فرنكشتاين العراقي
الدعاية الأميركية المضادة لنظام صدام حسين لقيت استجابة غير متوقعة من قبل بعض العراقيين، وبشكل فوري يفوق التصور، وهو أمرٌ لم يحدث في ألمانيا رغم مرور أكثر من نصف قرن على الدعاية المضادة لهتلر والمستمرة في الإعلام الغربي.
خلال زمن يسير أصدرت المطابع الغربية مئات الكتب عن صدام ونظامه والعراق، ولم يكن يمر يوم لا يتردّد فيه إسم الرئيس العراقي الأسبق في وسائل الإعلام. ولم يتأخر العراقيون في الاستعراض والمشاركة ضمن الدعاية الغربية المضادة لبلادهم، مانحين أنفسهم صورة الضحية. فيما كان تركيز الإعلام الغربي على الكرد باعتبارهم الضحية الكبرى لنظام صدام، في مقابل استخدام اليهود في حالة هتلر.
الدعاية الأميركية ضد صدام حسين كانت صورة طبق الأصل من دعايتها ضد هتلر، مع فارق واحد. ان دعايتها ضد هتلر جاءت بعد موته ونهاية حكمه، بينما كانت دعايتها ضد صدام خلال حياته.
وحتى اليوم تعتبر مواد الحرب الإعلامية الأميركية ضد أعدائها حقائق علمية وسياسية فوق مستوى الشك أو المناقشة على الصعيد الإعلامي أو الأكاديمي أو السياسي، وتلاحق العقوبات الجائرة كل من يتعرض لها من قريب أو بعيد.
فرانكشتاين- مصطلح أميركي ذي صيغة لغوية جيرمانية، يتكون من مقطعين: فرانك، كلمة تعود على الفرنسي/ الفرنجي؛ وشتاين، لفظة ألمانية بمعنى (حجر)، وتستخدم أداة نسبة تلحق بها أسماء الأمكنة والإعلام والأشخاص مثل بورغرشتاين وآنشتاين. وتقابلها بالانجليزية كلمة (ستون) بنفس المعنى والنسبة في الأسماء مثل: ونستون، كنغستون، برنغستون. والاستخدام الأشهر لها منذ أيام الرومان هو: مايل ستون [milestone] المستخدمة في تحديد المواقع الجغرافية وحساب الطرق، وتعادل نقطة الصفر في اللغة العربية.
لماذا (فرانكشتاين) وليس (انغلستون) مثلا؟..
لابد من هذا السؤال للوقوف على المرجعيات الثقافية التاريخية في اختيار ونحت المصطلحات. كما أن المصطلح عموما لا يولد مرة واحدة، قبل أن يمر بمراحل من الاستعارة والكناية والاستدلال الشعبي قبل أن يأخذ صياغة رسمية ثابتة تحل محل سواها.
والمصطلح حسب تصنيفه في قاموس الذمّ، استند إلى مدلول تراثي قديم يعود في أصله لتلك العلاقة أو النظرة السيئة للأميركي نحو الفرنسي تحديدا، والعنصر الأوربي الجيرماني عامة.
وقد كان الفرنسيون في صدارة الأوربيين في استيطان العالم الجديد الشمالي عقب اسئئثار الأسبان والبرتغاليين بأميركا الجنوبية. لكن فكرة الاصلاح الانجيليكاني انطلقت من انجلتره، مستخدمة التأويل التوراتي لاعتبار الأرض الجديدة هي كنعان – أرض الموعد التي حوّلت موجات البحث عن الثروة إلى حملات صليبية لإعادة استيطان واحتلال الأرض ومنحها مسميات أرض كنعان ورموزها الدينية.
فالحروب الأهلية الأمريكية كانت في أصلها بين المكونات الأوربية المتعددة للمستوطنين والقراصنة التي أخذت صور تحالفات شمالية جنوبية، شرقية غربية. وتقسيم القارة الشمالية إلى ثلاث دول شمالية وجنوبية وبينها الولايات المتحدة الانجليزية هي من آثار الصراع القديم على الأرض الجديدة.
بل ان الآثار القديمة مازالت تطبع العلاقات الأميركية مع كل من فرنسا وألمانيا، بالمقارنة مع العلاقات الودية المتماهية في بعضها بينها وبين انجلتره.
أول استخدام أدبي للكلمة جاء في رواية ماري شيللي التي حملت عنوان (فرانكشتاين) عام 1918 واستعيرت عام 1910 في فيلم من انتاج ستوديوهات أديسن. ومنذئذ تعدّدت استعاراتها واستخداماتها في مجال الأدب والفن والعلوم. ومنها رواية الدوس هكسلي (عالم جديد آمن) عام 1932 ورواية جورج أورويل المسماة (1984) الصادرة عام 1948، اللذين استخدما الشخصية في مجل النقد السياسي، وتحولت لدى الأخير إلى الدكتور فرانكشتاين. وفي باب الدلالة عن كل عمل شرير يسجل ضد مجهول، أو لا يجرؤ الناس على تسمية مَن وراءَه.
والاسم الكامل للشخصية التي يتعدد التأويل حول مرجعيتها التاريخية هو (فيكتور فرانكشتاين) كناية عن شبح غير منظور، يتحكّم في الجانب السيء من حركة الواقع.
مصطلح فرانكشتاين يقابل مصطلح علي بابا أو حسن الأسود في القرون الوسطى في وصف الغرب للعثمانيين مثلا. وما تزال ثمة ألفاظ رمزية نابية توصف بها كل جماعة أو شعب غير أوربي الأصول.
يبقى أن شيوع أو إشاعة فرنكشتاين عالميا يأتي ضمن تيار العولمة ومنح المصطلحات والرموز الأميركية صفة عالمية موحدة، مثل الثياب الجلدية والكابوي والوجبات السريعة كالمكدونالد والبورغر والهوت دوغ وغيرها من منتجات السينما والسياسة والحياة اليومية الأمريكية .
وليس من الغريب أن يكون العراق المحتل أول حاضنة لمنتجات السوق والسلاح والثقافة الأمريكية، ومن بينها مصطلح الإرهاب وفرنكشتاين. وليس من الغريب أيضا ان يكون نوري المالكي – رئيس وزراء حكومة الاحتلال [2006- 2014] هو من يصدر قانون 4 ارهاب لملاحقة وتصفية كل من يناوئ الاحتلال وزبانيته، فيما تسجَّل كل أعمال العنف والجريمة والتصفيات الفردية والجماعية ضد مجهول عام اسمه الحركي (فرنكشتاين).
هذا الشبح أو المجهول السياسي في الدمقراطية الغربية ليس سوى السلطة السياسية ومن يحبك خيوطها من وراء الكواليس.
تطبيق عراقي..
الولايات المتحدة التي احتلت العراق عام 2003 لم تأت بمفردها، وانما نقلت بمجيئها تنظيمات القاعدة من أفغانستان إلى العراق ومن تورابورا إلى الفلوجة. وتم تسجيل كل أعمال المقاومة ضد الاحتلال والعنف المحلي باسم (القاعدة) التي كان لها وجود متواضع على الأرض، ولكنه وجود خيالي تبالغ فيه وسائل الإعلام. هدف الولايات المتحدة من وراء الاستخدام الإعلامي لاسم القاعدة كان مزدوجا: أولهما، أن العراقيين يرحّبون بالاحتلال الأميركي لبلادهم، والثاني أن للقاعدة وجوداً رئيساً في العراق، يدعم مزاعمها السابقة عقب انفجارات نيويورك حول علاقة القاعدة بنظام صدام. وبحسب الروح الأسطورية لدلالة فرانكشتاين، فقد صورت وسائل الإعلام رموز القاعدة تصويراً أسطورياً بدأ من شخصية بن لادن نفسه إلى أبي مصعب الزرقاوي وأبي أيوب المصري وغيرهم قبل أن تتبخر تلك الصور والرموز وتظهر شخصية أبي بكر البغدادي عقب الانسحاب الأمريكي الرسمي من العراق وتجري نسبة أعمال العنف والمقاومة والمعارضة إلى تنظيم داعش الذي وصفه المؤرخون الغربيون باعتباره الجيل الثالث من تنظيم القاعدة. ولم ينقطع الإعلام العراقي الرسمي عن ترديد اسم القاعدة ونسبة كل الشرور المصاحبة للاحتلال والفساد السياسي إليها.
في السياسة المحلية كان ثمة شبحٌ آخر يتهدّد مناماتِهم ويقظتَهم، ليس هو شبح القاعدة الإعلامي الذي يعرفون حقيقته أو مغزاه الرسمي. فقد تعارف المسؤولون المحليون في كل موضوع يتعلّق بمطاليب الناس للإصلاح والخدمات البلدية لتوجيه أصابع الاتهام للنظام السابق وحجم الخراب الموروث، مع ترديد وترويج المطالبة بتطبيق قانون اجتثاث البعث كضرورة لعودة الأمن والاستقرار والتنمية. وكان نوري المالكي أكثر مسؤول رسمي اعتاد ترديد اتهاماته لحزب البعث في معظم خطاباته، وسيما للرد على المظاهرات الشعبية التي عمّت بغداد والمحافظات العراقية عام 2011 متّهِما بوقوف تنظيمات البعث وراءها، ومبرِّرا لنفسه بذلك تسليط مليشياته الأمنية الرسمية وغير الرسمية لمنعها وتصفية نشطائها. وبينما تحولت المظاهرات في المحافظات الغربية الستّ إلى اعتصام مفتوح، أطلق العنان لاستخدام أنواع البطش العسكري والبوليسي والسياسي، واصفا المعتصمين ومطاليبهم الوطنية بمؤامرة بعثية، وبالشكل الذي أنتج ما دُعي لاحقا بأزمة الأنبار ومجازر الفلوجة والحويجة وظهور تنظيم داعش في يونيو 2014 وسيطرتها على أربع محافظات شمال وغرب العراق وطرد قوات الحكومة، مما شكل سببا مباشرا لسقوطه وتحميله مسؤولية الأحداث.
حزب البعث في تاريخه وفكره ونشأته كان حزبا عربيا وطنيا، عُرف بسياساته التنموية ونهجه الواضح والصارم في التصدي لقوى الاستعمار والصهيونية والرجعية المحلية. وقد أنجز خلال حكمه نهضة عمرانية وثقافية وتنمية اجتماعية اقتصادية يشهد لها المعنيون. كما بنى أحد الجيوش العقائدية القوية في المنطقة والعالم، مما سوّغ استهدافه من قبل القوى الامبريالية العالمية.
ولكنه في نفس الوقت، ومثل كل الأنظمة الأخرى، لم يكن معصوما من الأخطاء على الجانب الاخر، وفي مواجهة التحديات المحلية والاقليمية المناوئة لخطه السياسي وقوته المهددة لمستقبلها. تلك القوى غير البعيدة عن ممالأة الأهواء الخارجية وكما أعلنت الأيام حقيقتها اليوم.
هذه الصورة الموجزة بكل تفاصيلها، هي موضعُ حَرَجٍ وأرقٍ وتحدٍّ للطغمة السياسية التي جاءت مع الاحتلال، سواء في نشأتها وتاريخها أو في أدائها وولاءاتها الخارجية المفضوحة. فحاولت عبر تشويه النظام السابق تبرير نفسها وإسباغ نوع من الشرعية على نفسها وانسياقها مع العدو.
عمدت كل سياسة الاحتلال والحكومة المحلية لاستخدام مسميات القاعدة والنظام البعثي للتغطية على مشروعها التخريبي واللا إنساني في العراق والمنطقة، مطلقة العنان لنفسها لتحقيق الاستغلال الأمثل لفرصتها التاريخية النادرة، بشكل غيَّب عنها وعي الجماهير للعبة، وعدم خنوعها الأبدي. ففي الحادي والثلاثين من يوليو 2015 سقطت عباءة فرانكشتاين وانكشفت عورة الاحتلال وزبانيته وعادت الجماهير العراقية لتأكيد مطالبها الوطنية بالاصلاح ومكافحة الفساد والمفسدين.
وفي حين لم يتورّع ساسة الاحتلال في تسمية رموز القاعدة والنظام السابق في باب الاتّهام والتجريم، صدرت تعليمات رسمية ودينية مشدَّدة بعدم تطرُّق المتظاهرين للمسميات السياسية والدينية، وحصر المطالب والشعارات في الأطر السلمية العامة.
فالسلطة السياسية وباسم الدمقراطية والعمل المدني، تستمر في الدفاع عن فلسفة فرنكشتاين وعدم إسقاطه سياسيا. وإذا كانت الثقافة الغربية على مدى يقارب القرن حتى الآن، قد حافظت على معصومية الشبح الشرير، فإن نسخته العراقية والعربية في طريقها لحفظ التقليد الغربي وتعريبه وتعريقه لخدمة سلطة الشر الدمقراطية، وإبقاء الجماهير في حلبة الدوران حوله.
لندن في أول سبتمر 2015