رسالة إلى الكاتب الجزائري عبد المنعم بن السايح

حسام محمد قرأها 740

كتب الروائي الجزائري عبد المنعم بن السايح:

"سأحاول الذوبان في تفاصيل وطن آخر، وطن شريف لا يشبه هذا الوطن" فأجبت بقلم معجب:

إلى الكاتب الأخ عبد المنعم بن السايح أطيب سلام...

استفقت يومًا على صوت الرصاص المطاطي، والحي المتعطش لدماء الشباب. هنا في فلسطين استُبدِل صوت الحمام والبلابل بالقنابل والرصاص على شتى أنواعها، ولم تعد الأشجار تنتفض حين يدوي صوت الدبابات، ولازالت الأرض عطشى لدماء كل من يغار على حفنة تراب من وطنه، أو كل من قرر إن يلغي الحاجز الفاصل بين حيفا ونابلس، سواء كان فلسطينياً أو امرأة تحجب جمالها بالكوفية.

يغلبني الظن أحيانا إن هذا الشريط من الأشلاء، الغاز المسيل للدموع، ورائحة المياه الكريهة -التي تستعمل لفض المظاهرات- ودموع الأمهات، وفرحة الأخوات، والأعلام الفلسطينية التي يكفَّن بها الشهداء بدل ان ترفع لتعبر عن أصحاب الأرض، ابتداءً من اللاجئين والمشردين والنازحين والمقاومين وسكان الضفة الغربية والذين لم يتنازلوا ولن يتنازلوا عن حيفا والخضيرة والفولة وأم مبلس داخل الخط الأخضر والغزاويين الأبطال.!! هذا الشريط لن ينتهي أبدا مادام هناك شعبان على بقعة ارض أخذت بالتلاشي.

أتخلى عن معشوقتي للوقت قليلًا، اختبئ تحت ركام الحياة، ابتعدت عن الحب والحرب، لأرى وجعك على وطنك ينهش ما بقي لك من أمل، ويحطم لك من أحلام، ثم تتمنى وطنًا آخر أكثر شرفًا من الذي يحتويك؟

"ما حد بيعرف قيمة إلي عنده غير لما يفقده". بالطبع لا أتمنى لأي إنسان أن يفقد وطنه، ولا احلم سوى بوطن عربي واحد خلاب. لكن اعتقد انك قريبٌ كثير من ذاك الوطن، وتلك المسافة بينك وبينه زرعت نسيانه في ذاكرتك وهمشته. ذالك لأنك قريب جدًا منه ولا تطمح لان يكون لك وطن، فهو يربت عليك كلما تذكرته، وتمتلكه كلما خرجت عن الحدود قليلًا.

لكن ماذا نفعل نحن الذين نحصد جثثًا كل نهار، وتفجر عيوننا نهرًا من دموع بعد كل غروب؟ أترانا نبكي على حبيبة خانت، أو جوع انتابنا؟

نحن لا نزرف الدموع إلا لشهداءَ معطرين، أو لزيتونة اقتلعت، او لدخان أسود منعنا من رؤية زرقة السماء. لوطن فقدناه بسذاجتنا المطلقة، وحدود غيروها بطيبة قلبنا البيضاء.

نطمح لان يكون لنا وطنٌ صغير، يداعبنا كلما بكينا، يزرع لنا الورود لا الصواريخ، نحتضنه، نضمّه كلما مرت ذكرى بالبال. لديك انت وطن، نحن لا. وألف الحمد لله على ما مَرّ بنا وعلى ما سيشهده التاريخ.

أيها الرائع الجميل، ذو الحروف الرائعة والكلمات الجميلة لمَ لم تختر الا ان تكتب جملة واحدة تصف فيها حلمك بالانعتاق من وطنك؟ أعَجِزَ القلمُ عن خطِّ أسطر تصف فيها جمال وطنك؟ أنسيت العلم، النشيد الوطني والجنسية؟ كلها جميلة وأنت تحت شجرة ما، على تراب ما في تقرت جميل وتتسم بالجمال. فلماذا تبحث عن وطن اخر؟ لديك وطن وتبحث عن آخر، ونحن هنا في جنين والشجاعية وقرية دهمش ليس لدينا وطن مثلك. وإن أصبحنا على تحرير هذه البلاد لن نتمنى ان يكون لنا وطنٌ أفضل بكل ما فيه من سيئات.

اعتقد إن نظرتك للوطن هي من تجذبك نحو أحلام وهمية، تصور لك الوطن بأبشع صورة. لكن انظر من حولك وستجد انك الأغنى في بلاد العرب! وإن قصّر الوطن بحقك، ادعمه، ابدأ أنت بتحسينه ولا تنتظر أن ترى وطنا آخر على ارض الواقع أو في سماء الأحلام.

معجب بما لديك من كلمــات..