إيقاعات 1

نمر سعدي قرأها 1,281

إيقاعات 1  


تقتصُّ مني لمسةٌ شمسيَّةٌ 
أو نقرةُ العصفورِ حينَ تحطُّ في قلبي
المسوَّرِ باليقينِ وبالظنونْ 
تقتصُّ مني الحكمةُ السوداءُ..
(نزوةُ شاعرٍ في الأرضِ فانيةٌ
وكلُّ الأغبياءِ مُخلَّدونْ)
تقتصُّ مني وردةٌ ناريَّةٌ بيضاءُ 
تشبكها الحياةُ بشَعرها الغجريِّ..
ناعمةٌ وقاسيةُ الحقيقةِ والعيونْ.
*
على يدي حجرٌ قاسٍ يصيرُ إلى
عبيرِ سوسنةٍ.. لو زارَ مخدَعَها
على شفاهي رمادٌ شعَّ.. في جسدي
ماءٌ يعلِّمُ موسيقايَ أضلعَها
تقولُ آخرَ هذا اليومِ: خُذ بيدي
من أوَّلِ الرعشةِ الصغرى لأسمعَها
كأنَّ روحيَ في الكونينِ ما لمستْ
سرَّاً بأصبعها إلاَّ ليوجعَها
تحتاجُ قلباً سلوقيَّاً لتتبعَهُ
حتى سماءِ الأغاني لا ليتبعَها
أقسمتُ باللهِ لو جُرِّدتُ من شبَقي
لصرتُ خيطَ هباءٍ ذائبٍ معَها
لو دمعةٌ هيَ في آجرِّ قرطبةٍ
لأحرقتْ قلبَ من في الأمسِ ضيَّعَها
ما من وصولٍ حقيقيٍّ أو امرأةٍ
تعطي لأبعدَ حزنٍ فيَّ أذرعَها.
*
غرِّري بي كالحياةِ وكالقصيدةِ ما دمتُ واجهتكِ بطيبةِ قلبي وبوردةِ صراحتي البيضاء.. لم أكن أعرف أنكِ بحاجةٍ إلى قدرٍ غيرِ قليلٍ من المكرِ والمراوغة والحيلة..
سأغتابكِ بقلبي بعفويَّةِ المسافرِ الضجر وعصبيَّةِ الشعراءِ المزاجيِّين.. فماذا يفعلُ شاعرٌ بطيبةِ قلبهِ في هذا الزمنِ الوغد؟ يأخذها إلى بيتهِ أو إلى الركنِ القصيِّ في مقهىً أو معبدٍ ويحضنها طوالَ الليلِ؟
*
كانَ لزاماً على القلبِ أن يعتذرْ
لسيِّدةٍ زوَّجتْ غيمةً لينابيعها
ولهاويةٍ شبهِ بحريَّةٍ 
ولرملِ المتاهةِ أو للمعلَّقةِ العاشرةْ
وكان لزاماً عَليْ 
أن أتمَّ القصيدةَ في آخرِ الصُبحِ
أو أقرأ البحثَ عن سرِّ رائحةِ الجسدِ الأنثويِّ
وتأثيرِ دورتهِ القمريَّةِ ليلاً على العطرِ 
أو حينَ يشربهُ القلبُ في جرعةٍ من ظمأْ
كان يجدرُ بي أن ألمِّعَ معنى الصدأْ 
بماءِ المجازِ وبالرعويَّاتِ أو بدمِ العاشقةْ 
ولكنني دون جدوى أكافحُ انفلونزا الزهورْ
منذُ شهرٍ ونصفٍ.. 
وحُبَّ حزيرانَ أحلى الشهورْ
*
لسعةُ السخريةْ
تتحرَّشُ بي وتقودُ دمي
في مهبِّ الفراشةِ
أو في قطارِ المساءِ
إلى عبثٍ نزِقٍ قد يؤدِّي أخيراً 
إلى التوريةْ
*
شكرا إلهي على كلِّ نورسِ ماءٍ
لهذا النهارِ الجميلْ 
مسَّ قلبي وطارَ بغيرِ احتراقٍ..
وشكرا إلهي على كلِّ شيءٍ
خصوصاً على وردةِ اليأسِ 
حينَ تشقُّ بأشواكها القلبَ
شكراً على ندمٍ من دمٍ
وعلى صخرةٍ تنهشُ الصدرَ
في شمسِ مكَّةَ
شكراً على المستحيلْ
*
مرَّةً وأنا أتجوَّلُ في حقولِ إحدى القرى الريفيَّةِ
تطلبُ مني امرأةٌ أن أصطادَ لها الغريري
الذي سطا على كلِّ دجاجاتها الحمراءْ
ولكن كيفَ أصطادُ حيواناً جميلاً كالقطِّ
يبكي فيشبهُ صوتُهُ بكاءَ الأطفالْ؟
*
النجمةُ هيَ روحُ قصيدةٍ انفصلتْ عنها
قبلَ ملايينِ السنينِ الضوئيةِ 
وتحوَّلت إلى حجرٍ مضيءٍ على حافةِ الكونْ
بينما البحرُ هو جسدُها المشرَّدُ في السماءْ
*
الفكرةُ تولدُ من قلبي ومن وجعِ الأشجار في الذاكرةْ
*
عزيزي يا ديكَ الجنِّ 
دواءُ كآبتكِ الشهريَّةِ 
صومُكَ عن شفتَينِ من التوتِ المعقودْ
عن جسدٍ تعصرُهُ شهوتُكَ السوداءُ 
كعنقودِ العنبِ الحِصرِمْ
وصياحُكِ في الفجرِ المشهودْ:
يا حوريَّةَ قلبي.. يا وردةَ أعضائي.. يا وردُ..
الماءُ تيبَّسَ في جسدي 
مذْ صامَ دمي عن تمرِكِ
منذُ تكسَّرَ آجرُّ الرغبةِ في صدري..
يا ديكَ الجنِّ
تأمَّلْ وردتكَ البيضاءَ
تأمَّلْ غيمةَ عانتها في أوجِ الصيفِ
تأمَّلْ وردَ وضوءَ محارتها الزرقاءِ وطرْ 
عن جرحٍ جمالٍ يتوَّجعُ أو عن ثغرٍ يفتَّرْ 
يا ديكَ الجنِّ كسَرتَ بأفعالكَ ظهري
ومزجتَ رمادَ أنوثةِ من أحببتَ 
بخمرِ الشِعرِ.. 
ألا تندمْ؟
*
الطواويسُ تسهرُ حتى الصباحِ معي 
قربَ شبَّاكِ غرفةِ نومي على شجَرِ السنديانِ.. 
تنادي على امرأةٍ غائبةْ
*
هيَ لم تقلْ شيئاً 
أنا أيضاً نسيتُ ولم أقلْ شيئاً
ولكني بكيتُ بغيرِ ما سببٍ
شعرتُ بوخزةٍ في القلبِ
أو وجعٍ خفيفٍ في المفاصلِ..
ثمَّ قامتْ في رؤايَ
فناولتني شهدَها بالزنجبيلِ
وبالبنفسجِ في العيونِ
وألقمتني زهرةً بريَّةً
ثمَّ اختفتْ
فشربتُ من كأسي على مضَضٍ
ونمتُ على ثرى وجعِ
البنفسجِ في العيونْ
*
للكمنجةِ قلبٌ وللنايِ دربٌ فسيحٌ
ولي فكرةٌ غيرُ شِعريَّةٍ 
حولَ أشياءَ لا تنتهي
تكملُ الآنَ سهرتَها في مجونْ
ويكملُ حشدٌ من الناسِ
في هذهِ الأرضِ
حرباً إضافيَّةً في سكونْ
*
ضاقَ قلبي ليتسعَّ البحرُ 
والأرجوانُ قليلاً
وليلُ القصيدةِ
حتى حدودِ السنابلِ.. 
يا لهبَ الأقحوانةِ
يا شَعرَها الغجريَّ الطويلْ
كن لوجهي ملاذاً 
وكن لشفاهي رذاذاً
فإنَّ فمي زنبقٌ ذابلٌ في براري الجليلْ
*
كنتُ في صغري أنحني
مثلَ غُصنٍ وديعٍ 
لأسرارِ سيِّدةٍ من رخامْ 
تعلِّمني كيفَ أجعلُ من جرَسٍ في الحديقةِ
ليمونةً لأصابعِ نعناعها المتوهِّجِ حتى البكاءِ
ومن حجرِ الوردِ دمعَ الغمامْ
وترشدني في طريقي الى النزواتِ الصغيرةِ.. 
تطعمُ قلبي الذي جاعَ مليونَ عامٍ وأكثرَ 
خبزاً دحتهُ على خصرها بحليبِ الكلامْ
كنتُ في صغري أستغيثُ بأنهارها 
وبنخلِ جدائلها
وأعيشُ حياةَ الحمامْ
*
كم الساعةُ الآنَ يا ذئبُ؟
قلبُكَ مُنتَهكٌ
واشتهاؤكَ في كلِّ أرضٍ مشاعُ..
تأجَّلَ موتُكَ كُرمى لسيَّدةٍ
في المزاميرِ تلهو وتلعبُ..
وانفرطَ الخرزُ الدائريُّ بأسفلِ ظهركَ..
يسهرُ إيقاعُ عينيكَ في الصخرةِ الساحليَّةِ
يرثيكَ ليلٌ مُضاعُ
سوفَ تقضمُ تفاحةَ الشهوةِ الآدميَّةِ 
يوماً بكلتا يديكَ
وتشربُ نهرَ الجمالِ بأكملهِ 
وهو يشطرُ صحراءَ روحكَ ظُهراً
إلى كوكبَيْ عطشٍ نادمينِ 
ولن ترتوي أبداً...
لن يقودَ دماءكَ حتى النهايةِ
إلاَّ جنى الشجرِ المشتهى
وستخرجُ منكَ شعوبٌ جياعُ
*
هل لكِ أظفارُ مهاةٍ أم أضغاثُ ورودٍ حُبلى؟
*
العبثُ المرئيُّ الأسودُ والصامتُ
يجعلني لا أقرأ شيئاً ممَّا أقرأُ..
*
الكآبةُ الخفيفةُ أحيانا تجعلني لا أفقهُ شيئاُ ممَّا أقرأُ
حتى لو كانَ ما أقرأُ كتابَ اللاطمأنينة لفرناندو بيسوا
أو روايةَ ساعي بريد بابلو نيرودا لأنطونيو سكارميتا
أو قصائدَ لوركا الغجريَّةْ
أو الكوميديا الإلهيَّة لدانتي
*
من مشرقِ الشمسِ حتى مغربِ التيهِ
طارتْ بزورقِ أشواقي قوافيهِ
هل من سحابةِ وصلٍ فيكِ يا امرأتي
تأتي الكآبةُ منها كالكتابةِ إذ
أنسى الشراكَ وأنسى الوقتَ..؟ كيفَ إذنْ
أرضى بأصغرِ أظفارِ المهاةِ..؟ ألمْ
أنزعْ لها ضلعَ تحناني وأرميهِ؟
*
يتركُ الشاعرُ العاشقُ الحرُّ دمعتهُ فوقَ خدِّي 
وفوقَ يديَّ ويذهبُ حتى أقاصي المطرْ
شاعرٌ ليسَ يعرفني وأنا لستُ أعرفهُ
قلبُهُ مثلَ نجمٍ صغيرٍ يضيءُ وجوهَ الشجرْ
شاعرٌ..
واسمهُ في كتابِ الندى وسرابِ المجرَّاتِ 
غسان مطرْ
*
قلقي الوجوديُّ العظيمْ
لا القدسُ.. لا حيفا ولا يافا الجميلةُ 
خفَّفتْ منهُ.. 
ولا المدنُ/ النساءُ 
ولا شوارعُها / الغيومْ
قلقي مقيمٌ ها هنا وأنا مقيمْ
وكأنَّ ضوءَ اللهِ في قلبي 
وشبهَ حمامةٍ روحي تحومْ

***

 فلسطين