المنظور النفسي والاجتماعي في قصة (ياديم فاشيم) لحنان درقاوي
.jpg)
“انا هكذا طفلة تتعثر في جسد امرأة”
ماذا لو ان المرء يعيش كما يتمنى ويحلم. لماذا يبدو وكأن كل شيء في الحياة مسطور سلفا، حتى كأن لا سبيل إلى تغييره أو تبديله. لا أدري كم من البشر اليوم ما زالت تراوده هاته الأفكار.. لكن ثمانين مليون سنة، وهو أقل تقدير لعمر الانسان – هومو سافينز- على الأرض، كانت حرية بمسح تلك الأحلام، وتسليم البشر إلى يباب الواقع. أذكر من قراءاتي القديمة بعض أشياء، تفرض نفسها من وقت لآخر.. منها هاذان البيتان..
ألا يا ليتني حجر بوادٍ.. وليت أمي لم تلدني
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا.. إلى الآن لم نكبر ولم يكبر البهمُ

كل من البيتين يدخل تحت باب الحلم/ الأمنية المستحيلة، أو أدب اللامعقول إذا صحّ ذلك.
ان المرء ليتمنى لو أنه لم يولد. وهذا شيء فوق المستحيل، بعدما ولد وأصبح واقع/ مشروع انسان.
لكنه طالما ولد، ولا سبيل لاستعادته إلى عدم، أو الالتفاف على الحياة والوجود، فإن المرء يتمنى لو أنه يبقى طفلا ولا يكبر، سيما حين تتوزع الطفولة في فردين. وليس في هذه الأمنية ما يبدو غريبا أو مشينا، ومع ذلك ينظر إليها البعض بريبة وعدم ارتياح. هل ثمة آلية فيزيائية أو روحية تمنع نمو خلايا الأنسجة والعظام بحيث لا يتمدد حجم المرء ولا تنمو مداركه إلى الحدّ الذي يغريه بمدّ يده إلى ثمرة التفاح وطرده من فردوس الطفولة.
قليلا ما نتوقف لنفكر حقا في ماهية الطفولة، أو محاولة تعريفها وتحديد مفهوم واضح لها. ما هي الطفولة؟.. لو سأل كل شخص نفسه هذا السؤال، وحاول الاجابة عنه، وارسال إجابته على عنوان معين، هل تكون الأجوبة متقاربة بشكل ما، متفائلة، أو متشائمة، جادة أو ساخرة كالعادة؟.. كم منا يشعر بحاجة إلى الطفولة، طفولته هو؟.. متجسدة في ذاته أو متجسدا هو فيها؟..
ينظر كثيرون- في هذا الباب- إلى مفهوم التعويض من خلال الانجاب واستنساخ نماذج يجتهدون في وسمها بملامحهم وتلقينها أفكارهم الخاصة، ورغباتهم وأحلامهم، في محاولة لمراوغة الزمن أو المجتمع، عبر قناة اجتماعية مألوفة، لغرض خاص غير مكشوف.
هنا يتفاوت كل من الذكر والأنثى في مراودة هذا الحلم. وتبدو الإناث أكثر رغبة أو حماسا للحصول على طفل يحمل ملامحها ويجسد أحلامها. أما الرجال فيتجه تفكيرهم للعمل والحاجة للأيدي العاملة، أو بمعنى ما، إثبات أبوته من خلال ابن يحمل اسمه ويكون دالة فخره وثناء المجتمع.
حواء هي التي كررت القول كلما جاءها طفل (اقتنيت رجلا من عند الله!)، قالتها عند ولادة قابيل، وعندما صار هذا قاتلا وطريدا، أنجبت شيث، تعويضا عن هابيل القتيل وقابيل الشريد.
بيد أن الناس ليسوا سواسية في هذا الأمر. ولا شك أن فئة واسعة تجد نفسها في أحسن ما يرام في وضعها، ولا تجد في موضوع الطفولة المستعادة أو المستعارة غير ترف لا طائل منه. وبالتالي، فلا مبرر لترك العقل يخرج من دائرة الواقع أو يفكر في التمرد على سنن الطبيعة، أو الانجراف مع أفكار تورد صاحبها مورد الخطل.
لكن الموضوع أكبر من مجرد الأمنيات، والأحلام. وأقرب إلى الخصائص الفسيولوجية والسيكولوجية للجنسين.
*
“وجعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها!”
وكلمة (تسكنوا) ليست من السكن فحسب وانما السكينة. والسكينة هي الطمأنينة التي تتضمن معنى الثقة والاستقرار والأمن. وفي اللغة تسكن الروح أو النفس.. تسكن لشخص أي ترتاح معه وتطمئن إليه بل تمكث معه، وتتمنى أن يكون ما بينهما مثل ما بين المرء وسكناه، مثل القلب والضلوع، مثل الروح والقلب، مثل الفكرة والدماغ، مثل الطفل وأمه. ومن أمثال مصر الفرعونية (المرأة بيت الرجل)!. هذه العلاقة النفسية الحسية هي احدى الحاجات الأساسية للمخلوق، خاصة من البشر، وأي نقص أو تشوّه في هذه العلاقة أو إشباع هاته الحاجة في الصغر أو أي من مراحل التربية سرعان ما ينعكس على الجوانب النفسية والشخصية للفرد مع نموه. ورغم صعوبة العناية والرصد الاجتماعي في هذا الجانب، فإن الجزء الأعظم من السلوك البشري في جانب الابداع أو الأمراض، مردُّه إلى تشوهات تربوية نفسية ونقصان حنان وحب في العائلة الأم.
يفضل الرجال المرأة الذكية والمثقفة على الجاهلة أو الغبية، وبدرجة تفوق أهمية الاخلاق والالتزام بالعادات والتقاليد. لأن الجهل والغباء غالبا ما يكونان طريقا لهدم العائلة أو بناء عائلة مشوهة، لا يقتصر ضررها على الزوج وانما على نتاج العلاقة الزوجية من أطفال وعلاقات اجتماعية. على العكس منه المرأة المثقفة والذكية التي تعرف كيف تتصرف وتجعل لكلماتها مذاق البلسم مهما كانت قسوة الظروف، فتكون موضع ثقة زوجها وصندوق أسراره ومركز محبته واعتزازه. المرأة الجاهلة وقليلة الخبرة تستهلك قدرات زوجها وتضيّع جهده هباء، مع ملاحظة صعوبة أن تتغير المرأة على يد الزوج، بينما يكون الزوج عموما أكثر طواعية لمسايرة زوجته عندما تتوفر على الحكمة والذكاء.
المرأة الجاهلة – محدودة الخبرة والذكاء- تحتاج إلى الرجل القوي الذكي الغني لأنها تريد الحصول على كل ما ينقصها من خلاله. أما المرأة المثقفة والذكية فهي التي تعطي الرجل ما ينقصه، وتضيف إلى قوته وذكائه مكانة واستقراراً، ينعكس غالبا على مستوى تربية وذكاء أطفالهما.
على الصعيد النفسي، تلعب العلاقة الشخصية ودرجة الشفافية والصدق دورا كبيرا في بناء بيت ناجح وراسخ. فالزواج مؤسسة تتكون من قسمين: علاقة اجتماعية لها متطلبات ووظائف أمام المجتمع بما فيها العائلة الكبيرة والأطفال، وقسم يشمل العلاقة الخاصة بين الزوجين داخل حجرة النوم أو الوقت الذي يقضيانه سوية بدون شخص ثالث. هذه العلاقة الشخصية الحميمة هي القاعدة الأساسية التي تبتني عليها مؤسسة الزواج والعائلة والمجتمع ككل بالنتيجة. فإذا كانت العلاقة الشخصية النفسية بين الزوجية هشة أو معدومة، فإن بناء العائلة والبيت العائلي يكون هشّا عرضة للرياح وفي انتظار أي دسيسة جانبية تنقضُّ عليه.
العلاقة الشخصية ليست مجرد علاقة زوجية وانما أكثر منه علاقة تكامل وصداقة شخصية، قوامها الحاجة النفسية والبوح والاعترافات والتفاهم والاحتمال النفسي والفكري القائم على المحبة وبناء الجسور. كم من الأزواج والزوجات يعترفون لبعضهم بضعفاتهم وأشواقهم وأحلامهم ومعاناتهم، وشعورهم بالراحة في أثر ذلك وزيادة التقارب بينهما. وكم من الأزواج والزوجات يلتجئون للصديق والجارة لتفريغ همومهم الخاصة، بما فيها الشكوى من الزوج والعائلة.
هل كل علاقة زوجية هي علاقة حبّ؟.. وهل كل زوجين يمكن أن يصبحوا أصدقاء متفاهمين متشاركين؟.. ان هذا يعود لكل طرف على حدة، ويعتمد على طريقة تأسيس العلاقة الزوجية وما تتوفر عليه من خبرة وذكاء.
*
تطبيق في نص أدبي..
في قصة الكاتبة حنان درقاوي (ياديم فاشيم) تظهر الطفولة مدخلا وقاعدة لتأسيس البيت الزوجي. هذه القاعدة تبدو مثلثة الأضلاع من زاوية المرأة، الراوية، فهي أولا تعمل مرشدة نفسية أو اجتماعية مع قطاع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي أم ولها أطفال تحبهم، وفي الزاوية الثالثة ثمة أطفال آخرون يقودون انتباهها أولا ومشاعرها لاحقا إلى شخص أبيهم، مما يشكل مفتاح علاقة جديدة تأخذ إطارا عائليا تعيش فيها طفولتها الثانية بالنتيجة.
فالبؤرة إذن، تتمثل بالطفل. والقصة، تمتح من بئر الطفولة القديم الذي لم يغلق تماما ولن. الطفولة هي معجم أبجديتنا الذي لا ينضب، منه نستقي الشعور والفكر وموسيقى الألفاظ ومعاني المفردات. الطفولة هي سرّنا ولغزنا وغربتنا التي بالكاد تزول. والطفولة هي مصدر عزائنا الدائم في مواجهة سحت الحاضر. وقد دأب الأدب العربي مؤخرا في تتويج صورة الأم، في بعديها الرمزي أو الواقعي، بينا المغزى الحقيقي يعود بالاستنابة إلى (ماضي) الطفولة، كصورة تعويضية للفردوس المفقود. فالشعر العربي، أزاء حريته الفنية، أقل انطلاقا من السرد في الصعيد الاجتماعي أو السياسي. لذلك تأخرت صورة الطفولة في الشعر العربي قياسا بالسرد. وبعيارة أخرى، إذا كان الشعر نوعا من الهروب في يوتوبيا اللغة، فإن السرد أكثر انسجاما مع ثيمة اللغة والواقع، الذاكرة والفن.
من كان منكم بلا طفولة شقية فليرمها بجملة!. وفي هذه اللحظة نحتاج إلى لحظة صدق وصفاء مع أنفسنا. يعمد كثيرون أن وصف الطفولة بالملائكة (كنايات فردوسية)، ذلك فقط لتأكيد سبة الشقاء للملائكة. ناهيك عن حجم المبالغة – التعويضية- في تصوير شخصية الأم. وأدب الطفولة – بالنتيجة- هو صرخة احتجاج – قد تكون متاخرة- على الواقع الاجتماعي الجائر بهذا الصدد. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في السياقات والمنظومات المتعلقة بالأطفال ومعاملتهم في مجتمعاتنا. الطفل.. ليس باعتباره صك أنانية الأم أو مادة عبودية الرجل، وانما الوجود الحيوي الذي سيطبع صورة المستقبل. حتى القوانين الغربية – في كثير منها- ينظر للطفل من منظور الحيازة [parent] المحيلة على [partL participate] وليس من منظور حرية الكيان الوجودي للطفل: [أطفالكم ليسوا لكم!/ جبران: النبي]. والعائلة لا تكتفي بتحميل الطفل شرائط جيناتها الوراثية – على علاتها-، وانما تحمله تصوّراتها الاجتماعية وخيباتها ولعناتها العائلية في كثير من الأحيان. وحالات التشوّه الاجتماعي والنفسي بما فيها ظروف الاجرام والانحراف انما هي مدينة للحاضنة العائلية سواء في الجينات أو التربية. وهذا للا يخص الأحداث فحسب، وانما الانسان بكل مراحله العمرية، المحكومة بعوامل طفولته الأولى.
وهنا يأتي دور الوظيفة الاجتماعية للأدب (النص الأدبي) بوصفه خطابا متقدما على صعيد التشخيص والمعالجة، على صعيد التنبيه والتوعية والانذار.
لكن الثيمة الأساسية في القصة/ العلاقة لا ينحصر في العمل، ولا الأطفال، أو اللقاء الدوري لشخص يتكرر حضوره وصورته مما يؤثث لنوع من علاقة مشاهدة متوالية تستحضر أبنية نفسية تقرب ما بين الطرفين، وتدفع باتجاه ترسيخ المعطيات الأولية وتطويرها باتجاه المستقبل. الثيمة الأساسية تتمثل في مبلغ ما تتمخض عنه المرأة/ الأم/ الراوية وتفيض به من طفولة عارمة، تغطي على كل شيء سواه، وسرعان ما تحتل المشهد السردي بكامله دافعة مشهد الأطفال (أطفالها وأطفاله) إلى هامش اللوحة. والغنائية الطافحة وكم الفرح المتدفق من القص أنما هو مدين لطاقة الطفولة المختزنة داخل المرأة التي وجدت منبجسا لها في علاقة الحب الجديدة أو الشريك النفسي الجديد.
هذه الطفولة الأنثوية لا يمكن لها أن تستمر في التدفق والنمو، لولا أنها تصادف ما يوازيها من طفولة مرادفة، أو أبوة مقابلة. لكن المشهد القصصي لم يتضمن غير جزيئة من الصورة، وربما ظهرت أجزاؤه الأخرى في مشاهد قصصية أخرى، فيما يمكن أن يأخذ إطارا روائيا.
*
مثلث الطفولة في شخصية المرأة تشكل عبر مراحل ثلاث..
1- مرحلة الطفولة الأولى في بيت العائلة الأم وفي وجود الأب.
2- مرحلة الزواج والانجاب، التي تقدم مستوى الطفولة التعويضية، أو ممارسة الطفولة عبر أطفالها.
3- مرحلة الطفولة الثانية عقب الانفصال عن مؤسسة الزواج التقليدي، والتي تتجسّد في العلاقة الجديدة والتي تكون فيها صورة الزوج أقرب إلى دور الأب لتتكامل صورة العلاقة الجديدة (الطفولة الثانية).
في تجسيدها للطفولة أو الطفولة الثانية، لا تكتفي الأنثى بما تحصل عليه من إشباع ذاتي وموضوعي عبر التكامل مع الطرف الآخر، الزوج/ الأب، وانما تحقق حالة من إشباع مزدوج يمتدّ إلى شخص الرجل الذي يبلغ حدّ العشق مع المرأة الطفلة، حيث تستنهض فيه شخصية الطفل الأول أو المراهق الغرير الذي يبست أحلامه على قارعة الطريق، وها هي أشخارا تأتي أخيراً لتحول أحلامه ورغباته الدفينة إلى واقع وحيوية متدفقة.
من الظواهر الاجتماعية السحيقة في تاريخ المجتمعات التقليدية هو تفاوت أعمار الزوجين، بين رجل مسن يتزوج فتاة صغيرة، وبين امرأة مسنة تتزوج شابا صغيرا. والواقع أن هذه الزيجات انما هي مجال حاجة نفسية وإشباع متأخر قلّ ما توقف المجتمع لدى ضرورته. تروي القصة التوراتية، أن داود الملك لما تقدمت به السنّ، وبلغ منه الكبر، جاؤوا له بفتاة صغيرة تدفئ عظامه الخاوية، ويستدل من خلالها على مدى احتفاظه بقوته وجدارته بالاستمرار بالحكم. وعندما أنجبت منه، تحسّن وضعه وصورته كثيرا.
على صعيد المجتمع تشكل العائلة [العلاقة] أحد ثلاث حالات:
طرفان متقاربان في السنّ (أو- في الخصائص الأخرى الثقافية والنفسية والاقتصادية).
الرجل أكبر من المرأة في السنّ (أو- الخصائص الأخرى)، وهذه هلي الحالة الأكثر شيوعا.
المرأة أكبر من الرجل في السنّ (أو- في الخصائص الأخرى) وهذه نادرة الحدوث.
كلّ واحدة من هذه الحالات تشكل دالة وضع ومجتمعي معين، وإذا كانت الحالة الولى هي المعبار القاسي العام، بغض النظر عن التفاصيل، فإن الحالتين الثانية والثالثة هما دالتا خلل البنيات المجتمعية المتراكمة.
(ياديم فاشيم) تبدو إدنى للحالة الثانية، رغم أن فارق السنّ ليس واضحا. ولكن الفارق يعبر عن نفسه في تلك الحاجة النفسية لاستعادة (تعويض) الطفولة في علاقة صحية بديلة تنتقم من جراح الماضي وتشوّهاته. هذا بالمنظور النفسي، أما بالمنظور الاجتماعي، فيختلف تأويل الحالة في اتجاهين، اتجاه يعتبر ان تصوّر الفتاة لرجلها غالبا ما يتوافق/ يستقي ملامحه من صورة أبيها في العائلة، وقد يصح الأمر بالمقابل على صورة المرأة عند الشاب إلى حدّ ما. اما الاتجاه الثاني، ففي حالة الأب السيئ تميل الفتاة إلى شخصية بديلة تصحح عبوب الصورة الأصلية.
منظور علم الاجتماع للعائلة يلقي مسؤولية استثنائية على كل من طرفي العلاقة العائلية، ومساعدة كل منهما الآخر، في تعويض (البديل) أو تكميل (الفقيد)، وبشكل ينتج حالة من التكامل النفسي والاجتماعي في العائلة الجديدة. صورة التكامل والانسجام الجديدة كفيلة بانتاج طفل طبيعي سويّ الخصائص النفسية والاجتماعية والثقافية. والحديث عن سرّ النجاح العائلي والسعادة العائلية يتمثل في هذا الاطار المبني على العطاء والتضحية، وليس الأخذ والاستغلال. ومن قيمة العطاء والتضحية المتبادلة ، والتقدير المتبادل بين الطرفين تتولد المحبة كنتيجة طبيعية وحافز للمزيد من العطاء والوفاء والتكامل. وهذا ما يمكن تلمسه في أجواء هذه القصة.
*
الطفولة هي البديل..
محاولة الانثى استعادة طفولتها – نفسيا- في بيتها الجديد، لا تشكل عودة – رجعية- للخلف، بقدرة ما هي محاولة للتسامي وتحقيق الأكمل والأفضل بحسب تصورها الثقافي وحاجاتها النفسية. بينما تنتظر من شريكها ان يفهمها ويتكامل معها داخل تلك الصورة. ولكن ليس كل الرجال متشابهين في تقبل هذه الحالة، أو القدرة عل تفهمها ثقافيا.
بالمقابل ثمة من يتعدل مزاجه بمياه طفولة يانعة جديدة، وليس مجرد طفولة ثانية (مستعادة) كما في هاته القصة. ونفس الأمر ينطبق مع نساء تقدمت بهن السنوات تجددها بدماء شاب صغير يبحث عن طفولة رغباته.
الرجل طفل كبير. الرجل مولود المرأة. هي تربيه وترعاه وتعرف لغة عينيه وجوع قلبه. ولا أحد يقرأ الرجل من عينيه غير مشاعر امرأة ذكية أو مختبرة. ولكن قليلا من الرجال من يسبر غور المرأة.. فأعماق المرأة سحيقة ومعتمة، ومن يدخل بين حشائشها وعواسجها يضيع أكثر ولا يشفى من غرقه. وحدها الأنثى تملك مفتاح ذاتها وكتاب ذكرياتها، وسعيد هو الزوج أو الشريك الذي تمنحه المفتاح وتكشف له صفحاته.. أما الصديق.. فيزداد شقاوة وهو يتصفح أسرار المرأة.
بين المرأة والطفولة ستون لغة مشتركة، لأن الأنثى هي التي تخلق الطفولة. أما الرجل فيشتاق للطفولة ويبحث عنها، وبدون مساعدة امرأة ورعايتها، لا يصل إلى قرار. بيد أن المرأة الطفلة لا تحب طفولة الرجل، وانما تحب تكامله معها في صورة الأب. على الجانب الآخر، قد يجد الرجل الطفل، المرأة التي تتكامل معه في صورة الأم. وبقدر أهمية الانسجام في الحياة الانسانية، يبقى هو الحالة الأكثر ندرة واحتياجا. ومن الانسجام يولد معنى الاستقرار والمحبة!..
نصّ قصة.. حنان درقاوي
ياديد فاشيم: Yadid Vashem
20 يونيو 2010
الى رفائيل حبيب العمر الباقي
الحق اقول هذا الرجل هبلني، هذا الرجل وحده أسال الدمع من عيني وأسهدني وتبعته وغازلته وطلبته ان يصعد بي الى غرفة نومي محمولة بين ذراعيه كطفلة.
هذا الرجل أسقط كل قلاعي، أنا المتمترسة دائما خلف العقلانية والسياسة والنسوانية المتطرفة جدا دفعا لهشاشتي. كيف يحدث لي ذلك وانا التي ما ارقت يوما وما بكيت وحين تزوجت مرتين كان ذلك ضمن استراتيجية للتوالد محضة حدثني عنها شوبنهاور.
كل هذا بسبب خيط حذاء. والأمر حدث هكذا ببساطة.
كنت أشتغل في ضواحي باريس معيدة بإعدادية وكان ضمن مهامي مراقبة خروج الاطفال من البوابة. كان بالإعدادية طفل مريض عقليا، مصاب بنوع من الذهان ولأسباب خاصة جدا كنت دائما مشدودة الى عالم غير الأسوياء.
ذات يوم وانا احرس البوابة خرج الطفل الذي لم يكن يكلم أحداً غيري في الإعدادية كأنه يعرف ما بي. كان هناك رجل وسيم بانتظاره. من موقعي امام البوابة نظرت اليه وانحنى لربط خيط حذاء طفله. ارتجّ كل كياني وكادت أصابعي تهرب مني لتربّت على كتفيه.
صاحبتني الصورة طيلة اليوم وكان يغمرني حنان بالغ وانا افكر في الامر.
قلبت الامر من كل نواحيه وقلت ربما لأني أربي طفلتيّ بدون أب هزّتني هاته الصورة، لكنني عدت وأنا متيقنة أنني دائما تحمّلت مسؤولية بناتي دون الحاجة إلى رجل.
نمت تلك الليلة وأنا أعرف أنه حبيب العمر الباقي وأنه أسقط قلاعي بسبب خيط حذاء. تذكرت الفيلسوف نيتشه وانهياره الاخير في مدينة ايطالية امام منظر حصان يجلد. هل يعقل ان ينهار فيلسوف ارادة الاقتدار امام هذه الصورة المعهودة؟ هل يعقل ان يعبر الحب إليّ من خيط حذاء؟
بعدها بدأت افكر فيه طيلة اليوم وأمنحه أسماء كثيرة لأني لم أكن أعرف اسمه. وحين بدا السهاد والبكاء وشدّ الشعر بدا محمد الحياني ينتصب امام عيني وأظل انشد:
“غير البارح وانا هــــــــــاني واليوم هانا مشغول البال”
كان الحياني وما يزال أمير الرومانسية بالنسية لي رغم تأثري الشديد بالرومانسية الألمانية وتحديدا بمدرسة ”ايينا”، لهذا في زمن بعيد كنت اشغل كوسيط للحياني وأتخذ وضعيات شرود وحين تسألني أمي عما أفعله أقول لها: “كانترومانسا”
تغلق أمي الجهاز وتأمرني بالذهاب إلى المطبخ لاستكمال تكويني كربة بيت. أصرّت أمي على أن أتقن الطبخ من ألفه ليائه وأذعنت واكتشفت لذات غريبة في الطبخ.
حين التقيت برفائيل لم تعد لي رغبة بالطبخ ولا حتى للأكل، صرت جسدا اثيريا، أتنفس حبّا، آكل حبّا، أستيقظ على صورته أمامي، يراقصني التانغو، رقصي المفضل. يصاحبني في عملي وأنام وأنا أحضن وجهه الجميل بين ذراعي.
استمر الأمر هكذا شهورا ستة قبل أن أسرق رقم هاتفه الجوال من حاسوب رئيستي في العمل وأرسل له أول خطاب.
حدثني فيما بعد أنه حين تلقى الخطاب كان وحيدا وكان ذاهبا الى الطبيب النفساني المعالج لابنه الذي اعلن له ان ابنه يدخل في مرحلة شيزوفرينيا خطيرة.
قال لي انه توقف وبكى، بكى لأنه كان هو الآخر يحبني.. ولأنه خارج من زواج فاشل.. كان يخاف عليّ لأنه رجل مكسور.
الحق أقول رفائيل ليس مكسورا، هو فقط ملاكٌ عابر على الأرض وكان يجب أن نلتقي. وكان أول لقاءاتنا حين دعاني إلى عرض سينمائي واقترح ان نشاهد فيلم “ميونيخ” وقلت له:
- لا أضمن لك مزاجي بعد الفيلم فهو يتناول أهم منعطف في القضية الفلسطينية ولا اعرف وجهة نظر المخرج.. وقد أخرج في انتفاضة فردية.
- لم أكن أعرف انك بهاته الثورة تبدين هادئة.
اتفقنا على أن اختار الفيلم حفظا لسلامة اول لقاء.. واخترت "بروكباك مونتان" وهو قصة حبّ جميلة بين رجلين جمعهما حبّ الصيد.
لم أمنع نفسي عن أن أساله أن كان يحبّ الصيد بعد العرض فأجاب بلا.. فقلت له طمأنتني. بعدها تمشينا على ضفاف السين وكان خيط جدائلي ينسل مني وأعيد ربطه فقال:
- تشبهين طفلي
وقلت له:
- انا هكذا طفلة تتعثر في جسد امراة.
فقال:
- ضيق عليك جسدك فأنت تبدين ملاكا.
- هل يؤمن الملائكة بالعنف الثوري في نظرك.. أنا أكثر شيطانية مما تتصور.
كان المطر قد بدأ في السقوط وصار يقفز على قدم واحدة ويغني
- ايم سينغين أندر رين
وانا اتبعه
- وانا ايضا اغني تحت المطر
أنهينا الجنون عند الايراني بشارع مفتار.. وكان زبونا قديما لديه.. فاعتنى بنا وعرفني على أشياء جميلة من الطبخ وموسيقى ايران الجميلة.
لم نفترق بعدها لحظة واحدة.. وكان الموبايل بيننا رسولا في أوقات العمل إلى ان سألني:
- أية ريح هبت بك تجاهي يا امراة الصحراء
فأجبته:
- نفس الريح التي حين تقود رجالا طيبين الى بنات قبيلتي فلا ينفرط بينهم العقد ابدا.
يومها قال:
- أود أن اخبرك شيئا وقلت
- أنا أيضا
ولكن كلمة واحدة.. وتغلق الموبايل بسرعة.. فالريح قوية ولا أريدها أن تعصف بلحظة بوح جميلة
- أحبُّكِ
- أحبُّكَ
لم يمض وقت طويل.. وأقمنا في بيت مشترك جميل وسط المدينة، كنا بعد أن ينام أطفالنا الخمسة نقضي الليل في الحب والرسم والكتابة، رفائيل فنان تشكيلي قوي، رجل مسرح موهوب ومغني أوبرا.. لكنه مثلي كان هدفه الوحيد بناء أسرة ويحيط به اطفال.. لهدا قتل نفسه في عمل لا يحبّه وهو شركته الإشهارية التي اشتغلت معه فيها على الريداكتينغ وهو على التشخيص البصري.
فتح عيني على لغات أخرى للابداع، على لغة اللون والشكل. فكنا نزور متاحف باريس تكرارا. علّمني كيف أقرأ لوحات لبوتشيلي، ماتيس، دولاكروا، اندي واررول...
كنت أمارس المسرح أيامها وكان يدرّبني وهو الذي تخرج من مدرسة “جاك لوكوك” احدى اهمّ مدارس التكوين المسرحي بفرنسا. معه اكتشفت جاك لوكوك، داريو فو، تينسي ويليامز ومسرح المقهور لاوكوستو بوال الذي غير حساسيتي المسرحية تماما. وكنت بين قبلة وأخرى أقرأ له أشعار ابن عربي والسيّاب ودرويش.. وبعد كل عربدة أدخل به عوالم شكري..
وكان جنوننا متوافقا تماما.
الحق أقول مع هذا الرجل أكون كما أنا جسدا من حبّ وكلمات..
هذا الرجل جنتي وبستاني “ابو حيان التوحيدي”..
الحق أقول هذا الرجل عشيق روحي..
وأقول هذا الرجل أعبده.
هامش..
حنان درقاوي (1971) مناضلة حقوقية وكاتبة مغربية مقيمة في فرنسا.
تكتب باللغتين العربية والفرنسية. لها عدة اصدارات قصصية وروائية منها:
طيور بيضاء، تيار هواء، الحارة المجاورة، جسر الجميلات، حياة سيئة، جميلات منتصف الليل، الخصر والوطن.
• ياديم فاشيم- قصة قصيرة للكاتبة حنان درقاوي- موقع دروب الثقافي- تاريخ 20 يونيو 2010، فصل من رواية (أصابع المطر).
* ياديد فاشيم (أي “عشيق روحي: بالعبرية).