في رثاء الاقتصاد.. (أو- لعنة آدم سْمِثّ)

وديع العبيدي قرأها 1,306

في رثاء الاقتصاد.. (أو- لعنة آدم سْمِثّ)

 (1)

ما المقصود بالاقتصاد..

economy"" لفظ مشتق من الأصل الاغريقي اللاتيني "euconomin" بمعنى البيئة الحياتية أو المحيط الحيوي. أي المكان الصالح للمعيشة، أو المكان الذي تتوفر فيه شروط الحياة ومستلزماتها، والتي تجتهد جهود العلماء منذ عقود للتأكد من توفر مثلها على سطح المريخ والقمر وبقية أعضاء مجموعتنا الشمسية.

ففي لحظة ما من القدم، كان سطح الأرض مثل سطح المريخ والقمر مقفرا مضطربا قبل أن تنبثق فيه بذرة الحركة والنمو والتطور، وتتشكل بدايات المجموعة الحيوية وصولا إلى ولادة العقل الأولى والإنسان الأول. ان وجود العالم الحيوي مدين لأعضائه بالتأكيد، وحسن أدائهم وعنايتهم بالمكان الذي يحتضنهم.

الحياة هي المكان، ولا وجود أو معنى للحياة بغير المكان.. (أبجدية الوطن).

لكن الفضل الأكبر والأساس يعود للطبيعة نفسها، القادرة على التجدد وإعادة تنظيم نفسها، واستعادة براءتها وقدرتها الطبيعية على الإنتاج والتطور "الصيرورة والديمومة".

الطبيعة ومظاهرها كانت المعلم والمربي الأول في مدرسة تدريب الكائنات الحيوية طرق وأساليب الحياة، التعامل والسلوك الغريزي والتلقيني (التقليدي). هذه العلاقة الجنينية الحميمة بين الكائن الحي والطبيعة هي أصل الوجود (معنى الانتماء)، وهي ديدن الاستمرارية، وبالشكل الذي ينبغي أن يكون القيمة الأولى والعليا في المعرفة (معنى الحكمة). وتغافلها هو بداية السقوط (الخطيئة)، وطريق الانقراض.

هذه النقطة المفصلية الرئيسة ترد في التوراة: "تك2: 15- وضع الإنسان في شرقي جنة عدن ليعتني بها ويفلحها.". جنة عدن: هي كناية عن البيئة الحياتية، ولفظة الشرقي: (شرقي عدن) كناية عن الخصوبة والعطاء. والإنسان هو الفلاح الذي يعتني بالأرض ويزرعها ليأكل من ثمارها، والأكل هو دالة التفاعل والمشاركة ومادة التوحد – الجسم والوجود- بجسم الأرض. ومعنى اسم آدم، مشتق من أديم/ أرض ولكي تستمر الأرض في العطاء والاثمار والجمال، لابد من دور للانسان بالعناية والاهتمام والإبداع.

الحياة بحد ذاتها قوة خلاقة هائلة. والكائن الحي هو أداة الطاقة الحيوية، المبدعة والمغيرة والمنتجة. وهذا لا يعني الإنسان فقط، وانما أصغر كائن لا تراه العين المجردة، كالبكتريا والأميبا والفيروسات التي يتطير منها بعض البشر. وهو ما يدعوه علماء البيولوجيا بالتوازن الحيوي. ان انقراض دودة أو صنف من البكتريا، يمكن أن يقود إلى كارثة بيولوجية، لا يقدر خطورتها وفداحتها الأغبياء.

والجهل هو آفة الوجود. وعندما يجتمع الجهل والشر، وتغيب الحكمة، تكون النهاية على الأبواب.

قليلون، بل أقل من القليل من أبناء اليوم، يدينون لأحد، بما يرتدونه من ثياب، ويتناولونه من طعام، وينعمون به من دفء المسكن، وسهولة المواصلات والاتصال، وفضل الأدوية والمسكنات، وخزائن المعارف والعلوم، التي دفتهم للغرور، دون أن يفطنوا لأصولها، وكيفية اجتماعها، وقوافل الأسلاف التي تعبت في زراعة وتجميع ومتابعة وصياغة تلك المعرفة في سطور قليلة، وفي مصباح صغير يصدر النور، وزر الكتروني -يعبث به طفل- للحصول على نعم التكنولوجيا والتطور التي لم تولد من رحم الغيب، وليست هبة مجانية. الخلف الكسول او الحمق يفسد ما بناه الآباء. والكسول هو الطفيلي "parasite"، المستهلك الذي يلتصق بقشرة الجسد ويمتص دمها بلا هوادة. الطفيلي هو (فرد/ قوم) خامل كسول، يتربّص بمواضع الوفرة والإنتاج ويقع عليها، مقتنصا متعيشا عليها حتى تنفذ منها الخيرات فيمضي لغيرها. الطفيلي (فرد/ قوم) هو آفة النوع البشري وفيروس المدنيات والحضارات على مر الزمن. ولعل عصرنا الحالي هو ذروة عصور الباراسيت.

*

(2)

نظرة تاريخية.

في الطبيعة، على أطراف المدن، تتطاير حشرات، وتنتشر ديدان على السطوح، تجدها في سعي دائب، وطيران متصل، تبحث عن شيء تقتنصه، أو قوت تمسك به في فمها. في الغابات والبرايا تجد حيوانات برية تتجول وتعدو، كل دأبها الصيد والقنص والافتراس. هذه الظاهرة الطبيعية تؤرخ لمرحلة من تطور حيياة الكائن البشري، كان يحصل على قوته من القنص والصيد والافتراس، ولا يرقى ذهنه لما هو أبعد منه.

الواقع ان عالم الحيوان ليس جميعا على درجة واحدة من البدائية والتطور، وانما ينقسم إلى مراحل، بعضها أكثر تعقيدا من حياة الإنسان، وهذا ينطبق على الحشرات والطيور والأسماك أو المائيات حتى الحيوانات الزواحف والفقاريات الأكبر حجما. أشهر الأمثلة في مجال الجمع والخزن هو (النمل)، الذي يجمع قوته ومستلزمات بقائه في مغاور باطن الأرض طيلة الصيف، للإفادة منها خلال السبات الشتوي، وهو أفضل مجتمع منظم ومتعاون ومنسجم ومسالم في كل الوجود. مرحلة الخزن/ الالتقاط والتخزين سبقت ظهور الزراعة تاريخيا في حوالي الألف العاشر قبل الميلاد.

ورغم أن الإنسان الأول كان مقلِّدا لظواهر الطبيعة وحياة الحيوان في أولى خطواته، فإن علماء الأنثروبولوجيا،، اعتبروا قدرات الإنسان الأولى على التعلم والتقليد، بداية انفصاله عن عالم الحيوان (قبل مليون عام)؛ وتقدر مرحلة الخزن زمنيا في الحقبة الباليوليثية بين "100- 10 ألف ق. م.".

ثمة مثال آخر من عالم الحيوان، أكثر تقدما ورقيا من النمل، هو عالم (النحل)، ونظامه الدقيق في تقسيم العمل وتصنيف أفراده لإنتاج الشمع والعسل وطرق تخزينه المنظمة والصحية. الواقع ان النمل والنحل – وهي حيوانات ذكية صغيرة الحجم- أكثر تواضعا وبساطة من الإنسان المغرور كبير الحجم وكثير الأذي، والأكثر فسادا في العالم.

ما هو الفساد الذي يتركه النمل أو النحل؟!..

*

تطبيق ميداني..

الأهوار في جنوبي حوض الرافدين – دجلة والفرات- بيئة حيوية قديمة تعود للعصر الحجري القديم – حوالي نصف مليون عام- هي مركز حضارة سومر القديمة. وهي بيئة مائية واسعة المساحة تمتد من مجرى الفرات حتى شرق دجلة في داخل الحدود الايرانية، يعيش سكانها في جزر طبيعية أو اصطناعية صغيرة، على شكل قرى صغيرة. صيد السمك وبعض الطيور هما مادة الحياة الرئيسة للسكان، وبعضهم يمارس الزراعة مستفيدا من ضحالة المياه. ويشتهر سكان الأهوار بصناعة بيوت البردي والقصب وصناعة الحصران والبسط من المواد النباتية المتوفرة في بيئتهم بكثرة. ويتم بيع البسط والحصران وأعمدة القصب والفائض من السمك لشراء ما يلزمهم من مواد معيشية لا تتيسر في بيئتهم.

يمثل مجتمع الأهوار مجتمعا اشتراكيا عاملا، ورغم صعوبة ظروف الحياة وبساطة مستوى المعيشة، فلم يترك مجتمع الأهوار مناطقهم لبلاد اليابسة. ويختلف سكان الأهوار عن أهل اليابسة في مضمار التفكير وطرق الحياة، ولا يتوافقون معهم بسهولة. ان مجتمع الأهوار الذي ما يزال قائما لليوم، والمعتقد بأنه من أقدم الحواضر والمدنيات السكانية، انطلقت منها بدايات الكتابة والحضارة والمستوطنات الأولى، لم يكونوا طفيليين على ما تجود به الطبيعة كالسمك والطيور الرائجة عندهم، وانما عملوا في تصنيع النباتات كالقصب والبردي وبنوا منها بيوتهم وفرشهم ومستلزمات حياتهم، كما صدروها للخارج. وامتهنوا منذ وقت مبكر الزراعة، حيث يعتقد الدكتور أحمد سوسة أنهم أول من زرع الرز الذي يحتاج تغطيته بالمياه، كما صنعوا منه النبيذ لأول مرة في التاريخ. ويبدو أن أصول سكان الأهوار هم البقية الباقية من بشر ما قبل الطوفان الشهير بطوفان (نوح) المذكور في ملحمة جلجامش – أول نص ملحمي مدون-. وقد زرت منطقة الأهوار مرتين في سبعينيات القرن الماضي، وتساءلت ما الذي يميزهم عن اولئك الذي جعلوا القنص والغزو والغنائم اسلوب عيشهم ونظام حياتهم المتنقلة باستمرار.

وقد اضطرت الحكومة العراقية خلال الحملة الشاملة لمحو الأمية لبناء مدارس وصفوف داخل بيئة الأهوار، لتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة الحديثة، إلى جانب مراكز الصحة الأولية. بعبارة أخرى، ان بشر ما قبل الطوفان، هم أكثر رقيا حضاريا وعقليا من بشر ما بعد الطوفان، وذلك من خلال ثلاث مميزات رئيسة:

1.               منجزاتهم العقلية والحضارية، والتي تعتبر أساس الحضارة الحديثة ونشأة المدن والدول والحكومات، والتي تشهد انحطاطها وفسادها اليوم.

2.               تركيزهم على العمل والإنتاج والإبداع، مستثمرين طاقاتهم الذهنية والجسدية أفضل ما يمكن. والإبداع والإنتاج القديم كان جماعيا مشاعيا، عكس الصفة النخبوية للإبداع والحضارة والإنتاج لعالم ما بعد الطوفان.

3.               بشر ما قبل الطوفان كانوا حكماء مسالمين، لا يميلون للعنف والتدمير والقتل، والذي هو صفة عامة لعالم ما بعد الطوفان، من خلال الحروب والغزوات والاحتلال المستمرة حتى اليوم.

يذكر ان أول ممارسة لحرب في التاريخ البشري يعود للألف الثالثة قبل الميلاد "3100 ق. م."، وبعدها تطورت الأسلحة الفتاكة التي تقتل البشر وتدمر العمران. والواضح منه، ان الحرب – كوسيلة اقتصادية- للحصول على الغنائم والقوت، كانت افرازا منطقيا لتراجع ميل البشر للعمل والإنتاج والاعمتاد على الذات. فالحرب والغزو تضمن الحصول على إشباع الحاجات عبر ممارسات النهب والسلب واستحلال الأموال والأعراض وكل الممارسات الوحشية، والعودة من الحرب والغزو محملين بالغنائم المادية والبشرية التي تمثل موارد مستقبلية لاشباع حاجات عوائلهم للفترة حتى الغزوة التالية، أو المتاجرة بالغنائم والتصرف بأموالها. لذلك كانت مناطق الوفرة والرخاء والحضارة، أهدافا مستمرة للغزو والمصادرة. وفي الحرب بين الفرس وبيزنطة، كانت أنطاكية وحلب – في سوريا- أهدافا مغرية لغزوات جيش فارس ونهب ممتلكاتها، ثم الانسحاب قبل وصول النجدة من بيزنطة. والحروب الامبريالية الأخيرة استهدفت العراق وليبيا، وتدمير امكانياتها وسرقة مواردها وخزائنها، قبل تسليمها لميشيات ارهابية، لتحميلها أوزار الدمار والنهب.

 المجتمع الإنتاجي هو مجتمع اخلاقي بالضرورة، ومسالم منطقيا. والعكس بالعكس. لقد توقف عبد الرحمن ابن خلدون التونسي طويلا لتفسير أسباب غلبة الجماعات البدوية الهمجية على أهل الحضارة والأكثر رقيا، فاعتمد على عنصر اللياقة البدنية والقوة الجسمانية، لكنه لم يفطن للعنصر الأخلاقي والإنتاجي الذي هو سمة الحضارة والرقي. ابن خلدون كان عالما ومؤرخا، ولكنه لم يكن فيلسوفا في تناوله لدراسة المظاهر التاريخية والسياسية.

والعامل الاقتصادي/ الأخلاقي، وراء اختلاف حروف الدمار الشامل الأمريكية الأخيرة، عن الحملات الأوربية في القرن التاسع عش. فالاقتصاديات الأوربية التي ازدهرت عقب ثورة البخار والمكننة، كانت بحاجة لمواد خام وأسواق تصريف، دفعتها لبناء الدول ونشر العمران ووسائل المدنية الحديثة في العالم. أما الحروف الأميركية فكانت سياسية عنصرية (غير أخلاقية) في استهدافها البلدان والثقافات غير المنسجمة مع سياساتها، والتي تشم منها رائحة التهديد. ما هي قصة الأمن الأمريكي الذي يتهدد بوجود صدام حسين والقذافي وايران ونظام الأسد وكوريا – محور الشر حسب اصطلاح بوش الصغير-. وكيف ابتلعت منظمة الأمم المتحدة عبارة بوش التوراتية: من ليس معنا فهو ضدنا!، لوسم كل من يعارض الشيطان الأمريكي بالارهاب.

الهزيمة الأخلاقية للسياسة الأمريكية، هي نتيجة لهزيمتها الاقتصادية أمام اقتصاديات ألمانيا واليابان والصين، فلم تجد لها غير دور الشرطي وجابي الضرائب والهبات. وهي تستخدم احتكارها للنفط وصناعة الفضاء والاتصالات الحديثة لاضطهاد المجتمع البشري والتسلط على مقدرات العالم. لكن المراقبين الاقتصاديين يعرفون جيدا، ان الولايات المتحدة على حافة الهاوية. وأنهاء وجودها حتى اليوم مدين للدعومات الاقتصادية والتنازلات الخارجية المدعمة لاستمرار استخدام عملة الدولار الأمريكي في سعر الصرف الدولي. فسقوطها لا يحتاج غير اعتماد عملة بديلة كاليورو أو الين أو الروبل أو الدينار قيمة معيارية ثابتة في تقييم المبادلات الدولية. ان الميزانية الأمريكية تجبي رسوما عن كل عملية تبادل او تحويل مالي اقتصادي في أي مكان من العالم. ومن حق كل دولة شجاعة أو شخص شريف رفض تحويل قيمة تحويله الخارجي من عملة البلد المقيم فيه للدولار الأمريكي، ثم المقاصة من الدولار الأمريكي لعملة البلد المستلم. وهي جناية اخلاقية بالمعايير الاقتصادية كذلك، يتم تسويغها ضمن الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على بلدان عميلة جبانة رغم أنفها.

اليابان والمانيا والسعودية والكارتل النفطي وسياسات البنك الدولي هي المسؤولية عن وقوع العالم – أفرادا ودولا- تحت الابتزاز الأمريكي، وهو أمر لابد أن يجد نهايته قريبا، وتعترف الولايات المتحدة الأمريكية بجنايتها على التاريخ والمجتمع العالمي، وعندها لن تستحق كلمة رثاء.

*

(3)

تطور الفكر الاقتصادي.. (في رثاء الزراعة)..

قبل ظهور شخصية (الفلاح) في الفكر الاقتصادي، كانت فكرة التدجين (ترويض الحيوانات لمنفعة الاستقرار والمعيشة)، وتخزين (الحبوب والأوراق والعيدان الجافة، ثم الاستفادة منها لاحقا لأغراض شتى.).

اكتشاف فكرة الزراعة والانبات، كانت نقلة رئيسية في بناء العلاقة بين الإنسان والمكان وبداية التحول من حياة التنقل للاستقرار وتجمع البشر في مجموعات تتعاون لتأمين حاجاتها للغذاء والأمن ومبادئ الحياة المشتركة.

مستلزمات الزراعة والاستقرار والحياة المشتركة، كانت بداية ظهور التفكير الاجتماعي وبناء منظومة الأخلاق والعادات ونظام الحاجات والاشباع المشترك، وصولا لنشأة العلاقات والصداقات ونظم الزواج والعائلة. فالتطور الاقتصادي، تطور طرق معيشة الإنسان والتحرر من الاتكال على الطبيعة، هو أساس التمدن وبناء النظم الأخلاقية والسياسية والدينية لاحقا. وكلما كانت الأسس والخطوات سليمة وسامية وسلمية، جاءت النتائج سليمة وحكيمة، والعكس بالعكس. وعندما نشهد انحطاط المجتمع البشري وانهيار أسس المدنية الحضارية، علينا أن نلتفت لعوامل الإنتاج والأسس الاقتصادية التي يقوم عليها المجتمع الحديث. لكن العالم اليوم هو عالم استهلاكي بالدرجة الأولى، تتصدر فيه التجارة والحروب والغنائم على الإنتاج الاقتصادي، وقواعد التبادل الدولي المحترمة.

دول تعتاش على الاقتراض، وشعوب تتسابق في لهاث الاستهلاك والمتاجرة، ودول كبرى تتنافس في توزيع الخلافات العسكرية وحصد غنائم الحروب – (عالم بائس).

مهنة الفلاح لا ذكر لها في قواميس أطفال وناشئة اليوم. ضمن استفتاءات الطلبة لما يحلمون أن يكونوه في بلوغهم، لن تجد واحدا يختار مهنة (فلاح). عندما يفشل أحد المتسابقين في برنامج تلفزيوني – في الغرب- يرسل للمساعدة في مزوعة خارج المدينة لبضعة أيام. يتولى أعمال الزراعة وتنظيف الإسطبل وتقديم العلف للدواجن والحيوانات والمساعدة في توليد أحد الحيوانات بالمصادفة. لا شيء غير التعب والقرف في العمل الزراعي، مقابل أدنى مستويات الأسعار والأجور في قطاع الزراعة. بينما تذهب الأرباح الطائلة للوسيط (الحرامي في الاقتصاد الماركسي) الذي يقوم بالنقل والتصنيع والتسويق. وعلى العموم، ينضم أصحاب المتاجر والأسواق الرأسمالية لنادي الأثرياء، فيما يقبع المزارع في قاعدة السلم، بعيدا خارج المدينة.

لا غرابة إذن، أن يوصف الدكتور كارل ماركس بكلمة – متطرف/ extrimist- في المدارس البريطانية، لتدمير صورته في ذهن الطالب البريطاني مستقبلا. كلمة (متطرف) هي نفسها المستخدمة في وسائل الاعلام الغربية لنعت الإرهابيين، الفظة التي انقرضت مع دخول مستر أوباما لبيت الأبيض.

بريطانيا، التي شهدت نهضة اقتصادية وحضارية في عصر النهضة، وقدمت إسهامات مميزة في الفكر والصناعة والتكنولوجيا، تحوّلت بالتدرج الى مجتمع تجاري يعتاش على السياحة والمضاربة والحروب والسوق السوداء، مقابل غياب شبه تام من سوق الصناعة والزراعة التي لا تكاد تغطي حاجته المحلية. والولايات المتحدة التي تعتاش منذ نصف القرن الماضي على المضاربة بالنفط وسعر الصرف والمتاجرة بالاسلحة والحروب التي تزرعها بنفسها، تشنُّ حربا بلا هوادة في اتفاقية الجات ضد فرنسا، وتقود حربا منظمة لتدمير الاقتصاد الألماني. فيما نقلت القسم الأكبر من استثماراتها الصناعية الى شنغهاي، ضمن مخطط حربي من نوع آخر.

الولايات المتحدة وفرنسا - فقط- تتبعان سياسة دعم المزارعين للاستمرار في إنتاجهم الزراعي، فيما يعاني القطاع الزراعي في العالم الثالث من إهمال تام.

*

(4)

من الزراعة إلى موجات المهاجرين (ابتعاث البداوة)..

وكما كانت الزراعة العامل الرئيس في نشأة الحضارات والمدن الكبيرة، فإن إهمال الزراعة وعدم تحفيز العمل والاستثمار فيها، كان له دور كبير في تدمير التنمية الاجتماعية والتطور المدني في العالم.. ففي القرن العشرين، وتساوقا مع نشأة الدول الحديثة في الشرق، بدأ زحف سكاني من البدو وسكان الأرياف نحو المدن والمراكز الرئيسة، ليتحول في النصف الثاني من القرن الماضي، إلى هجرة كبيرة من الأطراف نحو العواصم، منتهيا بترييف العواصم وإفشال خطط التنمية الاجتماعية.

ومع نهاية القرن تماما بدأ سكان الأرياف والقرى بالهجرة من الشرق والجنوب نحو أوربا الغربية، وبشكل ألغى الصورة الحضارية العلمانية للغرب الأوربي الذي كان مصدر إشعاع حضاري طيلة أربعة قرون، وبشكل فجائعي، يعدم الفوارق الاجتماعية بين غرب أوربا وآسيا. وأي صورة تلفزيونية – اليوم- لأوكسفورد ستريت في لندن وشارع في القاهرة أو اسطنبول، سوف يستعصي التمييز بينها بسهولة. والواقع ان انجلترا، بغض النظر عن تاريخها وصيتها العريق، ليست أفضل عمليا من بلد آسيوي يعتاش على الترقيع والأزمات المتصلة.

تطور الفكر الاقتصادي الذي درسناه بشكل منهجي في الجامعات، توقف عمليا في منتصف القرن العشرين، وكانت الحرب العالمية الثانية آخر محطاته. التنمية الاجتماعية والصحية انقلبت بلاء على المجتمع العالمي، بارتفاع نسبة المواليد وانخفاض معدل الوفيات، وارتفاع المستوى المعيشي في الشرق والجنوب، جعل عدد سكان العالم يقفز من خمسة مليارات الى الضعف. الارقام القياسية الجديدة لبلدان العالم الثالث ليست في معدل الإنتاج والمنجزات العلمية، وانما في معدل خصوبة المرأة وحجم العائلة ونسب المهاجرين. ففي اليمن أعلى معدل لخصوبة المرأة يصل (4.5%) تليها مصر (3.25%). ويزداد عدد سكان مصر بمعدل مليون وربع سنويا. وسوف تنتقل كل من مصر وتركيا والباكستان الى نادي المائة مليون نسمة في السنوات القليلة المقبلة، إلى جانب اندونيسيا وماليزيا. وباستثناء ماليزيا فالبقية هي من الدول الممتصة للمساعدات والقروض الغربية منذ عدة عقود، وتعجز، بل ترفض إجراء أي تنظيم للأسرة وحجم العائلة، ضمن حلمها بغزو البداوة للمستقبل.

حتى عقود قليلة كانت وزارة الاقتصاد والتخطيط أهم وزارتين في الدولة -العالمثلثية تحديدا. أما اليوم، فقد استحلت وزارة المالية محلها، كما استحلت وزارة الداخلية محل الخارجية، واستحلت الأوقاف محل وزارة الاعلام. خريجو الكليات الدينية والاعلام هم النسبة الاعلى في بلداننا، والهجرة هي الحلم الرئيس المشترك للجميع. الفساد المالي والاداري والغش والاحتيال هي الطرق الأقصر لتحقيق الثروة والنجاح الاقتصادي والاجتماعي. القرصنة والفهلوة وطرق النصب والنهب والجريمة هي مفاتيح النجاح. وفي بلد مثل السعودية، يشكل الغش والنصب النسبة الأكبر من الجرائم والدعاوى المنظورة في المحاكم. والسؤال هو، هل المحاكم والاعلام والأمن خارج شبكة الفساد؟..

الهجرة.. بحسب القراءات الاعلامية والحقوقية للأمم المتتحدة، هي نتيجة طبيعية للحروف والاضطرابات وعدم الاستقرار (عموما- ودون بحث في الأسباب). لكن الحروب، بدورها، وبحسب النظريات الاجتماعية هي نتيجة طبيعة لزيادات السكان (للمحافظة على التوازن الطبيعي بحسب نظرية مالثوس).

على الصعيد التاريخي للقرن العشرين المنصرم، كانت الهجرة نتيجة (عكسية) مباشرة لتطبيقات قوانين الإصلاح الزراعي ومكافحة الاقطاع. فالفلاح الذي أصبح مالكا لأرضه، لا يريد تحمل مسؤولية إدارة الأرض وتكفّل أمور السقي والسماد والتسويق، وحلّ خلافات الأراضي بينه وبين جيرانه الفلاحين. وهي أمور كان الاقطاعي يتولى تدبيرها، مقابل اختصاص الفلاح بالعمل العضلي لا غير ونيل حصته الوافية. على مدى التاريخ، كانت مصر – وادي النيل- المجتمع الكثر استقرارا في العالم، وذلك بفضل نظام الأرض الفرعوني وسياسات الإنتاج حتى تطبيقات عبد الناصر الاشتراكية وهروب الفلاحين للمدن الكبيرة التي أنتجت ظاهرة (المدن) العشوائيات لليوم.

فالإصلاح الزراعي، كصيغة ثورية ثقافية مستعارة من التجربة السوفيتية، لا تعمل بغير ثورة ثقافية اجتماعية شاملة، ومن غير تهيئة مستلزمات ومؤسسات مدنية مهنية متكاملة تقود وتشرف وتساعد وتسهم في تحقيق الانتقال الاجتماعي الاقتصادي لمجتمع من حافة البداوة إلى ذروة الاشتراكية. فالغلط ليس في النظرية والفكرة، وانما في سذاجة السياسيين وقصور المشرعين (الانتقائيين) لترسيم "اشتراكية عربية"، وهي لا تختلف شكلا ومضمونا، من تعامل العرب اليوم مع نتائج ثورة الاتصالات و (أسلمة التكنولوجيا الرقمية) التي ستجلب وبالا على أصحابها، من حيث لا يدرون.

السبب المباشر لزيادة السكان فهو برامج التنمية الاجتماعية والصحية، وتحسن ظروف المعيشة ومجانية التعليم والتأمين الصحي بما يهيئ لدى قاع المجتمع، فرصة التسلّق الطبقي، وحيازة مميزات في السكن والمعيشة والعمل والحياة السياسية، مضاهية ومنافسة لسكان المدن والطبقات المتوسطة والعليا. فالدولة المدنية في العالم الثالث، هي ضحية قوانين التأميم والتنمية الاجتماعية، بشكل غير مدروس واجراءات صارمة وسوء استغلال القانون وتسخير الميزات المستحدثة لأغراض بدائية الفكر والنزعة.

ان توجيه الاتهام للحكومات الطليعية والانظمة الثورية للقرن العشرين، والتغافل عن منجزاتها الحضارية والمدنية، يصدر عن نزعة مرضية، وخروب فاضح من المسؤولية الاجتماعية والسياسية سوية، والواقع، ان معظم التيارات السياسية، ومنهم طبقة المثقفين، وقفوا بالضد من تلك السياسات والتطبيقات، لأسباب حزبية قاصرة، وباستهداف ملحّ لإسقاط تلك الحكومات وإفشال تطبيقاتها، وذلك على نفس أرضية صراع القبائل والتنافس الطائفي والمناكفات الحزبية والشخصية الفاعلة لما بعد اليوم. فالجميع، مسؤولون اليوم عن خراب البلدان الشامل، حزبيين وغير حزبيين، مثقفين وغير مثقفين، مستفيدين ومتضررين. وما هو البديل إذن.. الجواب على أرض الواقع. كل بلد من بلداننا هو فضيحة ومأساة وكارثة، مصر، العراق، لبنان، ليبيا وسوريا واليمن. المنافسات السياسية والطائفية الغبية هي التي دمرت الوطن، واستخدمت الفقراء والغوغاء وسيلة لتمرير أطماعها.

فالفلاح الذي هجر أرضه وغزا المدينة، هو نفسه الذي يغزو أوربا الغربية بعقليته البدائية وسرايا نسائه وعبيده. أذكر في الحديث مع الألمان، كانوا يصفون الشرقيين بالجهل والتخلف، ويتّخذون من الأتراك مثالا لذلك. أولئك الأتراك الذين يقطنون ألمانيا منذ نصف قرن، ولا يجيد أكثرهم التحدث بالألمانية بصورة جيدة. الأغلبية التركية في ألمانيا هي قادمة من القرى الفقيرة، والأثنيات – الكردية- المضطهدة، وليسوا من سكان المدن الكبيرة المزدهرة اقتصاديا واجتماعيا.

وهو ما يحدث في هجرة العرب، من سكان القرى والأطراف في بلادهم، وهي هجرات تختلف نوعيا عن الهجرات والبعثات الدراسية والسياحية، قبل استفحال مواسم اللجوء والحروب الأخيرة.

ان المجتمع البغدادي اليوم ومشهدها الثقافي والديني والاقتصادي، هو امتداد لعقلية وثقافة وطائفية الجنوب الفلاحي المهاجر، ولا يمثل الصورة الحقيقية للمجتمع البغدادي الأصلي وثقافته المدينية (البغددة). وهو ما ينطبق على القاهرة التي تضاعف حجمها السكاني والجغرافي مرات متعددة، ويزحف بثقة شرق نهر النيل.

فالهجرة السكانية من قاع المجتمع، حملت معها كل المؤشراات السلبية على صعيد النوع وانعكاساته بكل الاتجاهات، ولكن في مقدمتها: الاقتصاد والأخلاق والثقافة والهوية الوطنية. فالاقتصاد التجاري، ووالمضاربات المالية، وما يقتضيه من فساد قيمي وحكومي، هو نتيجة منطقية لتردّي النوع في الفكر والتطبيق والممارسات.

*

(5)

تحليل مقارن..

الخلاف بين أصل الأشياء، وما انتهت إليه في عتبة الألفية الثالثة، هو التحول من منظور بناء اقتصادي اجتماعي تنموي، إلى ابتزاز مالي أناني مدمر. وبتوسيع تحليل المقارنة:

1.               الغاية في الأصل هي البناء وابتغاء المنفعة العامة.

2.               ان بناء المشروع لا يجعله منغلقا جامدا، وانما يدعم فكرة تطويره واستمراريته.

3.               ان المشروع الاقتصادي يوازن بين تطوير البيئة ورعاية الطبيعة وتحسين ظروف المجتمع وتحسين مستويات (أداء/ تفكير) الأفراد.

4.               ان جملة المشاريع الاقتصادية تتعاون بينهها وتنتج حضارة اجتماعية ينعكس خيرها على الجميع.

5.               المشاريع الاقتصادية هي مشاريع جماعية، يشكل الإنسان فيها الغاية والوسيلة.

6.               للمشروع الاقتصادي رسالة انسانية تتجاوز الراهن والمنشأ، لتقديم خدمة لأجيال المستقبل والمجتمع الإنساني.

على الطرف المقابل، في تحليل صورة الراهن:

1.               الغاية اليوم هي الابتزاز وخدمة المنفعة الشخصية.

2.               ان مشاريع اليوم منغلقة على أصحابها، لا تخرج عن حدود رغباتهم، وتنتهي باشباع تلك الرغبات والمصالح الشخصية.

3.               مشاريع اليوم مسخرة لأغراض ضيقة، ميكافيللية صرفة لا يهمّها تدمير كل شيء لتحقيق بغيتها.

4.               مشاريع تعتاش في بيئة الفوضى العامة والفساد الحكومي، وكلما زاد عددها وتسلط أصحابها على المجتمع والدولة، ضاعت المعايير والأحكام القادرة على رأب الصدع وإعادة تنظيم الأوضاع العامة. ان النتيجة الحتمية لشيوع مشاريع اليوم هو إنتاج مجتمع المافيات والحيتان الكبيرة التي تهيمن على مصادر الملكية والتصرف.

5.               مشاريع اليوم هي مشاريع شخصية ضيقة، يشكل الناس فيها مجرد وسيلة وسخرة لا تختلف عن عصر العبودية والقنانة المقيتة.

6.               مشاريع اليوم لا تتضمن أي رسالة انسانية، خارج أنانية الذات المريضة والولاء المطلق لعبادة اللذة والحواس.

 ولكن.. كيف حصل هذا التطور او الانحراف الاخلاقي – باعتبار الاقتصاد سلوكا أخلاقيا بالدرجة الأولى-. يمكن تلخيص المراحل التاريخية بإيجاز في ثلاث مراحل:

أولا: الاستعمار الأنجلو- فرنسي، زمنه النصف الأول من القرن العشرين، عقب سقوط الدولة العثمانية حتى الحرب العالمية الثانية. وفيها ظهرت الدول المدنية الحديثة والحكومات والدساتير العصرية في بلدان آسيا وأفريقيا، سيما من مخلفات الحكم العثماني. الطابع العام لدول المرحلة هو مَلَكية دستورية حديثة، وهي أفضل الحكومات والفترات العقلانية المعتدلة والتنموية المجتمعية المتزنة في تواريخ تلك البلاد. هذه المرحلة كانت – بكل سلاسة- مرحلة انتقالية من ظلمات القرون والجمود إلى الحياة العصرية والمدنية الحديثة، بأقل الخسائر، وأسلس الوسائل. ورغم ضراوة القوى الرجعية والانتهازية وتعويقها بناء الدولة والمجتمع، كانت الدولة متساهلة ومرنة كثيرا، طويلة البال وكثيرة الحمة، ولم ييقدر لها المجتمع ذلك.

ثانيا: الاستعمار الأمري- روسي، زمنه الربع الثالث من القرن العشرين، ويعرف بعالم ثنائية القطبية. الطابع العام لهذه المرحلة هو الانقلابات العسكرية واعلان الجمهوريات التي تحكمها نخب سياسية وعسكرية شبه مثقفة، اختار معظمها نظاما اقتصاديا "اشتراكيا، رأسماليا، مختلطا" واتجاها سياسيا "شرقيا: المعسكر الشرقي والصيني، المعسكر الرأسمالي وبضمنه اليابان". ورغم ظاهرية صفة الاستقلال للحكومات الجمهورية، ففي الواقع كانت أنظمة تبعية اقتصادية وسياسية نحو أحد المعسكرين. وفي حلات غير قليلة تذبذبت بين المعسكرية بحسب الإغراءات والظروف المحلية والسياسات الدولية. فكرة الانقلابات العسكرية في العالم الثالث، كانت من جبخ دوائر المخابرات الأمريكية بدءاً بانقلابات أديب الشيشكلي وحسني الزعيم في سوريا وعبد الناصر (1952م) وسائرا انقلابات أميركا اللاتينية. لكن الشارع السياسي والجماهيري كان أكثر انفعالا وميلا للاشتراكية السوفيتية ومداعبتها لأحلام وتطلعات الطبقات العريضة من الفقراء والفلاحين في العالم الثالث. يذكر ان السياسات البريطانية حاولت وبجهد وتركيز تنمية نخب برجوازية رأسمالية وعسكرية ومثقفة، لتولي مقاليد الحكم والادارة، لكنها لم تبلغ من القوة والرسوخ، أزاء أغلبيات جائعة، متخلفة، غير متحضرة، كانت وقودا سهلا للإشاعات والأفكار الشيوعية والوعود المجانية بالسكن والمال وسقوط الاقطاع: "البيت لساكنه؛ الأرض لزارعها، السلطة للشعب، بس هالشهر- ماكو مهر- ونذب القاضي بالنهر"، تمكنت من مخيلة الفقراء. هذا الواقع الشيزوفريني السريالي، حول الانقلابات العسكرية الأمريكية، تميل بقوة الدفع الجماهيري "التظاهرات وقيادتها الشيوعية" نحو المعسكر السوفيتي الذي كان يسابق في احتضان الجمهوريات وحكوماتها الفتية "مصر، العراق" ويقدم لها جداول المساعدات والخبرات التنظيمية. من هنا نجد ان التيارات السياسية الكبرى "الشيوعية، القومية، القومية الماركسية" كان لها الأثر الأكبر في مرحلة الجمهورية، ولعل هذه النتيجة – غير الرائقة دوليا- مهّدت لسيناريو الانقلاب السياسي الثالث، والذي جرى طرحه وتسويقه بعناوين تزويقية مغلفة ومضللة، مثل: الإصلاح الاقتصادي والبيروسترويكا.

ثالثا: مرحلة الإصلاح السياقتصادي، زمنها الربع الخير من القرن العشرين. هذه المرحلة غير واضحة ومرتبكة لغويا، لعمق ديماغوجيتها واستهداف ريائها السياسي كجزء من أغراضها الرئيسة في الاختراق. الإصلاح الاقتصادي عنوان عام ومقبول من الجميع، وقد ينسجم نظريا مع فكرة التطوير، على الصعيد الأكاديمي. ولكن في لغة الحرب، يخضع المصطلح، والمفردة اللغوية عموما، لسلطة من يستخدمها، أي لغة القوي. وعندما تستخدم الولايات المتحدة لفظا ما، فمعناه يتحدد بحسب أغراضها ورؤيتها السياسية الستراتيجية، وهذا مصدر إشكالية الفهم. وهي اشكالية لا يريد البعض استساغتها سواء لميول خاصة، أو مبدأ ترويح البال. على خلاف المرحلتين السابقتين، تتصدر هذه المرحلة مؤسسات رأسمالية – غير حكومية ظاهرا- ذات بعد دولي، هما صندوق النقد الدولي ومؤسسة البنك الدولي الذي يعود إنشاؤهما إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، والهيمنة الاقتصادية على عالم ما بعد الحرب. انتهت الحرب العالمية الثانية بدخول القوات الروسية برلين في أواسط مايو 1945. وفي ديسمبر 1945م اعلن عن ولادة المؤسستين في ولاية نيوهامبشير الأمريكية، ومقرها اليوم في واشنطن دي سي. تمثل المؤسستان شبكة/ نظام عمل واحد، مع تقسيم وتوزيع الأعمال. يعنى الصندوق بوضع السياسات الاقتصادية وتقديم المشورات المالية والاشراف المالي على أداء الحكومات المرتبطة به والمستفيدة من قروضه. بينما يعنى البنك بتقديم القروض المشروطة بضوابط الإصلاح الاقتصادي – عبارة يقصد منها إعادة هيكلة الاقتصاد المحلي/ الوطني بما ينسجم والنظام الرأسمالي العالمي – تبعية أمريكية-. بدأت المؤسستان بعدد (44) دولة، ليبلغ عدد أعضائها اليوم (188) دولة، وهو عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.

لم يكن للصندوق والبنك دور عالمي واضح في أول عهده، وبرز للعيان في نتاصف السبعينيات عقب طفرة أـسعار النفط، وهي البداية الحقيقية لنشاطها الدولي الأمبريالي. عقب ذلك، ترددت عبارتان في الخطاب الأمريكي الموجه للعالم الآخر- خارج أميركا- هما: الدمقراطية، الإصلاحات الاقتصادية.

في عام 1983م طرح ميخائيل غورباتشوف – الرئيس السوفيتي يومئذ- شعاره الشهير (بيروسترويكا) عنوانا لبرنامجه الاقتصادي الإصلاحي والمقصود منه الانفتاح على الغرب اقتصاديا وسياسيا، وبلغ ذروته عام 1989م بقراره التاريخي إلغاء النظام الاشتراكي وحل اتحاد الجمهوريات السوفيتية بكل مؤسّساتها وإداراتها التي يزيد عمرها على سبعة عقود.

قرار غورباتشوف وضع كل دول المعسكر الاشتراكي - أوربا الشرقية - على حافة الانهيار، وأصيبت دول العالم الثالث القريبة منه – ذات التطبيقات الاشتراكية والاقتصاد المختلط- بأزمة اقتصادية عميقة. هنا كانت مشورة صندوق النقد وقروضه البنكية تنتظر طلبات الدول المنكسرة والمخذولة من حليفها السابق.

الإصلاح الاقتصادي تكشف في صورة الخصخصة/ الخوخصة "privatation،Privatisierung"، الممثلة بتحويل إدارة وملكية المؤسسات الاقتصادية لأيدي القطاع الخاص من الأهلين والشركات الأجنبية، ووقف الدعم الحمي للسلع الاستهلاكية. وعلى الصعيد السياسي اعتبرت الانتخابات الدورية بوابة شرعية لتعيين الحكومية مدعوم ببرلمان منتخب على غرار الدول الغربية.

السياسات والمبادئ الرأسمالية التي لم توضع بطرق مجانية، من قبل حمقى أو قصيري نظر، هي مورد متاهة للكثيرين، وسبب ضياع الأغلبية، وعلى الرغم من كوننا جميعا، معاصرين للتقلبات السياسية والاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية والثقافية، فلا يوجد اتفاق أو تقارب حول فهم الحاضر. ويجري تفسير كل تفسير واقعي عقلاني لتسمية الأمور بأسمائها، بأنها معاداة للامبريالية. ان الشعوب عادة، والمجتمعات بمعنى أدق، تحتاج لوقت أطول لتصحو من الصدمات، وتتحسّس مواقع أقدامها. وعمليا، احتجنا لمدة نصف قرن، لنصل إلى تقييم أولي وفهم نسبي للعهد الملكي الذي مرت به بلادنا. وطالما جرى وصفهم بالرجعية والعمالة والخيانة والفساد، حتى صحونا على الفاجعة. نصف قرن، احتجنا أيضا لندرك مدى خطأ وخطورة هجرة اليهود وتهجيرهم من بلادنا، والانهيار السريع الذي سارت إليه بلداننا وحياتنا الاجتماعية من بعد. واليوم تتبع سياسات تهجير أكثر عنفا وسعة ضد الأقليات والإثنيات المتبقية، أو إجبارها واضطهادها لقبول الأسلمة، دون أدراك كامل لخطورة ما بعدها. فالخاسر الأول في بلادنا هو الإنسان، والخاسر الأكبر هو الوطن. وقليلون اليوم، يشعرون، يدركون، يعترفون بالخراب والسقوط الشامل لكل شيء. وعما قريب، يتم الاعلان باعتبار منطقة الشرق الأوسط غير صالحة للحياة الإنسانية!. وظيفة الصدمة، تعطيل العقل ومنع التفكير، والبقية.. مزيد من الهجرات والضياع والمسخ/ المسخ.

لابد من المقارنة والمطابقة، بين الألفاظ والشعارات والمبادئ والسياسات، وبين معانيها التطبيقية على أرض الواقع. فالميثاق الرئيسي لكل من صندوق النقد والبنك الدولي يقول أنه يسعى لمعالجة الفقر في البلدان الفقيرة، فكيف جرى تطبيق ذلك، وما هي صورة الفقر اليوم؟.. الفقراء زادوا فقرا، والأغنياء زادوا غنى. أليس هذا هو معنى الإصلاح بالمفهوم الأمريكي؟..

وما هي تطبيقات الدمقراطية الأمريكية، بعد زوال الدكتاتوريات العسكرية من مصر والعراق وليبيا وأمثالها؟.. فوضى وفساد وعنف وحروب ومافيات من كل الأنواع ولا أحد يطمئن على جسده. هل ثمة نعيم يحلم به مروجو الدعاية الإمبريالية أفضل منه الآن؟ ولماذا يهرب الناس هروبا جماعيا من بلدانهم الدمقراطية؟.. ولما يودع الحكام والسياسيون والتجار أموالهم في بنوك وبلدان أجنبية. الأزمة لم تعد ازمة سياسية أو اقتصادية أو حتى ثقافية، أنها أزمة عقل وأزمة ضمير!.

الملاحظة الثانية: هل يمكن تحويل الشعوب والدول، العقليات والسياسات، من حال إلى ضدّها، في طرفة عين، بين ليلة وضحاها؟.. كيف تحولت بلداننا الدكتاتورية إلى دمقراطية رأسمالية بقرار سياسي أو غزو عسكري على طريقة هوليود؟.. كيف تحول الإسلام السياسي إلى دين دمقراطي بين ليلة وضحاها؟.. وقد صرم تنظيم الأخوان المسلمين في مصر أكثر من نصف قرن وهو يرفض اعتماد لفظة حزب لوصف نفسه؟.. هكذا تحول إلى شبكة أحزاب وتسلق الانتخابات بقرار أمريكي في أكثر من بلد؟..

نحن نتطور بسرعة مذهلة، ولكننا نتطور شكليا!.. أربعة عشر قرنا لم تسعف العرب من التحول من البداوة إلى مجتمع القرية.. أربعة عشر قرنا، وأكثر من قرن من الاستعمار الغربي، والمجتمع العراقي تنهشه العشائرية والطائفية وخلافات الحلّ والعقد والثأر والانتقام والفدية!.. ولكننا نتسلق سلّم الدمقراطية إلى منتهاه، ونمارس الإصلاح والخصخصة ونشبع من سرقات القروض وبيع مؤسسات الحكومة وحقوق وأراضي الوطن، في غفلة عين.

أنا لا أعترض على الإصلاح والدمقراطية – الأمريكية، الإسلامية-، وكل الشعارات والبدع، ولكني أدعو للاستمتاع والتلذذ بها، والمواءمة بين الشكل والمضمون، بين المظهر والجوهر، بين المبنى والمعنى. وعدم الوقوف عند المظاهر الخارجية لأشياء، مستفيدين من تجارب الماضي وبعقل علمي اجتماعي مقارن.

ومهما يكن من أمر، تشير الدلائل إلى وقوف بلادنا، والبشرية عموما، على مشارف دورة زمنية حضارية، يكون سكان الشرق الأوسط، وقودَها المحترق، بعدما دفعوا بأنفسهم لمقدمة المواجهة الحضارية مع الغرب، وهم الأضعف عدة وعقلا..