جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه

رؤوف قبيسي قرأها 3,420

جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه

أساءَ إلى ترجمة عمّه ميخائيل وعَبَث في معاني جبران وأحلامه 

جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه 

يتساءل المرء، ساعة يقع نظره على كتاب فتًان، لجهة الغلاف والورق الألوان، مثل كتاب "جبران خليل جبران - المؤلفات الإنكليزية الكاملة معرّبة" الصادر عن دار "نوفل" للدكتور نديم نعيمه، اذا كان مضمون الكتاب (800 صفحة من القطع المتوسط) يماثل جمال شكله وألوانه، وما إذا كان فيه فائدة إضافية تؤمل، خصوصاً إذا علمنا أن الترجمة العربية لأعمال جبران الإنكليزية سبق وأن نشرت غير مرة، منذ رحيل جبران عام 1931 إلى اليوم.

جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه

يتساءل المرء أيضاً ما إذا كان في كتاب نديم نعيمه من جديد، أو إذا كان ما يرمي إليه هو أن يقول لنا، إن الترجمة العربية لمؤلفات جبران الإنكليزية السابقة، ومن ضمنها "النبي" سيئة، أو لعلّها لم تطابق الأصل ولم تفِ بالمراد، علماً أن بعض من نقلها إلى العربية أدباء كبار مثل ميخائيل نعيمه ويوسف الخال، والمطران أنطونيوس بشير، وآخرون نذكر منهم سركون بولص، وثروت عكاشة، ويوحنا قمير، وجميل عابد، وعبد الكريم عجير، ونوئيل عبد الأحد.

جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه 

لا نعتقد أن هناك كتاباً بالأجنبية تُرجم إلى العربية بعدد المرات التي ترجم فيها كتاب "النبي، حتى بالقياس إلى  كتب أشهر من كتاب "النبي" بما لا يقاس، مثل مسرحيات شكسبير، وكتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت"، ما يجعلنا نتساءل عن هذا الدأب المستمر على ترجمة أدب جبران إلى العربية، وعما إذا كان هناك من نرجسية، تدفع من يقول:  الحق الحق أقول لكم يا بني أمي، أنكم لم تفهموا جبران بعد كما يجب، أما أنا فأفهمه أفضل مما فهمتموه! يتساءل المرء أيضاً ما إذا هناك من شعور دفين باللاوعي لدى بعض المترجمين، يدفع صاحبه ليقاسم جبران حظه من المجد والخلود، وسعي متواصل لاستعادة جبران قسراً وقهراً من أميركا التي احتضنته وأعطته لغتها وثقافتها، والتي منها وحدها انتشر أدبه في العالم الواسع؟

***

 جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه

في كتابه، لجأ الدكتور نديم نعيمه إلى وضع فهرس لموضوعات كتاب "النبي" وبرّر ذلك بالقول: "ليس لكتاب النبي فهرس في الأصل؛ بل أسئلة متوالية يطرحها أهل أورفليس على المصطفى فيجيب عنها الواحد بعد الآخر في مقاطع تقصر أو تطول. قد وضعنا نحن فهرساً لهذه الموضوعات ليسهل على القارىء الرجوع إليها في مواضعها". ليعذرني الدكتور نديم الذي جالسته غير مرة، وأقدّر علمه وثقافته، إذا قلت إن كتابه، وجهٌ آخر من وجوه هذا العبث! وهل يعتقد الدكتور نديم أن جبران وناشر كتبه "ألفرد كنوف" كانا من ضعف الرؤية، بحيث لم يفكرا في وضع فهرس لموضوعات "النبي"؟! فــ"النبي" ليس بحاجة إلى فهرس، بل أن الفهرس يفسده. هو ليس كتاباً من كتب الأشياء والعلوم التي يتناولها طلبة المدارس الابتدائية والثانوية. جمال الكتاب في إيقاعه المتواصل الآسر، والذي لا يحتاج إلى أبواب وحواش وهوامش. هو مثل وجوه جبران الطليقة الحالمة، والخارجة عن ضروب التصنيف ورتابة الدوائر والمعايير والخطوط. هو مثل جدول ينساب بهدوء، ولا يفسد سحره إلا تحديد منبعه ومصبِّه، أو كحديقة غنَّاء، روعتُها في وهجها وغموض وحدتها المتكاملة، وهي تَفسد ساعةَ نضع عند مدخلها خارطةً تشير إلى الأمكنة التي فيها الورود وشقائق النعمان، و"المْطَل" الذي ينبت عليه الزنبق والأقحوان، أو الزاوية التي تنمو فيها وريقات بخور مريم. وضْعُ فهرسٍ لكتاب "النبي"، كوضع فهرس للكتاب "المقدس" يضمُّ أبواباً مختلفة: باب لمريم، وباب للمجدلية وآخر للسامرية، وباب لبطرس، وآخر لأندراوس، وباب للجحيم وباب للنعيم، على نحو تصبح الأناجيل فيه مثل كتب الفلسفة والعلوم، أو الكتيبات الدالة على كيفية استعمال الأدوات الكهربائية!

لجبران الحق في أن يُبقي كتابه كما هو، لا أن يأتي أحد من بعده أحد فيغيره، لأن كتاب المؤلف أو الشاعر جزء من نفسه. ولجبران الحق في أن تبقى كتبه كما تركها، وكما أرادها أن تكون! نعرف أن الدكتور نديم قد بذل جهداَ كبيراً، وأنفق وقتاً طويلاً على هذه الترجمة العربية لمؤلفات جبران الإنكليزية، وكان يستحق على عمله ثناءً وتقديراً، لو أن هذه المؤلفات لم تترجم بعد إلى العربية، على رغم اعتراضنا على كثير مما جاء في عمل الدكتور نعيمه، لكن بما أنها سبق وترجمت، وبترجمة جميلة، فلا داعي لترجمتها مرة ثانية، إلا إذا أراد المترجم الجديد، أن يسفّه الترجمات السابقة، ليمتطي جواد جبران ويشاطره حظه من الشهرة!

جبران خليل جبران في ترجمة نديم نعيمه

***

تضم  المجموعة أعمال جبران الإنكليزية التسعة بدءاً بكتابه "المجنون" الصادر عام 1918، ثم "السابق" 1920، و"النبي" 1923، و"رمل وزبد"1926، و"يسوع ابن الإنسان" 1928، و"آلهة الأرض" 1931، والكتابين اللذين صدرا بعد وفاته وهما "التائه" 1932، و"حديقة النبي" 1933، إضافة إلى مسرحيتين صدرتا بعد وفاة جبران، وهما "لعازر وحبيبته" و"الأعمى".

يكتب الدكتور نديم نعيمه عن سبب تعريبه أعمال جبران فيقول "إنه السبب عينه الذي حمل ميخائيل نعيمه سنة 1956 على تعريبه النموذجي لكتاب "النبي". ويضيف قائلاً: "لقد شق عليه (أي على ميخائيل نعيمه) أن جبران الذي عرفه واستمع إليه في صومعته النيويوركية يقرأ عليه إنكليزياته، هو غير جبران الذي يُقدَّم إلى الناس في بلاده معرباً، فآثر أن يوطّنه ولو من خلال أثر واحد؛ أقله من خلال الكتاب الأهم الذي قامت عليه شهرته، لا في الأقطار الأنلكوساكسونية وحدها فحسب، في سائر أقطار العالم، وهو كتاب النبي".

إذن، الآن عرفت أيها القارىء الكريم "السبب عينه" الذي حمل الدكتور نديم نعيمه على إعادة تعريب جبران، وهو أن الترجمات العربية لأعمال جبران الإنكليزية السابقة، قصّرت عن "توطين" جبران، أي هي بمعنى آخر، ترجمات ناقصة! هل يعرف الدكتور نديم أن كلامه يسيء، ومن حيث هو لا يدري ولا يريد، إلى الترجمة التي وضعها ميخائيل نعيمه لكتاب "النبي" والتي هي بنظري أفضل ترجمة عربية لهذا الكتاب الصغير الذي وصفته ماري هاسكل، ملاك جبران الحارس، بأنه أجمل كتاب أُلِّف حتى الآن؟ "The most beautiful book ever written"

إذا كان الدكتور نديم يعتبر الترجمة العربية لكتاب "النبي" التي وضعها  ميخائيل نعيمه نموذجية، فلماذا عرًب "النبي" من جديد، وبلغة لا تقارن في نظري بلغة ميخائيل نعيمه، المسبوكة بجماليات التطرية الفنية، والفهم العميق لروح جبران وأحلامه وخيالاته، وإيمانه بأن الموت ولادة أخرى، واعتقاده الراسخ بعالم اللامحسوس والوحدانية الكاملة الشاملة، وهي القيم التي آمن بها ميخائيل نعيمه نفسه، وكتب فيها أجمل الفصول، وجسّدها أعظم التجسيد في كتابه الشهير "مرداد"؟!

نقتطف على سبيل المثال، فقرة من كتاب "النبي" تُظهر طبيعة الترجمة عند ميخائيل نعميه، ونظيرتها عند الدكتور نديم نعيمه، وهي الكلمات التي يخاطب فيها المصطفى البحر، لحظة أذنت فيها ساعة رحيله عن أورفليس. ولو أردتُ أن أجاري هوايَ لنقلتُ الكثير من الفقرات التي تظهر الفارق بين الترجمتين، لكن المجال هنا لا يتّسع. وأترك القارىء الكريم ليفاضل ويرى:

يترجم ميخائيل نعيمه كلمات المصطفى للبحر على هذا النحو: "وأنت أيها البحر الشاسع. يا أيتها الأم الهاجعة، فيك وحدك السلام والحرية للجدول وللنهر. سيدور هذا الجدول دورة بعد، سيهمس بعد همسة في هذه الغاب، ومن بعدها سآتيك قطرة لا تحد، إلى محيط لا يحد".

وهاكم ترجمة نديم نعيمه: "وأنت أيها البحر الرحيب والأم التي لا تنام. أنت وحدك واهب السلام والحرية للنهر والجدول. فقط انعطافة أخرى سينعطفها بعد هذا الجدول. فقط كركرة بعد أخرى له في هذا المدى، ثم أنضم إليك قطرة بلا حد إلى محيط بلا حدود".

ليس هذا فقط!  أساء الدكتور الترجمة في هذه الفقرة البسيطة ثلاث مرات، إلى الحد الذي يحملنا على الظن بأنه ربما يكون قد أساء في كثير من المواقع، لكننا نكتفي بالفقرة المذكورة أعلاه فنرى أنه أخطأ في ترجمة عبارة:  sleeping mother  فترجمها "بالأم التي لا تنام" في حين أن العكس هو الصحيح، أي الأم النائمة، أو الهاجعة. أخطأ أيضاَ في كلمة glade وترجمها "المدى" في حين أن المعنى الصحيح هو الغابة التي تجري فيها الجداول والأنهار، كما ترجم  murmurالفعل بالكركرة، في حين أنه الهمس أو الهفيف. أما الكركرة فتعني الضحك الشديد، أو الصوت العالي، وقد تعني، كما في قواميس اللغة، الصوت الجوفي، لكن في حال واحدة فقط، وهي الكركرة في البطن!

وإذا تخطينا الترجمة الحرفية، نجد الدكتور نعيمه قد قصّر تقصيراً فاضحاً في فهم عالم جبران المؤمن بالتصوّف وتناسخ الأرواح ووحدة الوجود. فحين يخاطب المصطفى البحر بالأم النائمة، فيعني أن البحر هنا هو الروح الكلية السرمدية التي تحن إليها النفس الباحثة عن الإنعتاق من عالم المادة إلى عالم الروح الذي لا يحد، أي عودة الجدول والنهر إلى المصب الأخير، البحر الذي منه أتيا، الأم النائمة الساكنة الهاجعة، لا "الأم التي لا تنام"، كما عرًب الدكتور نديم، والتي تبدو في تعريبه وتعبيره، أماً نزقة متوترة مصابة بالقلق، لا يريد أحد من أبنائها أن يلوذ إليها أو يعود!

***

في المقدمة لكتاب "التائه" في الصفحة 633 يقول الدكتور نديم: "إن جبران الذي تحول في مطلع الثلاثينات من عمره إلى الإنكليزية، كوسيلة للتعبير عن نفسه، لم يصدر طوال هذه المرحلة الأخيرة من حياته، مرحلة الرجولة والاختمار والنضوج، أيُّ مؤلف باللغة العربية". لو راجع الدكتور نديم كتاب عمه ميخائيل نعيمه عن جبران، لوجد في صفحاته الأخيرة رواية "ملك البلاد وراعي الغنم"، التي كتبها جبران بالعربية وكان مقدَّراً لها أن تنشر في جريدة "السائح" أوائل سنة 1931. لكن "السائح" سبق جبران إلى "الدار الثانية" ببضعة شهور، فنشرها ميخائيل نعيمه في كتابه المذكور عن جبران، مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، ما يؤكد أن جبران كتب بالعربية في السنوات الأخيرة من حياته ولو أشياء يسيرة، ولم يكن كتابه "العواصف"، الذي صدر في العالم 1920، كما قال الدكتور نعيمه، هو آخر ما كتب بالعربية!

يذهب الدكتور نديم إلى أبعد من ذلك، يرتكب إثماً بحق جبران، ولغة جبران العربية، بأن يعيد كتابة ما كتب جبران بالعربية، إذ يقول "إن جبران كان يضمِّن إنكليزيّاتِه أشياء كان قد سبق له أن نشرها في عربياته، لكن حرصاً على أسلوب جبران الإنكليزي، جعلنا نتجاوز الأصل العربي لهذه المقطوعات، ولو جبرانياً، وإعادة تعريبها أسوة بشقيقاتها الأنكلوساكسونيات"! يذكرنا هذا العبث بالذين عابوا على جبران لغته العربية وخطًأوه في النحو والصرف والإملاء، منهم الدكتور عمر فروخ وسامي الخوري وروز الغريب، فتصدى لهم العالم باللغة، الدكتور إميل بديع يعقوب في كتابه "جبران واللغة العربية" وفي قاموسه "قل فهذا صواب" فدفع عن لغة جبران وخطّأ مخطّئيه.

 كم يتمنى المرء لو أن جبران الساحر في خيالاته المجنحة، ومقدّراته البيانية، واستعاراته وبدائعه الفريدة التي ميّزته ككاتب عظيم، عرب مؤلفاته الإنكليزية بنفسه، لكان وفّر عليه وعلينا كثيراً من العبث الذي لحق بأدبه. لكن جبران انشغل في السنوات العشر الأخيرة من حياته، أي بعد صدور "النبي" الذي لقي رواجاً واسعاً، بكثير من الأمور، ما اضطره إلى أن يواصل التصوير والكتابة في الإنكليزية ليزيح عن نفسه الفقر الذي لازمه طوال حياته، من دون أن ننسى معاناته المرض الذي أودى به وهو في الثامنة والأربعين من العمر.

المعروف أن مؤلفات جبران الإنكليزية كانت قد ترجمت إلى عربية اعتاد الناس قراءتها وتقبّلوها وحفظوها، وقد ترجمها الأرشمندريت أنطونيوس بشير الذي عاصر جبران يوم كان جبران لا يزال في قيد الحياة. يعترف الدكتور نعيمه للمطران بشير "من فضل وحق سبق في نقل جبران الإنكليزي إلى لسان بني قومه" لكن طموحاته، أي طموحات بشير، وفق قول الدكتور نديم، "كانت على ما يبدو أوسع وأضخم من إمكاناته، فلا هو استطاع أن ينفس في لغته نسمة من الروح الشعرية والجرس التوراتي في لغة جبران، ولا استطاعت مقاصد الشعرية الروحية في مؤلفات جبران أن تنفذ متكاملة إلى الارشمندريت وأن تتجسد"!

في اعتقادنا ان في هذا الوصف تهمة ظالمة، هذا مع اعترافنا بأننا لم نتمكن بعد، من إجراء مقارنة كاملة بين ترجمات بشير، وترجمات الدكتور نعيمه إلا في "النبي" و"المجنون" مقارنة بالنص الإنكليزي، حيث بدت ترجمة بشير أرقّ وأجمل لجهة المفردات والإيقاع، وأقرب إلى روح جبران وإلى "الجرس التوراتي" من ترجمة نعيمه.

مهما يكن، فإن ما رأيناه في هذين الكتابين، يقدم لنا دليلاً على أن الترجمة الكاملة للدكتور نعيمه، لن تضيف جديداً إلى المكتبة العربية في ظل الترجمات الأولى التي اعتدنا قراءتها، اعتيادَنا سماعَ أغنيات فيروز القديمة التي لحّنها "الأخوان رحباني"، بألحان استأنسنا بها مع الأيام ولا نريدها أن تتغير!

بقي من الحق أن نشير إلى أن جبران كان معجباً "بحماسة وعزم" بشير في الترجمة، كما جاء في رسالة له إلى ميخائيل نعيمه مؤرخة في 11 آب 1923 وفيها يقول جبران إنه صرف الساعات الطوال مع الأرشمندريت بشير في مراجعة "السابق" و "المجنون". أما إشارة الدكتور نديم إلى رأي ميخائيل نعيمه في "قطعة أو قطعتين" من ترجمات بشير، والإيحاء بأن "ناسك الشخروب" قد يكون وجدها "رديئة" فتهمة لا تستقيم، وهي وإن صحّت، فأمرُها يتّصل "بقطعة أو قطعتين"فقط! وفي كتاب "جبران خليل جبران - شواهد الناس والأمكنة" للشاعر هنري زغيب يقول أندرو غريب إن ميخائيل نعيمه سأل جبران رأيه في ترجمات الأرشمندريت أنطونيوس بشير العربية لمؤلفاته، أي مؤلفات جبران الإنكليزية، فكان جواب جبران "ليكتب بشير كما شاء، وكيف ترجم ستكون روحي فيه". وهذا دليل إن لم يكن قاطعاً، لكنه يوحي بأن جبران كان راضياً عن ترجمات المطران بشير، الفاهم لغة جبران وما يكتنفها من خيالات أثيرية قيثارية وشاعرية روحية.

***

في مكان آخر من كتاب الدكتور نعيمه  تبدو "لبننة" جبران واضحة، إذ يتحدث عن جبران "المهاجر" وكأنه رجلٌ راشدٌ اختار الرحيل عن موطنه لبنان بملء إرادته، علماً بأن جبران وُضع على الباخرة المبحرة إلى أميركا وهو في الثانية عشرة من عمره، رفقة أمه كاملة رحمه، وأخيه بطرس، وشقيقتيه مريانا وسلطانة. وجبران، لمن يعرف كيف يقرأه بهدوء، لم يشعر بغربة "حقيقية" إلا في لبنان الذي كان يحكمه ولايزال رجالُ الدين وأمراء الإقطاع والطوائف. يكفي أن نعرف عداء رجال الدين لجبران في زمنه لنفهم هذه "الغربة"، لدرجة أن كاهن الكنيسة المارونية في نيويورك، رفض أن يعطي تصريحاً لكاهن الكنيسة المارونية في بوسطن بالصلاة على جثمان جبران، لا لشيء، إلا لأنه كان قد سمع بأن جبران، الذي كان كارهاً لكل ضروب التصنيف الديني، والذي كان يفهم يسوعَه بطريقة مغايرة للطريقة التي يفهمها المطارنة والمتدينون، طرد الكاهن اللبناني من غرفته في مستشفى "القديس فنسنت" في نيويورك عندما سأل جبران عما إذا كان كاثوليكياً؛ ولا لشيء أيضاً، إلا لأن جبران اتُّهم بأنه تهكَّم في كتابه "يسوع ابن الإنسان" على بولس الرسول، "الذي أفسد تعاليم الناصري بما أدخل عليها من تعاليمه".

أما الغربة التي عاناها جبران في بوسطن ومن ثم في نيويورك، فليست غربة لبناني مهاجر، هي غربةٌ روحيّةٌ في المقام الأول ولا علاقه لها بجغرافيا المكان، وليست كلها من شآبيب اللوعة والبوح والحنين إلى الوطن كما نجدها في أشعار شفيق المعلوف والياس فرحات ورشيد أيوب وغيرهم من أدباء المهجر، بل إلى تجربة جبران الخاصة، الخاصة جداً، والآلام التي عاناها بدءاً بموت شقيقته سلطانة، ثم موت أخيه بطرس، ثم موت أمه، وكل ذلك حدث في سنة واحدة، بين نيسان 1902 وحزيران 1903، ومعاناته المرض الذي ظلّ يفتك بجسده حتى آخر نحب من أنحابه. تلك هي الأحزان الجبرانية التي جعلت جبران غريبا عن نفسه وعن العالم، وهي الأحزان ذاتها التي جسّدها في لوحته "فوارة الألم".

كان الأَولى بالدكتور نديم، وقد عايش ميخائيل نعيمه عشرات السنين في بسكنتا والساحل، أن يصرف الوقت الذي أمضاه في ترجمة أعمال جبران الإنكليزية، على وضع كتاب جديد عن عمّه، الذي نضعه شخصياً بمنزلة جبران الفنية والأدبية، على رغم أنه لم ينل الشهرة التي نالها جبران في حياته وبعد موته. ونحن من أشد المؤمنين بأن ميخائيل نعيمه لم يُعْطَ بعد التقديرَ الذي يستحقه في لبنان ودنيا العرب والعالم.

مهما يكن من شيء، فإن الشهرة ليست دوماً المحكَّ الذي يُقاس عليه مقام العظيم وعبقريته. يكفي الدلالة على أهمية ميخائيل نعيمه ما قاله "أوشو"، المتصوّف الهندي المعروف الذي يتبعه الملايين من الناس حول العالم، عندما سُئل عن رأيه في "كتاب مرداد" فقال: "إن هناك الملايين من الكتب في العالم، لكن "مرداد" يبقى عالياً على كل كتاب في الوجود".