مدنٌ ترحل في العزلة
في بادية المدن البدوية
ترهبني العزلةْ
ترهبني فكرة أن أبني بيتاً
أو غرفة
خوفاً من صاعق.
توجعني أحلام اليقظة
أتقلّب طول الليل
وأعدّ النجم المترامي فوق رؤوس البدو الرحَّل
فيغنّي الرجل الحالم تحت مياه البحر الأبيض
وينادي البحر الأحمر:
"البحر بيضحكْ مهموماً
والبحر الغدار الراجل لا يرحم**"
أعجيبٌ أمر القلب؟
ليس عجيباً،
أن يشغل وجداني، الصوتُ القابع في صدري المنفى
يعذرني من يسمع صوتي
فيبشّر بالقادم من عمق شجوني
صوت الريم الهارب سراً
قرب الخيمات الجنيّات
لا صوتاً أسمع في المنفى
إلا صوت أنين الريم المرسوم على الوجه المختوم
الصرخة ليس لها معنى
إن كانت خافتة
أو كانتْ مسموعةْ
لكن الأمر المعتاد
في ظل القطران المغلي
القطران المتربّع فوق الهامات
أغريبٌ لا معنى قرار؟
ليس غريباً أن تنزف حتى العظمِ بيادق كانتْ
تتقاذف فن اللّغَط المسموم
فتغوص الأرجل.. جرداء كلون الأرض العطشى
في منقار فتاوى مشغوفة باللون، وبأقفاص القطران
أن تنظر في الأفق
وتتابع ذاك الصوت المخزون
صوتٌ يتدرج في ماخور الحرفة
إلا لو كانتْ امرأة..
امرأةٌ من أصداف البحر
امرأةٌ حبلى بالألياف البشرية
تنقل صوت البحر وأصوات الجنيات
في الخيمة المعزولة.
امرأةٌ كانتْ تبكي الجسد الخاوي
من أملٍ في نفخة ريح
أبواب الخيمة في الربع الخالي
بوابات جحيمٍ مكتومة
بدماء كالشمع الأحمر
لا يدخلها إلا الباكي
والمتحسّر
والشاكي
المتعفّر
والراكض خلف الأشجار
بتراب المدن العزباء..
مدنٌ تسكر من قحطٍ، قرب المقبرة الباكر
قرب الفسحة من رمل متخثّر
أدماء تلك دماء نساءٍ مختومات؟
أدماء المرقومات بلون أسود؟
أدماء المختارات بحكم الفسحةْ؟
أدماء البَيض المفقوس بوطء الأقدام؟
تتوطّد في أعراس دماء الخيمة
وجهات في التقسيم الجغرافي
تتقاسمْ كل جهات البادية..
مدن تتقلّب بالمقبولات
حيث شرار التفجيرات
يتقافز عند المنحدرات
مدن ترخي، تتوخى الخدر المستعجل.
...................
...................
أتدثر في بادية المدن المسحورة بالمدعوات
أسمع أصوات بكاء مجروح
أسنين العتمة لا تنهي
جزعي المكبوت؟
هذا الدمع المسفوح!.
مدنٌ تسقط في التبشير
مدنٌ تستيقظ في التفجير
مدنٌ تقفز فوق الذاكرة
مدنٌ كالمومياء تحاكي المنصوص
تجلس فوق رماد الوقت المشبوه
تركع في سابقة الركض بلا أهداف..
أمَوتٌ يمشي في الطرقات؟
هذا المخزون بلا ميلاد
أمَوتٌ في الطرقات؟
من يقبل بالقتل؟
سننٌ تقبل بالقتل الميراث
وتقول الدنيا خير
والمدن البادية راحت تتنابذ بالألقاب
ونساء في سوق نخاسةْ، عصرية،
كدليلٍ للرجعةْ
وشعارات التضليل المسبوقة بالوعد القادم
الوعد دخول الفردوس دون حساب
وشعارات تغلق نور العقل
كدليل للتزييف
كي تغلق بوابات المدن المعطوبة أصلاً بالعِصّابات..
فتراودني الفكرةْ
أن لا أبني بيتاً
أو أسكن غرفةْ
في مدنٍ يملؤها الخوف من الماضي
وتخاف المستقبل!
** للشاعر المصري احمد فؤاد نجم، بتصرف
1/6/ 2015