في رثاء الفلسفة؟؟ (أو- موت السؤال / موت الدهشة)
بدأت الفلسفة من نظرات العقل الأولى لفهم لغز الكون وكيفية تشكل الوجود.. على أيدي سلسلة من الفلاسفة (صفوة العقل البشري) أمثال اناكساغوراس [500- 428 ق. م] وانتهت الى الاهتمام بالانسان وكيفية وضع قاعدة راسخة لنظام اخلاقي يحقق أفضل صورة ممكنة لمجتمع بشري في أفضل حالاته من حيث التوافق والسلام الداخلي ومسائل الادارة والامن والانتاج والمتانة. وقد جسّد أفلاطون [428- 348ق. م] ذلك في (الجمهورية).. لم يجعل أفلاطون من جمهوريته مثالا مقدسا، على الاخرين الخضوع له بقوة السيف والتنزيل المقدس.. وانما جعلها -مسودة- [concept]، مفتوحة للاجتهاد والحوار والمناقشة. وكانت النصوص الفلسفية الإغريقية تعتمد اسلوب الحوار بين شخصين يتم طرح الافكار من خلالهما، عملا بأصول دمقراطية أثينا.
كان للفيلسوف الإغريقي تلاميذ يستمعون لأفكاره ويحاورونه، وكان التلاميذ يسجّلون أفكار المعلم وينقلون حواراته الفلسفية –المعرفية العليا- عبر الأجيال. وقد ساعد هذا على ديمومة السؤال الفلسفي ونموّه عبر الزمن. لكن حروب فيليب (الثالث) المقدوني وابنه الاسكندر الاكبر لبناء امبراطورية تنفرد بحكم العالم -يومذاك-، قضى على مركزية أثينا وصروحها الثقافية، فانتقل الدرس الفلسفي الى مدرسة الاسكندرية لاحقا، والتحق بها صفوة علماء الإغريق وفلاسفتها في أيام (حكم) البطالمة - لمصر-. وقبل أن تتفتح بذورها ويعود اشعاعها على العالم، تلقّت ضربة غير متوقَّعة بظهور المسيحية (المصرية). فوقعت مدرسة الاسكندرسة ضحية الصراع بين النفوذ الفكري الإغريقي والتحدي المصري المسيحي، والذي اسفر مع الزمن عن انتصار العنصر المصري ودخول بعض اساتذة الاسكندرية في المسيحية ليتوّجوا صرح الفلسفة المسيحية الأغريمصرية.
استمرت أفكار فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو وأبيقور مادة رئيسة في تعليم تلاميذ الاسكندرية. وبين ذلك.. كانت مسودة (جمهورية أفلاطون) موضوع اجتهاد ومباحثة فكرية عبر الزمن، ومن مفارزها الرئيسية كتاب (مدينة الله) للفيلسوف (القديس) أوغسطين أحد أبرز مؤسسي مدرسة (الأفلاطونية الحديثة) في مدرسة الاسكندرية في القرن الرابع الميلادي، والذي تحوّل إلى (آراء أهل - المدينة الفاضلة) على يد الفيلسوف ابي نصر الفارابي [874- 950م] في مجال الممايزة بين فكر كل من أفلاطون وأرسطو، وذلك في خضم تثاقف الحضارة العراقية بمنطق الإغريق، وجهود (أسلمة) الفلسفة المسيحية.
حاول المسلمون الاستفادة من فلسفة الإغريق لإنتاج منظور فلسفي إسلامي لمجتمع فاضل، يضاهي الجهد الفلسفي الاخلاقي الذي قدمه الفلاسفة المسيحيون في القرون الأولى للميلاد. وكان ذلك الجهد العقلي مبكرا في سياق الزمن على الفقه الديني، وتاليا للجهد اللغوي المستعين بالمنطق. فكان ظهورها المتدرج وازدهارها قصيرا في ضمير الزمن مثل ومضة خاطفة سرعان ما أحاطت بها أشواك الزندقة والتكفير، فجعلت منها أثرا بعد عين، وطللا من أطلال مصطلح (الجاهلية).
أضعف الايمان في المساهمة الإسلامية في الفلسفة، هي نقل تراث الإغريق عبر الترجمة من العصور القديمة إلى عتبة العصور الحديثة والنهضة الأوربية، إعادة وصل ما انقطع من الجهد الفلسفي خلال الفترة المظلمة –كما تدعى-.
حاولت الفلسفة الأوربية المعاصرة في قسميها الهيجلي أو الماركسي تقديم قراءة منطقية للتاريخ البشري بحسب منظور كلّ منهما، ولكن دون تقديم إجابة أو حلول منطقية للاشكاليات والكوارث والسقطات التي لا تكفّ عن تخلل حياة الفرد والمجتمعات. حاول ذلك اسبينوزا فوجد نفسه خارج دائرة الدين. وحاول كيركجورد ووجد نفسه داخل دائرة الدين. وبقي قويرباخ متذبذبا. لم تستطع الفلسفة تجاوز الدين، ولا استطاعت تقديم جواب محايد.
قد يرى البعض أنه ليس من واجب الفلسفة تقديم أجوبة. وظيفة الفلسفة هي اجتراح الأسئلة. ولكن المنطق لا يؤيد اجتراح الأسئلة لمجرد الأسئلة- أيضا. ما يميز الانسان ويسيّده في الطبيعة والوجود والمجتمع هو العقل.. والعقل الموضوع في أعلى نقطة من كيان الانسان – مثل المصباح-، وظيفته إضاءة الطريق لكي يسير فيه البشر. (لا أحد يضيء المصباح ويضعه تحت المنضدة، انما يضعه في أعلى مكان لينتشر نوره).
إذا كان العقل، لا يضيء لنا طريق حياتنا فما قيمته إذن. أفضل للمرء أن يحيا بلا عقل. الانسان بلا عقل يعود إلى حياة القطيع. والقطيع لا يفكر.. ولذلك يتبع. ربما القطيع يعيش بالغريزة، مثل الحيوانات والحشرات التي تتّجه وتدور وتتحرّك بالغريزة. في رواية (اليد والأرض والماء) للروائي العراقيّ الراحل ذنون أيوب يقول أحد الفلاحين: (ان لنا غريزة تساعدنا على ان نميز من يريد بنا خيرا عن من يريد بنا شرا). والبشرية اليوم تتلقّى كلّ ما تجده أمامها من منتجات العولمة، دون تفكير أو تمحيص، لأن هذه المنتجات أكبر وأعقد من قدرة الفرد على دراستها والإلمام بتفاصيلها الكاملة، واستكناه شرورها، بل أن الحقيقة كمعطيات وخبرات ليست في متناول الفرد.
العولمة ومنتجاتها، والهيمنة (الأمريكية) وسياساتها، جاءت في وقت؛ جرى فيه تدمير العالم الآخر [الثاني والثالث]؛ وتدمير امكانيات وجود مؤسسات بحثية فكرية مستقلة، تسعى بقدراتها الذاتية لتفديم رؤى وبرامج اجتماعية مستقلة، بحرية واستقلالية.
المرحلة التي تعيشها البشرية اليوم، وبدءاً من القرن الحادي والعشرين (الألفية الثالثة)، تشهد حالة احتكار كامل لكلّ مستويات ودرجات المعيشة والثقافة والاتصال. تخضع البشرية اليوم أكثر من أي وقت آخر، لنظام واحد - متشابه- بدءاً من برامج رعاية الأمومة والطفولة وبرامج رياض الأطفال والتعليم والدراسة الجامعية ووسائل وبرامج الاتصال [هواتف، انترنت، تلفزة، مواصلات، خدمات بنكية]، برامج العمل والأجور والضرائب والفواتير والمشتريات والمبيعات. وكل هذه العمليات والنشاطات تخضع لأنظمة وبرامج معلوماتية الكترونية تنتهي أو تتصل بداياتها ونهاياتها بدوائر متخصصة في وكالات الذكاء الوطني [National Intelligence Agency]. كلّ البلدان ومؤسساتها الحكومية والاهلية مطالبة بتسجيل وتمشية نشاطاتها الكترونيا. والبلدان التي لا تتعاون تُعَدُّ مارقة، وتتجه اليها جهود ومنظمات دولية تحت عناوين مختلفة لاختراقها.
ويوم أمس.. اكّد الرئيس الأميركي مواصلة بلاده التجسُّس بدون التعليق على الشكاوي الدولية بهذا الصدد (هواتف مستشارة المانيا انجيلا ميركل مثلا)، وذلك بحسب رأيه [There is nothing make us trust in them]، فهل هناك ما يدعو العالم بالمقابل للثقة بالسياسات والدوائر الأميركية وممثليها. أم أن أميركا تستخدم منطق القوة المطلقة للانفراد بقياد العالم، والأقوى يعمل ما يشاء. القوة هي القانون وهي المنطق وهي الأخلاق.
ما الذي جعل العالم بدوله ومجتمعاته، حكوماته ومعارضاته، شرقه وغربه، يساره ويمينه، ينحني للأميركان مرة واحدة. والعالم البشري لم ينحنِ بكله لربّ العالمين- خالق السموات والأرض.. حتى الآن!
السؤال هنا: أين هي الفلسفة اليوم؟.. أين هم فلاسفة اليوم مما يجري محليا وعالميا؟.. هل ثمّة عجز أم جبن أم خيانة؛ أم أن دور الرقيب الامبريالي يمنع ظهور سارتر جديد ورسل أُخُر، يرفعون أصواتهم ويقودون الانتلجنسيا المعولمة ضدَّ السياسات الدولية للقرن الحادي والعشرين.
هل هو عجز الفلسفة وتراجع الفلاسفة، أم هي إشكالية القارئ وعجز الرأي العام عن الخروج عن سلطة القطيع؟..
ما الذي أراد ألبرتو اسكو قوله في (اسم الوردة)؟.. ماالذي قاله ميلان كونديرا في (خِفّة الكائن غير المحتملة)؟ بل ما الذي قاله كولن ولسن في (طفيليات العقل)؟.. ولماذا توقّف الناقد الأدبي والاعلام العالمي الثقافي عن تفكيك المعميات، لتأخذ مكانها إلى جانب الأعمال التاريخية المحرجة مثل [الغثيان، سقوط الحضارة، قلب الظلام، عارنا في الجزائر]؟؟ أم أن عار العالم سينتظر طويلا ظهور المخلّص الذي ينقذ العالم من عاره الجديد؟..
مجرد أسئلة..