اتفاق الصخيرات وإشكالية الخيال السوسيو- سياسي

عزالدين اللواج قرأها 807

 اتفاق الصخيرات وإشكالية الخيال السوسيو- سياسي

كما كان متوقعاً، تخلّى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر عن نظرية الـ80 من الليبيين الذين يريدون اتفاق الصخيرات، وعن الشاحنة التي يمكنها السير على الطريق بدون رخصة قيادة، ليعترف عبر قناة سكاي نيوز عربية بوجود مقاومة داخلية شرسة لذلك الاتفاق.

سبق لبعض علماء السياسة أن نبّهوا لخطورة فهم وإدارة النزاعات في دولة عالمثالثية مثل ليبيا من منظور كونها حققت بعد استقلالها عن المستعمر نمط الدولة السوسيو - قانونية المكتملة.

مقاربات أولئك العلماء تميزت فرضياتُها بالتمرّد على الأطروحات التنموية التي تبنّتها المدرسة السلوكية بشأن بناء دولة ما بعد الاستقلال، والتي ارتكزت على رؤى أثنو-مركزية، راهنت على إمكانية وجود نموذج دولتي في العالم الثالث، يكون مماثلا لذلك النموذج المطبق في الدول الغربية، فهذه الأخيرة لم تحقق دولتها القانونية والمؤسساتية إلا بعد حقبة من الصراعات والحروب التي مكّنتها من تحقيق توازنها المجتمعي، والظَّفر بالشرط السوسيو –دولتي اللازم لذلك التوازن، ومن ثم انتقلت للضفة القانونية والمؤسساتية.

كان على مهندسي آليات تطبيق اتفاق الصخيرات مراعاة ذلك، والانتباه لمسألة الحسابات الجهوية للفاعلين السياسيين والاجتماعيين، والتي فرضتها متغيرات عدة أبرزها متغير توظيف غريزة الخوف من اللاعدالة المناطقية، والإرهاب الثورجي والداعشي، وما يرافق ذلك من تأويلات تعزز من تنامي التناقضات التي تقف وراء النزاع.

لا يوجد في ليبيا مجتمع مدني قادر على أن يخفّف من وطأة تداعيات الهوية المنفردة، التي تراهن في لحظات التأزم المجتمعي على انتماء وهمي وأحادي للأقليم أو القبيلة أو الزعامة المؤدلجة، وبالتالي فإن الانحياز لسطوة المتغير الخارجي، واستنساخ آليات معالجة نزاع، مرتبطة بنموذج دولتي لا توجد مقوماته المعنوية والمادية على أرض الواقع هو كما ذكرنا سابقا مجرّد عبث لا يصب في مصلحة خيار السلم والاستقرار.

إن الوضع الليبي الراهن لا يحتاج لإلغاء اتفاق الصخيرات، بقدر ما يحتاج لساسة يملكون خيالاً سوسيو -سياسياً قادراً على فهم الدوافع المجتمعية للنزاع، وذلك حتى يتمكنوا إبان تطبيق ذلك الاتفاق من إدارة ملفّ تحفّظات كل طرف، ومن قيادة وتوجيه تلك الدوافع نحو السلم الأهلي وليس العكس..

*كاتب وباحث ليبي -"بنغازي"