ضحكة صدام الأخيرة

وديع العبيدي قرأها 2,062

ضحكة صدام الأخيرة 

"مات صدام حسين، فليبك العراق إذن!"

اقترنت صورة صدام حسين على مدى ثلاثة وعشرين عاماً من حكمه المباشر، بملامح ضحكة تمثيلية فاضحة، في الذاكرة العراقية، تميزه عن الصورة غير الضاحكة، الأكثر جديّة وامتثالاً، لصدام (النائب)، والتي كانت في الغالب تعلّق إلى جانب صورة (الأب القائد) في الدوائر والمنتديات العامة والمطبوعات الرسمية أيام السبعينيات. لكن تلك الضحكة، المصنوعة بخبرة استشارية عميقة، والتي كانت تستثير مشاعر الكثير من المثقفين غير الرسميين، بقيت بعيدة عن الدرس والتحليل، شأن كثير من الاشياء المتعلقة بهذه الشخصية التي قلبت تاريخ العراق والمنطقة وربما العالم. وحرفت مصائر ملايين الناس عن مسيرتها الطبيعية التي كانت تندرج فيها لولا ظهوره المفاجئ في تاريخ العراق السياسي المعاصر.

يمكن تقسيم صور صدام على مرحلتين: مرحلة (السيد النائب)، مرحلة (السيد الرئيس) حسب التوصيف الرسمي له.

أول صورة منشورة لصدام تظهره ضمن ثلاثة أشخاص بالزي العسكري واقفين وراء البكر وهو يلقي كلمة عقب استلامه السلطة بعد 1968. وقد ظهرت في كتاب غير رسمي عن تلك المرحلة.

أما صورته الرسمية التي اشتهرت في الاعلام وأجهزة الدولة مرفقة بعبارة (الاستاذ صدام حسين) فكانت بعد 1972، خصوصاً ما سمي نجاح الاستثمار الوطني المباشر للنفط، والذي بالغ الاعلام في ابراز دور (الاستاذ) فيه وإضافة لقب (مهندس التأميم) تحت صورته سيما في المؤسسات النفطية والكتابات المتعلقة بذلك. ومثـّل ذلك مقدمة بروزه الاعلامي بعدئذ في إطار ما دعي مناقشات الجبهة الوطنية وندوة انخفاض الانتاجية وسبل معالجتها أواسط السبعينيات والتي حرص التلفاز العراقي على نقلها على مدى ساعات طويلة. كان صدام حسين يومذاك يشغل مراكز إعلامية حزبية (مدير الاعلام القومي) المشرف المباشر على الاعلام العراقي الرسمي والحزبي. أي أن السياسات الاعلامية وما يتعلق بها كانت بإشرافه وتوجيهه المباشر. ولابدّ للذين عملوا في مجال الاعلام الرسمي والحزبي التحلي بالجرأة والصدق والشفافية في كشف تأريخ هذه المرحلة وأسرارها التي ما زالت دفينة يكتنفها الغموض "كشف عبد الغفار الصائغ جانباً من ذلك (خلال عمله في جريدة الثورة البغدادية) في أوراق منشورة في الصحافة".

صورة صدام الاستاذ والنائب تظهره شخصية متزنة رصينة بعيدة عن الانفعال والتهّور، وأظهرته مناقشات انخفاض الانتاجية متّسماً بالصرامة والشدّة والكثير من الشعور الوطني واهتمامه بالفئات الفقيرة وأموال الشعب، قبل انكشاف مسألة الخمسة في المائة من تحويلات النفط العراقي منذ حادثة التأميم (نسبة كولبنكيان) لحسابه الخاص بعد التسعينيات. وثمة صورة أو صور أخرى كانت محدودة الانتشار، خلال حملات العمل الشعبي المتعلقة بالتنمية الزراعية أو بناء القرى الريفية يظهر فيها بالبدلة الرسمية السوداء أو بدلة العمل الشعبي الخاكية. وعلى ذكر العمل الشعبي نذكر الزيّ (السفاري) الذي شاع يومئذ على صعيد طاقم الحكومة والحزب وانتشر في صفوف الناس، وهي بدلة من قطعتين، البنطال عادي، لكن (القميص) المصنوع من نفس مادة ولون قماش (البنطال) تكون أكثر سعة ولا توضع (نهاياتها) داخل البنطال ولا يرتدى فوقها شيء. وهي مناسبة لفصل الصيف والحرارة العالية، كانت بكم أو نصف كمّ. وغالباً كانت ألوانها (ساده) غير مخططة ولا مختلطة الألوان، وأشهرها اللون الخاكي (البيج الفاتح) أو اللون الأخضر بتدرجاته وأشهرها (الزيتوني) الذي اشتهر فيما بعد (الثمانينيات) مع فارق أن القميص يوضع داخل البنطلون ويناسب أوقات البرد والحرّ. وقد تمّ ارتداء (السفاري) البيج الفاتح من قبل البكر وصدام وبقية الحكومة والمسؤولين والحزبيين حتى صار سمة لهم استمرت حتى أيام الحرب. وكان أول (تدشين) لها في زيارة حملات العمل الشعبي ولكن البكر لم يشتهر بها مثل صدام وغيره بالنظارات الشمسية الكبيرة. وقد انتشرت هذه البدلة في مصر عبد الناصر أيام الاتحاد الاشتراكي وانعكست في كثير من أفلام تلك المرحلة. وهي جزء من صرعات النظام الاشتراكي المأخوذة من أوربا الشرقية إلى جانب بعض القرارات والممارسات الجماهيرية. في هذه الفترة كانت له علاقات وزيارات متبادلة مع شيراك وفيدل كاسترو وموسكو. كان لها تأثير مباشر على ممارساته وسياسات الحكومة. كما انعكست على مظهره وسلوكه الشخصي في صوره بالنظارات الشمسية السوداء الكبيرة وتدخينه السيجارة الكوبية والبدلة القاتمة ذات الخطوط الطولية والأزرار المتقابلة المشهورة لدى شيراك.

ومع استلامه المركز الأول في الحزب والدولة في السابع عشر من تموز 1979 لم يتمّ إزاحة صور البكر (لم تكن له تماثيل أو زهوٌّ بالصور) قط، وانما إزاحة كلّ ما يتعلق بالمرحلة من صور وسياسات وتوجهات. وتمّ إعادة طبع الكتب والمناهج الدراسية لذلك العام لاستبدال صورة البكر بصورة صدام في مقدمة الكتاب. وبدأت مرحلة جديدة مناقضة، لا تختلف من حيث المضمون والتوجه، عما فعله السادات عقب رحيل عبد الناصر (السياسة التصحيحية). وتمثل ضحكته القاسية أو صورته الضاحكة المفتعلة على رأس تلك التغييرات. في هذه الصور يظهر صدام أكبر سناً، (عرض الكتفين وملامح الوجه). وقد ظهرت له في البداية صور بالبدلة العسكرية والرتبة العليا موشحة بالعبارة الكاملة التي كانت مقترنة بصور الرئيس السابق من قبل وهي (الرئيس المهيب الركن.. رئيس الجمهورية العراقية والقائد العام للقوات المسلحة).

قليلاً ما جرى الاهتمام بالمعاني التي توحي بها الصور أو يمكن استشفافها منها. وقليلاً ما جرى الربط بين صور الحاكم وسياساته الراهنة أو المقبلة. ان حكاماً آخرين مثل حافظ الأسد أو حسني مبارك نادراً ما تغيّرت صورهم الرسمية في الاعلام خلال حكمهم. والصور الرسمية لكثير من حكام أوربا هي واحدة مع بدء استلامهم مهامهم. بالاضافة لذلك لم يقتصر صدام حسين على صوره الرسمية وانما ألحقت بها صور له أثناء زياراته القطعات العسكرية أو جولاته المدنية أو غير ذلك من صور وتماثيل ربطته بمواقف أو رموز تاريخية معينة مثل نبوخذ نصر أو صلاح الدين الأيوبي أو غيرهم. ولكل واحدة من تلك الصور والتماثيل وظائف ودلالات مقصودة ورسائل موجهة للناس والمعنيين. أثناء الحرب العراقية الايرانية [22/9/1980- 8/8/1988] انتشرت لوحات جدارية له مع قادة مسلمين في غمرة المعارك، على بوابات الفرق والألوية العسكرية [كانت الفرق تحمل أسماء قادة مسلمين أما الألوية فتحمل أسماء قادتها وتتغير بتغيرهم]. لكن تلك الجداريات ومعظم صور وتماثيل صدام حسين لم تكن تحظى باهتمام أو حتى نظر الناس. وذلك في ردة فعل على سياسات الحرب والتقشف التي طالت غالبية العراقيين. وكان هذا الاهمال واللامبالاة وراء قرار رفع صورة القائد في كل موقع عمل أو متجر أو بيت. قد يكون قرار رفع الصور في البيوت السكنية مبالغة مقصودة أو زيادة في إظهار علامات الولاء والتملق الذي انتشر نتيجة الاستبداد، أو خوف بعض المسؤولين في الفرق الحزبية المنطقية التي كانت الاشاعات تشير إلى قيامهم بزيارات ميدانية للعوائل ورفع تقارير عن الذين لم يعلقوا صور صدام، في بعض الأحيان تمّ توجيه وإنذار الناس لوضع صور في منازلهم. كانت الحرب قد افترست أبناء الكثير من العوائل ونجم عن ذلك موجة من التذمر والاستياء المحكومة بالخوف سيما في ظل موجة الاعدامات التي كانت تطال العسكريين بتهمة الهروب أو التخاذل أو الحزبيين لأسباب مختلفة. ورد في وصف نهاية حكم ستالين واستلام ندّه خروشوف ذي الميول الاصلاحية، أن شوارع موسكو امتلأت بصور ستالين وتماثيله النصفية التي صارت تلقى من أبواب البيوت والنوافذ، لكن أمراً مثل هذا لم تنقله وسائل الاعلام عقب سقوط حكم صدام في التاسع من نيسان 2003 أو عقب اعتقاله في الثالث عشر من ديسمبر نفس العام. الصورة الوحيدة التي نقلها الاعلام صورة الجندي الأمريكي الذي تسلق تمثال صدام في ساحة الفردوس ووضع العلم الأمريكي في رأسه ثم سحبه بدبابة أميركية. ثم قيام بعض العراقيين بسحب رأس التمثال بسياراتهم. وقد دفع سلوك الجندي الأمريكي والدبابة الأميركية بعض العراقيين إلى تذكر ما كرّره بعض قادة البعث العراقي عقب انقلاب شباط الدموي ومنهم علي صالح السعدي: جئنا للسلطة في قطار أمريكي سريع أو على ظهر دبابة أميركية أو ما أشبه. وأورد طارق عزيز تلميحات قريبة من ذلك في مقابلة مطولة لجريدة الدستور الأردنية معه عام 1992، حول علاقة شخصية كانت تربطه هو وصدام وبريماكوف وآخرين – تعود الى عام 1959م، وبريماكوف هو آخر شخصية دبلوماسية غادرت العراق عام 1991 قبل بدء العدوان الجوي الامريكي على بغداد-!. كما أن لفّ العلم الأمريكي على رأس صدام له دلالة خطيرة غير خافية. ومازالت تنتشر أخبار عن علاقة صدام بالادارة الأمريكية أو تجنيده في خدمة المخابرات الأمريكية منذ وقت مبكر. ونقلت بعض القنوات الفضائية صورة لصدام بالبدلة العسكرية ورجل كبير في السن يضربه بالنعل على نظارته الشمسية، وقد ذكر ان الرجل فقد ابنه على يد صدام.

الأبعاد الاجتماعية والنفسية للصورة

لا تشكل الصورة شغلاً شاغلاً للفرد العراقي بشكل عام. وكثير منهم يحتاجونها عند بلوغهم سنّ الدراسة أو الحصول على هوية الأحوال المدنية أو شهادة الجنسية العراقية. وحتى وقت قريب لم تكن الكامره موجودة في كل بيت. كما أن أجهزة الفيديو والفيديو كامره كانت على قائمة الممنوعات البعثية للفرد العراقي. وفي ألبوم العائلة العراقية نجد أن الاهتمام نما بعد السبعينيات ولغرض الذكرى أو التوثيق. أما التصوير من أجل التظاهر أو التباهي فلا يمثل حالة عامة. ولدى المقارنة مع فترة نشأة صدام حسين، فأن الكثيرين من أبناء جيله ومن بعدهم حتى عهد قريب لا يمتلكون ألبومات شخصية ما خلا صور محدودة من الوثائق الرسمية. كما أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي له قبل السلطة لم يكن مهيَّأً لإشباع نزوته الغريبة. وهو أمر لا ينسجم مع عدد الصور التي نشرت عن فترة صباه ومراهقته. وقد روى لي أحد أصحاب المكاتب القديمة في شارع الرشيد عن وجود صورة له في مكتب أحد المحامين في الخمسينات. قد تكون تلك الصورة قد التقطت له مصادفة من قبل محلات التصوير القليلة يومذاك، ولكن ماذا عن الصور الأخرى!. في مذكراته يروي الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عن لقاء مع فيدل كاسترو. يتم اللقاء في منزل بسيط في منطقة سكنية شعبية. أثناء اللقاء وأثر حركة عفوية يهجم عليه كاسترو. يقول موضحاً أن كاسترو اعتقد انه يمدّ يده للكامره لالتقاط صورة. ولذلك سارع لمنعه بصورة تلقائية. كان كاسترو مستهدفاً من قبل الامركان ويتخذ غاية الحذر. أهمية هذه الحادثة تنبع من اعجاب صدام بشخصية كاسترو الخاصة كما سبق، يضاف لذلك لاحقاً تعميم وتقنين ارتداء القيافة العسكرية على قيادات الحزب والدولة. ولم يظهر هو بالبدلة المدنية طيلة رئاسته إلا في مناسبات قليلة مثل أعياد ميلاده بالبدلة البيضاء. بدلة الخاكي لم تكن من مقتضيات حالة الحرب، ولا الجوع للرتبة العسكرية المجانية، ولكن لمنحه صفة المناضل الذي لا يني يقاوم الأمريكان ليل نهار. تقليد مجاني آخر للزعيم الشيوعي الأكثر زهداً وشعبية. المثال الأقرب لنزعة الهوس الصدامي بالذات يأتي من جهة أخرى. رئيس جمهورية كوريا الشمالية كيم إيل سونغ. ليس مصادفة، أن ينتشر في العراق، أواسط السبعينيات، كتاب مصور عن هذا الزعيم طباعة فاخرة وبالورق الصقيل. أيام لم يكن مسموحاً دخول الكتب الأجنبية للسوق العراقية، وسيما الكتب السياسية والشيوعية تحديداً. كان الكتاب حافلاً بالصور الشخصية المزوقة. بعد عقد على ذلك كانت صور مماثلة لصدام في مختلف مراحل حياته ولعائلته الصغيرة والكبيرة تنشر في أجهزة الاعلام المرئية والمقروءة. صدام هو الذي جعل مصوراً خاصاً ضمن طاقم خدمي وإعلامي كبير، يرافقه ويعرف الزوايا التي يلتقط منها الصور لتحقيق الصورة المتصورة عنه وبما يعالج أزماته النفسية المؤرقة أفضل من أي طبيب ومعالج نفسي. وفي الكتب الكثيرة المكتوبة عنه بثمن أو بغير ثمن، نماذج من ايل سونغ العراق. وفي عهده، كان لكل جريدة رسام خاص لرسم صورة القائد، وتحاول كل جريدة نشر صورة تخطيطية جديدة، وكانت تمنح هدايا وأجوراً باهظة لقاء الرسم (الف دينار عراقي مكافأة صورة تخطيطية لوجه صدام تنشر في صدارة الجريدة). وصار الفنانون يتسابقون لتقديم الجديد والمثير في هذا المجال. مثل أكبر صورة، أكبر بورتريه، أكبر تمثال. كما أصبح رسم صورة صدام وسيلة للحصول على المال أو الشهرة لدى البعض. ولا شكً أن المصوّرين والرسامين الذين نجحوا في تحقيق رغائبه النفسية ونرجسيته الفظيعة، كانوا أقرب الناس إليه وأفضل خدامه.

وعندما وقع بأيدي الأميركان شعر بغبطة مفاجئة عندما رأى الكامره وراء الجندي الأميركي فوقف أمامها جيداً فاتحاً فمه إلى أقصاه. ويرى الدكتور محمد عبد المنعم المحجوب أن رؤية صدام للكامره أعادت إليه مشاعر الزهو والغرور، متناسياً الحفرة التي كان يتخفى فيها تحت الأرض وأوامر الجندي الأميركي التي يمتثل لها. وهو الذي لم يخلع البدلة ورتبة مهيب الركن التي لا يوجد ما يضاهيها في الجيش الأمريكي أو غيره. والشخصية التي وصفها شوارزكوف كجنرال حرب ناجح. ان حالة قائد حرب رابع جيش في العالم مثل صدام وهو يتوسّل جنديا أميركياً، هي صورة أخرى لإهانة الانسان العراقي وإذلاله؛ تجد مثيلاً لها في حالة امبراطور الحبشة الأخير عندما رفض الغرب لجوءه ثم قدّم طلباً للحصول على حقوق تقاعدية كعريف سابق في الجيش الفرنسي. علاقة صدام النفسية بالكامره، هي التي تقود إلى مفارقة أخرى، وذلك عندما يحضر للمحكمة مكبّل الأطراف وعندما تنزع عنه الأغلال ويبدأ بالاستماع لأسئلة القاضي، يستعيد شعوره بالزهوّ واعتداده بنفسه فيصحح للقاضي الشاب، صدام حسين رئيس جمهورية العراق. متناسياً مرة أخرى صورة الأغلال التي تنتظره. فالصورة والكامره هي التي تقنع صدام بشخصيته القيادية وتجعله ينسى طفولته وأصوله المتواضعة التي مازالت مثار شكوك المؤرخين الأجانب والعرب. ان شخصية صدام الحقيقية وكيانه المنشود هو ما تجسده الصورة والفيلم. وليس ما يتمثل به ويقال عنه في الأوساط الشعبية. هذا الانفصام التام بين التحقق والتصور، بين الكائن وبين ما يتم تجسيده، بين الكينونة والرغبة، الواقع والحلم، شخصية صدام الانسان، وصدام المسخ الذي رسمته الاقلام والكامرات ونسبت إليه تاريخاً قائماً على السطو والتزوير، من تاريخ ميلاده المزور المستنسخ عن تاريخ ميلاد عبد الكريم الشيخلي إلى شهاداته المدرسية المزورة بالعشرات والصادرة من أرقى مدارس بغداد، إلى قصص بطولاته ونضالاته ومقاومته الاسطورية للأميركان. لعله لم يُكتب عن شخصية عربية كما كتب عن صدام، ولم يكن مثار اهتمام وفضول وشكوك مثله، ورغم كل ما كتب وقيل، فماتزال الذاكرة الشعبية العراقية تعرف عنه الكثير، ويبقى الغموض يكتنف هذه الشخصية من ميلاده حتى مصيره المؤسف.

***

صدام حسين المجيد التكريتي (28/ 4/ 1937- 30/ 12/ 2006) سياسي عراقي وقائد في حزب البعث العربي الاشتراكي، شارك في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959م وحكم بالاعدام غيابيا وهرب الى سوريا عبر الحدود ومنها الى لبنان ثم مصر. عاد للعراق عقب انقلاب الثامن من شباط 1963م التي اقامت الجمهورية الثانية بتحالف التيار الناصري وحزب البعث العراقي، وكان الشخصية الثانية في قيادة الامن الحزبي وتطبيقات ما عرف بقرار مكافحة الشيوعية في العراق. وينسب اليه المؤرخ حنا بطاطو دوره في تشجيع قريبه احمد حسن البكر الزعيم العسكري للعب دور سياسي والانضمام لحزب البعث، والذي اصبح رئيس وزراء حكومة شباط 1963. بعدالخلاف الناصري البعثي، وضع قادة البعث في السجون ومنهم صدام ورفاقه، وهنا برز دوره السياسي الاعلامي في اصدار جريدة الاشتراكي من داخل السجن، والتمهيد لانقلاب 17/ 7/ 1968م التي حكم البعث العراق من يومها حتى التاسع من نيسان 2003 موعد الغزو الامريكي للعراق. رفض صدام حسين كل عروض الاستقالة واللجوء المقدمة له من اطراف عربية واجنبية، وبعد الغزو لم يهرب خارج بلده، وتخفّى بين العشائر والبيوتات البغدادية، على أمل قيادة حرب الغوريلا ضد الاحتلال، ولكن خيانة بعض مقربيه والجماعة الكردية التي ائتمن نفسه لديهم، سهّلت وقوعه بيد الامريكان الذي فبركوا قصة الحفرة والمعاملة المهينة لاسقاط شعبيته واهانته الشخصية امام الاعلام، وهو ما تكرر مع شخصية الرئيس الليبي معمر القذافي واهانته امام شعبه والاعلام، مما ينافي الأعراف الدولية لمعاملة أسرى الحرب ومواثيق حقوق الانسان. ويعتبر صدام حسين اكبر واقوى شخصية عراقية معاصرة بعد نوري السعيد، ومن أبرز القادة العرب المعاصرين. وضع فيه شاعره الشخصي عبد الرزاق عبد الواحد قصائد جليلة رفعته لمرتبة التأليه، ولعل مما قاله: اذا قال صدام قال العراق!، والتي استبدل فعلها إلى (مات/ غاب) لتكون: إذا مات صدام مات العراق، مصداقا لما أكده واقع الاحتلال منذ 2003م، وانحطاط العراق وشعبه خارج التاريخ.

 كُتب المقال في اوائل 2006م ويعاد نشره اليوم بعد مرور عقد على كتابته.