتلخيص واقع المرأة/ الأم في الثقافة القبلية..

-     تسليع المرأة وتصنيفها حسب الوظيفة، ومنها فصل الانجاب عن الإرضاع والحضانة الذي تتولاه امرأة أخرى لقاء أجر.

-     ومع اعدام دور الأم، ينفرد الأب بمرجعية العائلة والقبيلة، وهو أساس النسب.

وكانت أمي تؤكد في طفولتي أن الناس في يوم (الحشر) يُدعَون بأسماءِ أمهاتهم، وليس آبائهم. وحتى محمد يقال له (ابن آمنة)، و (عيسى ابن مريم). وإذا كان الناس يُنسبون إلى أمهاتهم يوم القيامة، فلماذا لا يفعلون ذلك في هذه الدنيا. هل تختلف هذه الأيام بشيء عن القيامة؟!..  

*

 [المرأة والزراعة والاستقرار] ثلاثة مترادفات في التاريخ الاقتصادي القديم. كل من الزراعة وحضانة الأطفال تحتاج الاستقرار البيئي والاستيطان. المرأة هنا هي المرأة الأم، والبيئة هنا هي بيئة زراعية/ صالحة للزراعة. وهذا هو الحال في العراق وايران ومصر وجبال الأطلس الأفريقية.

يلحظ ان العرب/ البدو حالة ذات خصوصية بين الغرب (أفريقيا) والشمال (العراق وايران) والشرق (الهند). حالة بدائية خاصة وسط مجتمعات زراعية مدنية عريقة، ترتكن جنوبي غربي آسيا. مقابل حالة ذات خصوصية مقاربة في أواسط أسيا (المغول)، هي الآخرى تتوسط مدنيات زراعية عريقة [الصين، الهند، أورمية].

لكن الجدير بالملاحظة، في المقارنة بين أولئك، هو خصوصية مكانة المرأة عند المغول، وذلك بناء على دور المرأة الأم في تنشئة الأبناء، وتحتل مكانة اجتماعية مرموقة في المشاركة في مجلس القبيلة واسداء الرأي والمشورة. وترافق النساء والعوائل الحملات العسكرية للمغول، ولا يتركن لوحدهن، وفي الغالب يتولين أمور الطعام والطبابة والعناية بالأسرى. فرغم ان المغول مجتمع أبوي/ بطرياركي يعتزون بالجد الأعلى والقائد الأعلى، لكن مكانة المرأة مرموقة في المجتمع المحلي. وكان (هولاكو) – قائد المغول المرعب في المأـثور العربي- يتلقى تعليمه على أيدي نساء في دائرة الأم، ومنهن من اشتهرن بالعلوم والتقوى. لكن المغول – بحسب المؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي [1889- 1975م]- أكثر رقيا وميلا للتحضر، من البدو العرب في شبه جزيرتهم. 

بالمقابل تحتل المرأة مكانة مميزة في مجتمع الأمازيغ القبلي المترحّل في صحراء أفريقيا الشمالية. فملاحظة مكانة المرأة لدى المغول والأمازيغ، ومقارنتها بوضع المرأة لدى العرب، يزيد من اشكالية فهم وتعليل التناقض بين ذلك، ومغزى مهانة المرأة العربية.

على الصعيد الاجتماعي، فالثلاثة يصنفون تحت عنوان (البداوة والتنقل)، ولكنهم يختلفون في الصعيد الاقتصادي والبيئة الزراعية بدرجات نسبية متفاوتة. الأمازيغ أقل عدوانية ووحشية من المغول والعرب، وأقل ميلا للغزو والنهب. والأمازيغ والمغول أكثر ميلا للتوطّن واحترام المرأة من البدو العرب.  كل هذه المقارنات وغيرها، تدفع بالسؤال عن سبب تردّي العرب في القسوة والخوف من الآخر وازدراء الأنثى.

لقد كانت الأناركية البدوية سبب فشل عدة مشاريع أولى لبناء الدولة في شبه جويرة العرب، بما فيها دول اليمن وكندة. وعمل عمر بن الخطاب على طرد عديد القبائل خارج شبه الجزيرة، وكانت حركات التمرد ومظاهر الأناركية، وراء ميل الحكام والأمراء للقسوة المفرطة لارساء الأمن ومكافحة الاضطرابات، واستمرت تلك الحال العصية على التمدن والتحضر حتى أواخر العهد العثماني ودخول الاستعمار الانجليزي وأغرائهم بالتوطن والاستقرار.

لكن الانجليز عجزوا عن ترويض بدو نجد، والذين استمروا في تجاوزاتهم الدموية ضد الجيران الشماليين، مما دفع الجيش البريطاني لضربهم وملاحقتهم بمختلف الأسلحة الحديثة وطيرانه الحربي خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.

*

الطعام والجنس وعدم الاستقرار- ثلاثة ملامح أساسية في حياة البدو: أساسها طبيعة العلاقة بالمرأة.

فغياب دور المرأة (الحميمة) في الحياة البدوية، ترتب عليه مجمل أعراض البداوة العدائية:

عدم الاستقرار وكراهة التوطن/ شظف العيش وغلظة الطباع/ غياب قاعدة الأمومة والعائلة/ العدائية والخوف والزراية بالآخر.

وقد حاول عبد العزيز ابن سعود [1876- 1953م] توطين البدو وتعليمهم الزراعة والحرف اليدوية في مستوطنات دعيت (الهجر)، التي يعود العمل بها إلى عام (1910م)، لكن استقرارهم لم يغير كثيرا من طباعهم القديمة، ومازالوا يشكلون القاعدة الأوسع للوهابية (الاخوان) التي ضمّنوها نزعاتهم وطباعهم القبلية الغليظة، بصورة لا تختلف كثيرا في مضمونها عن دورهم في صدر الاسلام.

يخضع علم نفس الاجتماع الجنسي عند البدو لمعاملة أو تركيبة معقدة، تتركز حول خشيته من الانجذاب لواحدة، أو الوقوع في أسرهن [ان كيدهن عظيم]- (يوسف: 28). والغريب ان العرف البدوي يجعل (كيد الأنثى) فوق (كيد الشيطان)/ (النساء: 76) وذلك (لأن الشيطان يوسوس مسارقة، وهن يواحهن به)/ محمود شكري الالوسي [1802- 1854م]. ويبدو أن الأديب الفيلسوف توفيق الحكيم [1898- 1987م] مازج هذه الفكرة الاسلامية بموقف الفيلسوف الألماني ارثر شوبنهاور [1788- 1860م] من المرأة لتكوين رؤيته الضدية من المرأة.

دع النســـــــاء  فما لهن وفاء ريح الصبا وعهوددن سواء

وقولهم..

لا تأمنَنَّ على النساء  ولو أخا       ان الوفــــــــاء لدى النســــاء قليــــل

مما يبرر المعاملة غير اللائقة للمرأة، وعدم ائتمانها والركون إليها تحت أي ظرف.

والاسلوب الشائع لمقاومة – كيد- المرأة عند الزواج، هو اردافها بالزواج من ثانية في نفس الوقت [نفس اليوم أو الاسبوع  أو الشهر الأول] وبشكل، يمنع نفس الرجل من الانجذاب لاحداهن. وكلما شعر بضعف/ انجذاب لواحدة، أسرع بالزواج من امرأة جديدة، أجمل منها أو أحدث سنا، أـو أرفع مقاما.

الخوف الشخصي، عاهة ملازمة في شخصية البدوي، وعقدة مركبة داخل عقليته القلقة. الخوف من الآخر، الغريب والصديق، والمرأة الملازمة له. خوف على صعيد الجسد، على صعيد النفس، خوف عقلي من المعرفة، خوف من أحابيل ومكائد العاطفة.

الرجل البدوي ينفق اهتماماته وعواطفه في الغزوات وحملات الصيد وترويض الحيوانات. فالفرس والجمل وبعض الطيور أثمن وأقرب لنفسه من الأنثى، [زوجة، بنت، اخت]. الظاهرة الأخرى في علم نفس البداوة الجنسية هو عدم احتفاظ الرجل بالمرأة في عهدته لمدة طويلة، وذلك من خلال الطلاق، المبادلة، تعدد الزوجات والإماء والعبيد. والبدوي يطلّق امرأته لأيما سبب وبغيره أيضا. وفي كتب التراث، من ذلك ما يغني المقام. رجل يسمع امرأته تردِّد بيتا شعريا يتعرض لشخص ما، فيطلقها بشبهة العشيق؛ وحالة أخرى، يسمع أحدا ما يمتدح زوجته، فيطلقها أو يهبها له. وكل امرأة تطلب الطلاق تحصل عليه مباشرة، خشية (كيدهن). فالخوف من عار (الفضيحة) يضاعف حساسية الرجل تجاه المرأة ويجعل وجودها مهزوزا مؤقتا في حياته ومنزله.

طلب الرجل للمرأة يكون لأسباب حرجة ومؤقتة، غير استراتيجية، يطلبها لنزوة، للحصول على الولد، وسيلة للمصلحة، أو المصالحة خلال الخلافات، فتكون المرأة أداة الصلح حتى تعبر غيوم الخلاف.

وفي مثل هذا اليوم، يتعدد الأولاد في العائلة البدوية، في حضانة زوجة الأب الجديدة، بعد أن فقدوا أمهاتهم في سن مبكرة. وفي الغالب تتزوج المرأة بعد تطليقها من رجل آخر، تاركة أطفالها لدى الزوج الأول، فيرفض الزوج الجديد حضانة أطفال رجل آخر. وكيف تبدو الصورة عندما يتكرّر طلاق المراة وزواجها أكثر من مرة، ومن كل أحد تنجب أطفالا، ينشأون في حضانة أمرأة غيرها.

الضحية في هذه الحال هم الأطفال/ الناشئة، وما يتخلّل حياتهم ووعيهم الاجتماعي من عقد ومظاهر مرضية، تضاعف من ميول القسوة والانتقام من المجتمع  والآخر. الرجل، هو نفسه، ابن يتيم لم يشبع من حنان الأم أو رعاية المرأة في طفولته، بما ينعكس على فكره وسلوكه الاجتماعي والجنسي اللاحق.

ان كثيرا من أطفال الجماعات القبلية، ممن فقدوا أمهاتهم في طفولة مبكرة، تشكلت لديهم مشاعر كراهية ضد الأب وزوجته الجديدة، وهم في الواقع ضحايا اجتماعية، أحوج للعلاج النفسي والرعاية الاجتماعية والمعاملة الانسانية، ناهيك عن أهمية قيم التسامح والغفران سبيلا لتجاوز العقد النفسية المرضية، وبناء حياة اجتماعية صحية.

وفي مجتمع تعدُّد الزوجات، يُحرم الاطفال – غالبا- من دور الأب، ووجوده المستقر معهم. فهو يمرّ كالضيف، وقد يصادف مروره ليلا ويمضي مع الفجر، خلال نومهم. فالأبوّة، في هكذا حال، مجرّد كفالة مالية/ مادية، بغير رعاية نفسية وحضانة اجتماعية. وإذا كان غياب الأب عن العائلة ينعكس سلبا على الأم، فهو ينعكس مضاعفا على الأطفال، تارة من الأب، وتارة من الأم المتضررة من غياب زوجها.

غياب أمّ العائلة، الأم الكبيرة من بيت العائلة والبيئة الاجتماعية، نقس نفسي واجتماعي فادح، ينعكس مباشرة على تكوين الطفل وحياة الرجل والمجتمع ككل. المرأة والرجل: الوالدان ركنان رئيسان، ووتدان أساسان يحمرن وتر خيمة العائلة والأطفال. والمقصود بالوالدين تحديدا، ينفي فكرة تعددية الزوجات/ تعدد الأمهات، وما يترتب عليه التلكؤ النفسي والاجتماعي وعدم المساواة في الرعاية النفسية والاجتماعية والحصول على الوقت الكافي مع الأبوين. هذا النقص الفادح، هو المسؤول عن آفة العنف والكره المتأصل في نفس الانسان العربي عامة، وانعكاساته على المجتمع والعالم والموقف الشخصي/ الانتقائي/ المزاجي من المرأة.

استمرار مظاهر البداوة والاناركية وتبعاتها النفسية والاجتماعية غير السليمة على الأمن الاجتماعي في القرن الواحد والعشرين، اشكالية حضارية تقتضي برامج فعالة وناجزة، لتأهيلهم للحياة العصرية والمدنية. 

الدونية، عدم الاستقرار، السلعية، غياب دور الزوجة والم، عاهات رئيسة دائمية في جسد المجتمع القبلي والثقافة البدوية.. المتصلة آثارها وأعراضها لليوم.

•       مكانة المرأة في الاسلام- راشد الغنوشي- يذهب فيه إلى تفسير النص القرآني (النساء: 3): [وانكحوا ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع..]، بحسب مجموع منطوق الأفاظ الرقمية [مثنى= 2، ثلاث= 3، رباع= 4] ليكون المجموع: [2 + 3+ 4= 9]، أي أن عدد الزوجات المسموع الجمع بينهن في الاسلام هو (تسع زوجات) ما عدا الاماء والعبيد وملكات اليمين. وهذا هو مغزى –الاطلاق- في عبارة" (انكحوا ما طاب لكم)، ولولاه لقال: (انكحوا اثنين أو ثلاثة أو اربعة)، بغير صيغة التضعيف وما سبقها من اطلاق الاباحة. وهو ما يتطابق مع أعداد نساء الرسول وخلفائه. ويلحظ ان الغرض من تحديد عدد الزوجات، هو غرض اقتصادي صرف، لتجنب الاسراف، ومنع التجاوز على أموال – اليتامى-. ولا يخص مغزى التحديد كيان المرأة وكرامتها وحقوقها الانسانية، كما يظهر في أباحة نكاح ما لا حصر له من إماء وجوار وعبيد وملكات يمين. فالمرأة تتضرر نفسيا في وجود (الشريكة/ الضرة) بغض النظر عن كونها زوجة أو جارية أو خليلة. فالتنظيم الاقتصادي والمالي هو العانل الرئيس في النظام الاسلامي، وليس العامل الاجتماعي والحقوق الانسانية، سيما ما يخص المرأة/ الجسد المسلع.