(رائحة الصيف) لفاروق وادي - البنى الدلالية وإشكاليات الخطاب الروائي

وديع العبيدي قرأها 2,008

(رائحة الصيف) لفاروق وادي - البنى الدلالية وإشكاليات الخطاب الروائي 

[1]

هيمنة حضور الراوي

الحضور الواضح لشخصية الراوي، طيلة الرواية، فهو، بطل الرواية الذي ينقل لنا وقائع تاريخ سابق يتصل بطفولته، إذ ما كان في السابعة من عمره. يتقاسم البطولة معه (يونس عيسى الفادي)، قرينه ورفيق طفولته والذي يتم السرد من خلال (عيونهما) و (مشاعرهما). ثم يفترض موت عيسى (ص94) لتلتبس شخصية البطل [التباس (تداخل/ تناص) الشخصيتين هنا قريبة مما يحدث في الثلث الأخير -أيضاً- من رواية سليم مطر (إمرأة القارورة)]. ثم تستمر الشخصيات داخل شخصية واحدة وجسد واحد ولا يتم التحرر إلا في المشهد الأخير.

"أنني أتحرر منه. أحرّر جسدي المثقل بهديته الباهظة... أتحرّر من ساعة الوشم. عبء البياض ورائحة الصيف." (ص183). وهو بذلك يجمع عدة شخوص في ذات واحدة ويبقى – كروان، بائع البوظة، وصوت البحر- عيسى الفادي – وجوه متعددة وزوايا متقابلة في مرآة الشخصية الرئيسة. وكل هاتيك الصور والرموز – تمثل جزء من ذلك الماضي الثقيل – الذي ينوء به كاهله. فهو تارة يسميه دفاتر الملح/ ص5، وأخرى يسميه رائحة الصيف (عنوان الغلاف). ولذلك يبدو سعيداً للخلاص منه حسب توصيف الكاتبة أحلام مستغانمي في (رائحة الجسد) أنها بتسجيل الأحداث تقتل أشخاصها فتخلعهم من ذاكرتها فتتنفس الصعداء، وغير بعيد من تعبير ايزابيل الليندي أنها لولا الكتابة لأصيبت بالجنون، يقول الراوي (سأودع يدي اليمنى المرهقة بين حبتي برتقال، لأغفو من شدّة الدفء والحنين والتعب. أغفو قليلاً، أو طويلاً، فأنام.. أنام.. وأنام بعيداً عن طنين الوشم... ورائحة صيف كان.)/ص183*.

أما تجسيد هذا الحضور فيتم عبر التعويل على لغة سردية – وصفية- عالية، تتراوح بين نبضات الشعر وتهاويم الصوفية والتلاعب بالألفاظ على حد قول ابن عربي [كل سكر لا يكون عن شرب لا يعوّل عليه، كل صحو يكون عن سكر لا يعوّل عليه] ثم يقول [النكوث بالعهد متعة، وأن الطمع هنا يصبح فضيلة تنفع المؤمنين. متعة وفضيلة لا تنسيان مدى العمر]. ويستأثر الخطاب الديني هو الآخر بمطالع لغوية متعددة، [تتضرع.. ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به] ولكن تلك اللغة ما تني أن تنحدر إلى سريالية مقذعة في غير موضعها. حاول استنطاقها بشفاه طفل، فاته أن المدركات الحسية، ومنها المشاعر الجنسية أكبر من أن تتقمصها مدارك طفل في السابعة، يجبره الراوي ليقول: تلان صغيران، من ثلج وهجير، يحرسان وادياً غير ذي زرع- نحتا من رخام/ص55. وقد سبق الإشارة إلى إشكالية لغة الطفل في السرديات العربية في قراءة قصص الكاتبة التونسية رشيدة الشارني (صهيل الأسئلة).

ان الحضور المكثف للراوي هو جزء أساسي من المبنى السردي، حيث يتولى ضمير المتكلم (الفاعل) اختزال المسافة بين الكاتب والورقة، وبين الورقة والقارئ، ولكنه في نفس الوقت، - وهذا هو الأكثر خطورة- يختزل القارئ، مصادرا المساحة المحتملة للمشاركة في حركة القصّ. ففي غمار الحديث المنساب والمتعاقب، ينتظر القارئ/ المستمع لحظة يمتلك فيها الراوي أنفاسه، ليدلي بدلوه أو رأيه هو الآخر. فالقارئ هنا يعاني من العزلة/ الاختزال/ التعتيم. ليس ثمة فترة صمت أو انتظار أو بقعة موسيقى. الصمت في الرواية/ الاستراحة له وظيفة الفراغ في اللوحة أو فاصلة الموسيقى في الأغنية، ضرورية للطرفين للتبادل والتقاط الأنفاس.

لكن كثافة السرد، قد تعكس أيضا حالة ذهنية أو نفسية أو اجتماعية مضطربة كما هي في رواية (دابادا) لحسن مطلك [1961- 1991م] مثلا. فهو إذ يتعامل مع روايته كمنشور سياسي سرّي، تتحول معه العبارات إلى شفرات وإحالات متقطعة، لتمريرها من يد الرقيب. لكن الحال ليست كذلك في (رائحة الصيف) حيث الأجواء هادئة في ربوع طفولة بعيدة يتم استحضارها من الذاكرة. هذا ما يتعلق في الأقل بالبعد التاريخي [الزمان والمكان الفلسطيني]، ومن غير اسقاطات سياسية مباشرة أو واضحة على الأقل. قد تبدو النوستالجيا هنا أكثر مناسبة للتعبير.

البنية الشعرية لشخصية الراوي..

لماذا – بنية شعرية- وليس – بنية نفسية- كما يقتضي الموضوع، وهو الأقرب لمجال البحث. هذا ما ينطبق تماما على بطل (مجرد أثنين فقط) رواية ابراهيم نصرالله التي صدرت في نفس الفترة تقريبا [بداية التسعينيات]. وقد ألمحت لذلك يومها في قراءتي لها تحت عنوان [مجرد واحد فقط]*.  فالقصيدة فضاء شعري يملأه الشاعر، لوحده. لكن الشاعر في لحظة معينة قد يضطر للتحول من صوت خارجي إلى ادارة نوع من منولوج داخلي يتبادل فيه الحوار مع ذاته، هنا تجد الشخصية والظلّ. الشكل والصورة، القلب والعقل، الجسد والضمير.. أو أي تقسيم آخر. وفي حدود (رائحة الصيف) تظهر المقابلة الاشكالية/ الابدالية بين شخصية الراوي وبين شخصية رفيقه وقرينه (يونس). وقد يتداخل السرد بين الأثنين.

*

الخطاب أو قيادة السرد..

الاشكالية الأولى التي يقف أمامها السارد على الصعيد الفني هي لغة السرد، استخدام ضمير الغائب (التقليدي) او المتكلم (بطولة الراوي). فالخطاب الأدبي في أساسه ينقسم قسمين لا غير: موضوعي، ينقل صورة الأحداث من خلال الأذن والعين (السمع والبصر). وهو الاسلوب التقليدي والمسوغ في النصوص التاريخية والقديمة [(من له أذنان للسمع فليسمع)!، (الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا)- رسالة يوحنا1: 1]. وما يزال الخطاب الروائي المعاصر لا يخرج عن هذا السياق [السمع والمشاهدة]، وهنا يتدرج النص في مستويين: مستوى (العنعنة) أي النقل عن شخص آخر عاش الحدث أو سمعه بدوره، ومستوى المعايشة (المشاهدة والمحايثة والمعاصرة). وتنقسم المشاهدة والمحاثثة بدورها إلى قسمين: دور المراقب الشاهد، ودور الفاعل المنفعل المباشر في الحدث. وبحسب هذا التصنيف، يختلف النص والخطاب من حيث الاسلوب والعمق والمصداقية. وللخروج من أزمة اغترابية النص هذه، يختار السارد اسلوب التمثل الذاتي (ضمير المتكلم)، أي ينقل ما عاشه وعاناه، وبحسب فهمه ومشاعره. فالنص المعول على الخطاب الذاتي هو نص طافح بالمصداقية، ولكنه مستبد بالحقيقة الكاملة، باعتباره الوحيد الذي عاشها كتجربة ذاتية. وفي هذا النقطة تحديدا، يظهر مستويان للحدث/ السرد، مستوى الحاضر الراهن، ومستوى الماضي الذاكراتي. وفي رواية (رائحة الصيف) كما في (نقوش البياض) وجملة الأعمال من هذا السياق، يجري النقل عن الماضي (الذاتي) متمثلا في بؤرة مركزية، هي بئر الطفولة وإعادة استحفارها وبعثها في جسد/ لبوس الراهن المعيش.

لعلّ هذا السبب في ترك مسافة بعيدة من السنوات، تكفي لاستنضاج مجريات الطفولة، والتوفر على أهلية مناسبة لفهمها واعلانها للقارئ. ان رواية الطفل قد تكون صادقة، لكنما ينقصها الوعي والادراك اللازم لطبيعة الحدث، وثمة نقطة مؤجلة، ينمو فيها الطفل حتى يكتهل، ويعمد الكهل فيها - العودة- في ضمير الزمن إلى لحظات الطفولة والاكتشافات الأولى للكلمات والمواقف والأحداث والغرائز الأولية. هذه الحالة الابداعية لامتزاج ذاتين أو لحظتين نفسيتين من عمر انسان في نقطة توتر راهنية هي لحظة القص او النص أو الخطاب الروائي. وهذا هو مغزى اقتران شخصيتين [الراوي + يونس] في قيادة الحدث، وكأن الراوي ينقل عن عين وتجربة الآخر. فشخصية يونس تحمل رموزية الماضي البعيد (الطفولة). ولابدّ من استحضارها لاستحياء الماضي، ومنحه حرارة (حيوية) الراهن. لذلك أيضا نجد أن - يونس عيسى الفادي- يموت مع استنفاذ مهمته، بينما يستمر الراوي في راهنية الحياة. هذه التقنية النفسية المعقدة [امتزاج نفسي لشخصيتين، أو وجهان خارجيان لشخصية واحدة في داخلها] قدّمها بحذق وتقنية عالية ابراهيم نصرالله في روايته الثالثة (مجرد اثنين فقط)، مع ملاحظة حجم المراوغة التي تبدأ بالعنوان، للفت-، أو صرف انتباه القارئ عن التماهي النفسي للشخصيتين، أو انشطار الشخصية، بمعنى أدق. هذه التقنية الخطابية لا تستقل بالمعنى من غير آلية – توظيفها- خلال النص. وهذا ما يميز نصا عن غيره، ويتميز به كاتب عن آخر. وثمة تقنية خطابية تتضمن تناص/ انشطار الشخصية لأكثر من شخصيتين، كما في رواية (دابادا) للعراقي حسن مطلك حيث تشكل شخصيات روايته المتعددة، وجوها وحالات واستحالات متعددة لشخصية واحدة (الراوي) متوزعة على مراحل حياتية وزمنية متفاوتة. وقد سبق التنويه إلى ظاهرة التحميل أو الاسقاط جراء تحميل الطفل مشاعر ومواقف البالغين سيما عندما يتعلق الأمر بمسألة بيولوجية لها معاييرها الصارمة في التدرج، في قراءة مجموعة رشيدة الشارني(صهيل العزلة) وغير خافية في الميول العاطفية للطفل تجاه معلمته في مجموعة (نقوش البياض) لغسان عبد الخالق، وميول الطفل عمار تجاه معلمة الرسم عواطف في رواية (الكفار) لأسامة يس. اننا في الغالب، لسنا غير - أطفال- كبار، رجالا ونساء. ولكننا نختلف فيما بيننا في طرق التعبير عن علاقتنا بطفولتنا من جهة، وطريقة المداورة عليها ومداراتها. وقد قال سلمان رشدي قبيل انتقاله إلى نيويورك، أن الانسان كلما اقترب من الخمسين، يزداد حضور الماضي البعيد ومشاعر الطفولة لديه. لذلك نحن بحاجة مستمرة وملحة لاستذكار تلك الطفولة المفقودة، والاعتبار بدروسها وحكمها لتحقيق أنسجام أفضل مع انفسنا وراهننا. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة وفهم (رائحة الصيف) لفاروق وادي.

*

ميثولوجيا مضمرة..

قد يعتقد البعض أن الميثولوجيا كامنة في كلّ نص. وكلّ نص يمكن قراءته قراءة دينية أو ميثولوجية. والواقع ان تعددية القراءة احتمال مفتوح، واستنتاج منطقي لواقع اختلاف الناس وثقافاتهم، واختلاف العقول ودرجات أهليتها وتأهيلها. فالخطاب الديني أو الماورائي يتجاوز هنا خاصة الاعلان أو الاضمار في الخطاب الأدبي، ودرجات التصريح أو التلميح. ولربما كانت النصوص المضمرة والمشفرة والملحة أكثر عمقا وتاثيرا من غيرها. بل أن واقعنا الشرق أوسطي هو الأصل الميثسوسيولوجي لثقافتنا الميتافيزكية المتوارثة عبر الزمن. وما فلسطين غير مركز وبؤرة المنظور والمتصوّر الميتافيزيقي العالمي وانعكاسه اجتماعيا وثقافيا. لذلك ارتبط الثيم الفلسطيني بالأرض أو الزمن وما بينهما الانسان [رواية (وراء الشمس) لألياس الخوري مثلا]. الأرض هي دالة الوجود. والانسان هو كائن وجودي، بالمعنيين الجغرافي والفلسفي.

شخصية: يونس – عيسى- الفادي..                 

تعرضت هذه الشخصية للغبن مرتين في الرواية. فهي: رغم اشتراكها المباشر في طفولة الراوي/ المؤلف مدفوعة لدور التابع ولا تتصدر المشهد، علما أنها تكبر (الراوي) ببعض سنوات، وتشكل لها دور الخبير المعين والموجه. والواقع أن الراوي – الصغر سنا- كان عضوا في جماعة يقودها يونس وزملاؤه. لكن الجماعة الأصلية تعرضت للاختزال والمصادرة من قبل المؤلف. وللقارئ التساؤل عن سبب اهتمام المؤلف بوضع اسم كامل لشخصية حكم عليها أن تكون ثانوية في الرواية، بينما يغيب اسم الراوي- بطل الرواية- مثلا.

الواقع اننا أمام اشكالية بنيوية في هذه الرواية، خاصة فيما يتعلق بالأدوار وتوزيع الشخصيات. وسبب في ذلك كثرة تعرض النص للمراجعة والتعديل، وسواء كانت شخصية يونس – اصلية في الرواية- ثم اختزل دورها، أو أنها أضيفت لاحقا ولم تستكمل رتوشها جيّدا. فالنتيجة، أن هذه الشخصية التي لم تأخذ حقها من الدراسة والنمو الفني أربكت العمل. وطريقة بالتخلص منها بواسطة الموت، يؤكد ادراك المؤلف لهذا الأمر.

لقد بالامكان لشخصية [يونس عيسى الفادي] أن تكون مركزية في الرواية، وتمنح النص بعدا فنيا تاريخيا يخدم النص أكثر من صورته الحالية. فالمعاني الدلالية العميقة لكل واحدة من تلك المفردات لم تزظف في النص، وبأمكانها انتاج نص متعدد طبقات المعاني. ونحن ما نزال بحاجة لهذا النص الذي شغلته الراهنية السياسية عن الحفر الانثروبولوجي والابستمولوجي للمكان الفلسطيني.  فالمعالجة التاريخية والفنية لهذه الثيمة بقيت غائبة ومغيبة بشكل غير مبرر. هذا ما يتكشف في متن الرواية أيض عندما تزاح هذه الشخصية الرئيسية الفاعلة للهامش ثم تتعرض للاختزال والموت، مما يعني ازاحة التاريخي لصالح الخطاب الراهني.

وقد جاء صدور هذه الرواية (1993م) عقب التحول الجذري في الخطاب السياسي الفلسطيني [مؤتمر مدريد/ 1991 وما أعقبه] فرصة لظهور معالجات فنية وفكرية غير مؤدلجة. لكن ذلك لم ينعكس كفاية في هذه الرواية.

وقد قدم الأدب الفلسطيني بجدارة ملحوظة شخصيات: اللاجئ – داخل أرضه وخارجها-، الوطني الرافض للاحتلال والمساومة، الفدائي والبطل الفلسطيني، السجين المعذب والعاشق، صورة المقاومة الشعبية. لكن شخصية المخلص/ الفادي بقيت غائبة عن الحضور والتحقق حتى فنيا وأدبيا. وربما كان قرار الزعيم الراحل ياسر عرفات بالتحول للكفاح السياسي بعد رحلة الكفاح المسلح، تنطوي على قدر عالٍ من التضحية الشخصية والسياسية من أجل بلده وشعبه. لكنه من الصعب اعتبار هذا هو المقصود – ابستمولوجيا- على الأقل في تسمية [يونس عيسى الفادي] أو اعتبار موته الطفل قبل انتهاء الرواية، إشارة ذات مضمون سياسي مضمّر!.  

*

[2]

{منذ الصفحة الأولى، يحفل الكاتب بتوشية كتابه بوشي "الجدّة"، وتوظيف الصرعات الكتابية الحديثة في نسيجه الروائي مسرفاً في ذلك حدّ الاغراق. مما يكشف لنا أنه وقف أمام نص قصص تقليدي كتبه قبل عشر سنوات، تسلّط عليه سيف الزمن وتراكم عليه غبار النسيان، وتكلّس الملح، حتى إذا ما فكّر في إعادة ذلك النص للحياة وبث الروح في دفاتر الملح، وجد نفسه أمام عمل مرهق... واكتشف نأي خطى الزمن الأدبي خلال العشر سنوات الأخيرة، وأن ما زرعه بالأمس لا يصلح ثمره اليوم من غير معالجته و" أكسجته" داخل – مكائن- الحداثة الأوربية المستوردة. فاستلزم ذلك منه الوقوف والرصد للاكتشافات الأخيرة والانفجارات الألسنية، محتفياً بمسائل الاخراج الفني واللغة والتجريب إلى غير ذلك. مما جعلنا أمام نص [جِدّي] حداثوي لم يتحرر من رواسب التقليدية في أبنيته وأنسجته الداخلية.}

التقنيات الكتابية

أما أبرز خصائص التقليدية، فقد تمثلت في صورة تعامله مع المكان والشخوص والفكرة في إطارها العام. فيما حاول توظيف بعض التقنيات الاسلوبية واللغوية الحديثة لاضفاء الصورة الجديدة للرواية. أما أبرز تلك التقنيات..

استخدام فواصل شعرية ومقولات فلسفية بين المقاطع والفصول

تقسيم نسيج الرواية إلى ثلاثة فصول وكل فصل إلى عدة فواصل مرقمة وكل فاصلة تتكون من مشاهد قصيرة حسب تطور الحدث.

نمطية استهلال المقاطع بالاستناد إلى جملة دلالات ينطلق منها الكاتب مثل مفاتيح النص.

*

دلالات الشخوص..

رويت ليونس/ص40، روى إلى يونس/ 44، بد يونس/ 17، قال يونس/32، يونس، أم جارة الفردوس/24، لماذا تكذب على يونس/ 89، سألت يونس/85، لم يلق الرجل/ 79، انطلقت في ذلك اليوم/ 72، استيقظ أهالي الفردوس/ 70، استيقظت الحارة/66، لعل مجيء السيدين/ 62، ليسترها الرب تلك المرأة/ 61، لم يكن السيد عبد المهدي/52، أمسكت الراهبة المضيئة يونس من يده/ 49، وقد نذرت تلك المرأة/48، لكن المغني ظل يغني/46، لم يصدقني أحد/93، لم يصدقوني/94، رأين وجه المخبر/98، خواء كل شيء بعد يونس/100، محوها بهيئة يونس/109، صراخ الطفلة/ 114، قادتني الممرضة/ 117، كانت أمي/ 121، لم أكن أسمع/135، لم تكن أصابعي/136،  استيقظت/139، ماريا- أين ماريا/141، لماذا نمت بيننا يا يونس/142، كنت ملتجئاً/144، دفنت وجهي/146، مضى الطبيب/147، ماريا/149، رجعت إلى سريري/151، تواطأت/152، استيقظت/152، سبحت/153، كرهت/155، كنت/156، ماريا/156، عوقبت على وداع ماريا/160، رطن الأطباء/163، الممرضة اللاسعة/165، فنمْ يا يونس/180، أما أنتم/ 182، أنني أتحرر منه/183، ما أن كان الجنود/83، الساق/157.

فكل هذه المقاطع استهلت بدلالة الانسان، ممثلاً بضمير المتكلم [تاء الفاعل]، أو ضمير الغائب [المفرد أو الجمع]، أو المخاطب [ـتم، أنتم]، أو أسماء الأشخاص [يونس، ماريا، عبد المهدي]، أو أسماء العلم [المغني، المجبر، الممرضة، أمي، أهالي، الأطباء]، وأجزاء من الجسد [وجه، أصابع، الساق، الجسد].

*

دلالات النبات – الأشجار والخضرة

بدء بالصنوبر/13، لأشجار الصنوبر/ 15، هناك عند شجرات الكينا/ 29، تحت أشجار الكينا/ 74، مثل قطار خشبي يرقد تحت الصنوبر/116، لم اكن أسمع سوى هسيس الصنوبر/135.

*

دلالات الوقت..

اليوم- النهار، أسماء الفصول بدء من إسم الرواية (رائحة الصيف)..

عندما يهبط الصيف/ص9، بعد أن/11، كان/11، ها هي الآن/16، لم يطل اليوم/34، ذات مساء شتائي/39، في شتاءات الفردوس/51، في تلك الأيام/51، في ذلك الربيع/53، هناك في ذلك المساء/55، في ذلك اليوم/56، في الأيام الأولى/57، مضت أيام/60، لم تمضِ إلا بضعة أيام/62، بعد عصر ذلك اليوم/75، استيقظنا في اليوم التالي/77، كان يوماً- ربيعياً/83، جاء الصيف/86، تأتي أيام الصيف/88، كان يوماً- صيفياً/90، بعد ذلك اليوم بيوم جاء يومي الأربعون/102، كان ذلك النهار الأول/ 112، كان النهار/113، بدا الليل/113، يوماً فيوماً/118، مع الأيام/129، في ذلك المساء/128، جاءت الظهيرة/131، عندما/134، ليلة الثلاثاء/138، استيقظت في صبح الثلاثاء/139، في الصباح/154، ذات ليلة/161، في الصبح الساجي/167.

*

دلالات المكان ورموزه..

في زاوية من زوايا حارة الفردوس/ص23، في وسط الحارة/26، هناك/29، درجات طويلة/31، هناك/55، تحت/74، هناك بين الحجارة/85، لم يكن سهلاً لحارة الفردوس/97، دفنت وجهي في صدر أمي/146،  عدت إلى سريري/151، وقفت على طرف الشارع/172.

إلى جانب تردّد إشارات ودلالات المؤشرات السابقة [المفاتيح] داخل نسيج السرد وبشكل قدر يبدو أدنى إلى الاسراف.

 (رائحة الصيف) لفاروق وادي - البنى الدلالية وإشكاليات الخطاب الروائي

 فإذا ما أعدنا المحاولة مرة أخرى متوخين دلالات المشاهد الأخرى التي لم يشملها الرصد، إضافة إلى توضيح المفاتيح الاسمية والمفاتيح الفعلية والضمائر، والتركيز على صيغة الزمن الحالي (المضارع) لكتابة الرواية والزمن الروائي الذي تدور حوله بنية النص [حياة طفل عمره سبع سنوات]. أمكننا تلمس سيماء العالم الروائي  والرؤية البنيوية التي قامت عليه – اللغة السردية العالية والاحتفاء الشديد بانتقائية المفردة أو الصورة.

*

التغريب والاستثارة..

تعمّد الكاتب استخدام التغريب والاستثارة في التصوير والتشبيه كقوله: كأنني حبل غسيل يعقد ألف عقدة وعقدة/ص36، أو اللسعات القارصة المتسللة إلى الأليتين من برودة وقسوة حجر الدرج/ 40/ هل يستبدل البحر ببطاقة زرقاء/ 41، صفرة وروده الصغيرة التي تنبت جراء هواء ساكن يصدر من ثقوب مؤخرات الكلاب/77، صيف لم يكن قد تذوق بعد طعم الفجيعة ولا اشتم رائحتها الحامضية. ولا تسللت إليه رائحة أخرى غير رائحة الصيف/87.

*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فاروق وادي [مواليد رام الله 1949]، بكالوريوس آداب من الجامعة الأردنية 1972. مدير عام في دائرة الثقافة الفلسطينية [1989- 2009]. له: المنفى يا حبيبتي- قصص/ 1976، الطريق الى البحر- رواية/ 1980، رائحة الصيف – رواية/ 1993، عصفور الشمس- رواية/ 2006.

بحسب القراءة الابتسمولوجية للاصطلاحات المتكررة بمثابة دعامات أو عكازات في النص، تجدها من قبيل المتعارف والمتوارد في الذاكرة الأدبية مثل  (الوشم) رواية عبد الرحمن مجيد الربيعي، (ذاكرة الملح) رواية عبد الرحمن منيف، (رائحة الصابون) رواية الياس الخوري وغيرها من التكرارات التي تضعف أصالة المصطلح والمعنى. ان التناص اللفظي أو الفكري في السرد، على عكس  الشعر، يقتل النص.

مجرد واحد فقط- وديع العبيدي- قراءة نقدية في رواية (مجرد اثنين فقط) لابراهيم نصرالله- جريدة صوت الشعب الأردنية- ملحق الخميس الثقافي- 1993.   

النص الأصلي لهذه القراءة نشر في ملحق الخميس الثقافي لجريدة الشعب الأردنية في بداية عام 1993م، ويعاد نشرها بعد التعديل والاضافة.