إنجاز قانون الأحزاب خطوة نحو تشريع أو تعديل قانون الانتخابات
بعد سنين من الصراع في ظل ظروف صعبة غير طبيعية أنجزَ البرلمان على الرغم من علاته قانون الأحزاب الذي يعتبر ثمرة نضالية لجهود القوى الوطنية والديمقراطية ومكسباً جماهيرياً لطالما طالبنا بإقراره تنظيم عمل الأحزاب وحرية التعبير والانتماء بعد التجاوز المستمر على حقوق المواطنين السياسية وحقوق الأحزاب الوطنية الديمقراطية، وإنجاز هذا القانون يعد أحد أعمدة بناء الدولة المدنية الديمقراطية وتداول السلطة سلمياً وتحريم إنشاء الأحزاب على أسس التعصّب العنصري القومي والإثني والطائفي الذي نما وترعرع في ظل المحاصصة الطائفية، القانون المذكور على الرغم من وجود الثغرات في بعض مواده لكنه يبقى قيد المراجعة والنضال للتعديل وإصلاح الثغرات وقد أشار لها رائد فهمي نائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي أثناء حديثه مع جريد طريق الشعب "القانون لا يخلو من بعض نقاط الضعف، منها عدم تحريمه إنشاء أحزاب على أسس طائفية أو أثنية وقومية وإنما اكتفى بتحريم تلك التي تقوم على أساس التعصب الطائفي أو الأثني والقومي" ونستطيع أن نشير إلى قضايا أخرى لكننا سنبقيها في مقال خاص بقانون الأحزاب المنجز.
ان القوانين التي تقوم عليها الدولة المدنية الاتحادية كثيرة ولكل قانون منها أسبقية في الإنجاز وأحد أهم هذه القوانين هو قانون الانتخابات التشريعية وقانون المحكمة الاتحادية والمصالحة الوطنية وغيرهم من القوانين، كما أن قانون الانتخابات التشريعية له مكانة مهمة في تثبيت حقوق متساوية للقوى السياسية والمواطنين ولا يمكن الحديث عن دولة دستورية ديمقراطية بدون أن يُسَنَّ قانونٌ للانتخابات لا يغبط المكونات حقَّها في الوصول إلى البرلمان بدون عراقيل تتجاوز حقوقها وسلْب أرادتها أو التأثير عليها مادياً ومعنوياً ودينياً وطائفياً وبعد الإنجاز لقانون الأحزاب فان المرحلة تتطلب المضيَّ في تشريع قانون انتخابي متكامل أو تعديل قانون الانتخابات المعمول به الذي أصبح شبه عائق أمام القوى الوطنية الديمقراطية ومنها سلْب الأصوات التي تمنح لهذه القوى وتعدُّ بعشرات الآلاف، مثلما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، واليوم نعتبر المرحلة هي الكفاح المتواصل من أجل تعديل أو سنّ قانون انتخابات حضاري يتماشى من تطورات البناء وللتخلّص من الإرهاب وداعش والمليشيات المسلحة وأطُرها المافيوية، تعديل القانون بعدما جعلوه طيّعاً لفائدة الكتل المتنفّذة متجاوزين حقوقَ الأحزاب الأصغر برلمانياً، والقانون الجيد هو أحد الأعمدة الأساسية في بناء الدولة الديمقراطية، ولهذا نجد ضرورة التعديل أن يبدأ على قاعدة مركز انتخابي واحد يشمل كل البلاد داخلياً وخارجياً، فالحزب أو الكتلة التي يصوَّت لها أو لأحد أعضائها يجب أن لا تُسرق بحجّةٍ تُعْتمد لهذا الغرض أو ذاك ويمنع الاستيلاء على الأصوات وتوزيعها بين الكتل الكبيرة مما يؤدي إلى:
أولا: إضعاف تمثيل القوى الوطنية والديمقراطية والاشتراكية لأن نظام الدوائر الانتخابية المتعدّدة هو الذي ساهم بعمليات الاستيلاء على عشرات الآلاف من الناخبين وحرمانهم من ممثليهم الحقيقيين في البرلمان.
ثانياً: انخفاض عدد نواب القوى الوطنية والديمقراطية التي يتم الاستيلاء على أصوات الناخبين بينما تستفيد الكتل الكبيرة في زيادة نوابها (وعلى سبيل حتى لو لم يحصل احدهم على (100) صوت مقابل مرشح من القوى الوطنية والديمقراطية أو غيرها إذا حصل على(10) الآلاف صوت لان دائرة الانتخابات تحدد مثلاً (ب 12) ألف صوت للمرشح كي يكون عضواً في البرلمان) ولدينا أمثلة وبالأسماء وعدد المصوتين لهم فالكثير من هؤلاء لم يحصلوا على (200 أو 300) صوت صاروا أعضاء مجلس النواب وآخرين انتخبوهم بالآلاف لكن أصوات ناخبيهم استولى عليها أصحاب (ألـ 200 أو 300) صوت بواسطة الكتل الكبيرة ونظام الدوائر الانتخابية، وبكل شفافية يستخلص المرء بالمكشوف ترحيل صوت الناخب الذي أدلى بصوته لانتخاب مرشحه إلى مجلس النواب إلى مرشح آخر لا يعرفه أو سمع عنه وهو مخالف بصراحة للمادة (20) من الدستور العراقي.
وفي إشاراتنا حول أهمية إنجاز قانون الأحزاب نؤكد أن إنجاز تشريع قانون انتخابي أو إجراء التعديلات الضرورية على قانون الانتخابات المعمول به وفي المقدمة اعتبار البلاد مركزاً انتخابياً إضافة إلى تعديلات أخرى مهمة ليصبح قانون الانتخابات قوة إضافية للمضيّ في بناء الدولة المدنية الاتحادية وتقليص نفوذ وهيمنة الكتل صاحبة القرار التي استغلت قانون الانتخابات القديم المعتمد على نظام (سانت ليغو المعدّل) الذي يتم احتساب أصوات الناخبين وهذا الاحتساب حسب النظام المشار إليه سوف يقوم بحجب مقاعد البرلمان عن الأحزاب الأصغر لصالح أحزاب الإسلام السياسي المتنفذة وهو ما حصل وتمّ الاستيلاء على عشرات الآلاف من الأصوات التي صوّتت لصالح الأحزاب الوطنية والديمقراطية، ونظام سانت ليغو المعدّل يختلف مع سانت ليغو غير المعدّل الذي لا يسمح للكتل والأحزاب الكبيرة من الاستيلاء على أصوات الأحزاب الأصغر وهذا النظام يطبق في العديد من الدول الأوربية وأثبت نجاحه في مضمار توزيع الأصوات الانتخابية ويضمن مشاركة جميع الكيانات لان تحقيق الأمان والسلام والتعايش بين جميع المكونات العراقية كبيرها وصغيرها يتطلب الاشتراك بالمسؤولية في التشريع وفي البرلمان لأنه السلطة التشريعية، ولا يمكن أن يتحقق جزء غير قليل من العدالة من خلال قوانين غير منصفة وناقصة وتحمل في موادها ثغرات يستفيد منها مكوِّنٌ أو حزبٌ أو تكتّلٌ سياسي وفي الجانب الثاني تتضرر أطراف أخرى لها استحقاقات قانونية وسياسية واجتماعية.
ان الإسراع في إنجاز قانون الانتخابات سيساهم بالتأكيد في الاستقرار ويقوى لحمة الوحدة ويعزز السلم الاجتماعي، سيكون إضافة حضارية تساهم في البناء والتقدُّم وبالتالي لها ليس فوائد على المستوى الداخلي فحسب بل خارجياً سيعزز القرار العراقي المستقل ولا يسمح بالتدخل في شؤون البلاد بما فيها العلاقات مع البعض من القوى السياسية العراقية طائفياً وعرقياً، سيساهم إنجاز قانون انتخابات حضاري وعادل نسبياً في انبثاق برلمان حقيقي يمثل أكثرية المواطنين بالاعتماد على المواطنة ولا سيما إذا لم يعتمد تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية واعتمد على الدائرة الانتخابية الواحدة كي "بصراحة" لا تُسرق أصواتُ الناخبين والاستيلاء عليها وفي المقدمة أصواتُ المكونات الصغيرة، نحتاج إلى قانون انتخابي عادل وعاجل لكي يساهم في اكتمال سلسلة البناء والتقدم لدولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون وديمقراطية يتمتّع بها المواطن على المستوى الشخصي وتتمتّع بها جميع المكونات في العراق وتستفيد منه القوى السياسية والدينية التي تؤمن بتبادل السلطة سلمياً والتخلّص من كل أنواع الإرهاب وحصر السلاح بيد الدولة.
سَنُّ قانونٍ للانتخابات التشريعية، بما فيها مجالس المحافظات، مطلبٌ جماهيريٌّ واسعٌ وهو بالتأكيد سيحدّد وينظّم عمل البرلمان، الممثل الحقيقي للشعب بكل مكوناته وأطيافه.