التجسس الالكتروني والتوجيه عن بعد..
شبكة - (الانترنت والهاتف الخلوي)
“It would be nice to know how many more CCTV cameras they are going to put up before calling us the United Camera Kingdom”
Foolsold, London
“If we don’t do something now about the invasion of our privacy then pretty soon we might find we have no liberty to protect.”
Paul, Reading- مواطنان انجليزيّين في استفتاء حول الموضوع لجريدة (London Lite) الشعبية ليوم الجمعة الثالث من نوفمبر 2006-
*
(الشعب مصدر السلطات)، عبارة دخلت في الإرث السياسي للمجتمع المدني المعاصر، يقابلها عبارة (حماية الانسان وتحسين أوضاعه غاية كافة السياسات والإجراءات). وعلى قدر صحّة العبارة الأولى التي تروّس بها مقدمات القرارات والقوانين والمعاهدات والصفقات والأحكام القضائية المتعلقة بالسجن والطرد والاعدام، تصحّ العبارة الثانية في ارتباطها بالتجسس الالكتروني
[Please note that CCTV camera in operation for your safety.]
لقد كان فضح الاتحاد السوفياتي لبنود صفقة [سايكس بيكو] إثر ثورة اوكتوبر 1923 نصراً إعلامياً للشعوب المقهورة يومذاك، لم تعقبه أية فضيحة دولية في هذا الاطار. نمط الفضائح انتقل من صعيد الدول والصفقات، إلى الممارسات الداخلية والأشخاص. ففي هذه الفضائح يمكن تمويه مراكز المسؤولية وتزوير البيانات بين اللغط الاعلامي والموظفين الصغار. وكما أن فضائح الاغتيال السياسي في بلدان أوربية تنسب إلى موظفين صغار في السفارة يتم (تكبيشهم) فداء لبقاء - الرأس- أو اعتباره حادثاً شخصياً، مثل صور تعذيب السجناء في (غوانتانامو) أو (أبي غريب)، وتبرئة رجالات الحكومة من وزرها، فأن صفقات (تجارة) التجسس وبيع المعلومات عبر (أفراد) الدوائر الأمنية يسجل في خانة (الفساد الإداري) والتصرف الشخصي، الذي ينتهي بإقالة الشخص وفتح (تحقيق) إداري أو قضائي بالموضوع، لإسكات الاعلام والرأي العام. ان ربط السياسات (الأمنية) للبلدان بيافطة (الأمن القومي) كما وثقتها مضاعفات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، منح المؤسسة البوليسية في بدايات هذا القرن طراز (حماية وسلطة) المؤسسة العسكرية أيام الحروب العالمية في القرن الماضي. وكما كان شعار (كل شيء من أجل المعركة!) مسوغاً لتجاوزات الدولة وصمت (المواطن)، صار شعار (الأمن أولاً..) -القشة- التي تكسر ظهر المواطن، ومؤسسات المجتمع المدني الحرّة من أي اعتراض أو نشاط مناهض.
*
خدمة الكمبيوتر ومصيدة الأنترنت..
لا غنى للشخص أو العائلة اليوم عن جهاز كمبيوتر للدراسة أو العمل أو التسلية أو الاتصالات والتواصل مع الأصدقاء والأهل. بل هو يدخل في معظم مجالات الحياة المعاصرة. لكن الكمبيوتر ليس مجرد آلة صماء، ويختلف عن الراديو والتلفزيون والثلاجة والغسالة والدراجة، بأنه لا يمكن استخدامه بدون برنامج. وتباع البرامج منفصلة عنه في السعر، وأحياناً غير مركّبة في الجهاز. ولا يمكن في هذه الحالة برمجة الجهاز من غير تسجيله لدى الشركة المنتجة للبرنامج. في حالات معينة يكون البرنامج مركّباً في الجهاز لمدة تجريبية، على أن يتم تسجيله خلال ثلاثين يوماً، وعند عدمه يتوقف عمل الجهاز مما يقتضي الاتصال بالجهة المعنية أو شخص مختص لإعادة برمجته، ولا مفرّ في هذه الحالة من الاتصال بالمجهّز وتسجيل تشغيل البرنامج عنده، بواسطة رقم الانتاج الملصق في مكان في قفا الجهاز أو في مقدمته، مع (code) برنامج التشغيل. وفي غير ذلك يعتبر تشغيل الجهاز منافياً لحقوق الحماية الدولية ويمكن للجهات الرسمية مصادرة الجهاز في حملات مداهمة أو تبليغ سرّي. وفي بعض البلدان تمّ مصادرة آلاف الأجهزة لاستخدامها برامج غير مرخّصة.
عبر تسجيل الجهاز لدى الجهة المعنية يتطلب تثبيت إسم الشخص وتاريخ تولده وعنوانه ورقم هاتفه، تستطيع الاطلاع على كل العمليات الجارية داخل الجهاز. ولدى تسجيل عنوان إلكتروني [e.mail] لدى إحدى الشركات الالكترونية، تجد الاشارة الصريحة، التي تقتضي الاطلاع على سلسلة توصياتها وأنظمة عملها والموافقة عليها بالمصادقة (OK) ليتحقق ذلك. ويتطلب تزويد الشركة بجملة معلومات وبيانات شخصية لقاء الموافقة. عبر ذلك تتمتع الشركة الأصلية بإمكانية الاطلاع على المعلومات والعمليات الجارية في صفحة الشخص أو بريده الالكتروني. ولا يمكن تحديد حجم اتصالاتها وارتباطاتها في هذا المجال. الجديد هنا، أن الشخص الذي يراقبك لا يجلس معك في نفس الحجرة، ولا يجعلك تشعر بأنك تحت المراقبة.
مع بدء تصفح الشبكة، تظهر جداول تحذير أمنية لا يمكن تجاوزها، وعدم القبول يعيق ظهور الصفحة المطلوبة. ان الجوهر هنا، ان كل ما تفعله ممكن الاطلاع عليه، ويعني عندها قبول الشخص الضمني بذلك، مما يبطل أي ادعاء قانوني بالمقاضاة حول المسّ بحقوقه الشخصية.
*
الهاتف الخلوي (الجوال)..
يطلق عليه الانجليز الموبايل [Mobile]، بينما يدعى في بلاد أوربا الأخرى [Handy]. وهو يضاهي من حيث التقنية الألكترونية والاستعمالية مذياع الترانسستور [Transistor]، لدى شيوعه عقب الحرب العالمية الثانية وما حقق من نقلة نوعية في حضارة الاتصالات. لقد تضاعف انتاج واستهلاك الترانسستور بعد الخمسينيات بما ساهم في تقريب الأواصر الثقافية (ثقافة االمعلومات) بين أجزاء العالم المتقاصية. ومع تضاعف كمية انتاج الأجهزة وانتشارها في جنوب العالم وشرقه، استمرت متناهية في الصغر، فتجاوزت أحجام (كتب) الجيب، بالإضافة إلى انخفاض أسعارها وشعبيتها. ولكنّ هذا التناهي في الحجم والتسعيرة، وضع نهاية لها أيضاً، عبر ظهور أجيال وأجهزة جديدة، شكلت تعويضاً عن خدمات المذياع (الفقيرة)، مثل أشرطة وأجهزة التسجيل (كاسيت)، وتطور التلفزة و أجهزة عرض الصورة والصوت [Video] وانتشارها. وإذا كان الترانسستور (المحمول) قد انتهى في صورة (الهاتف) المحمول الذي يتمتع اليوم بخدمات تقنية لنقل الصوت والصورة وتبادل الايعازات الصورية والصوتية عبر الأثير، فإن أجهزة التلفزة والفيديو قد انعكست في تقنيات الكمبيوتر وخدمات الأنترنت ذات الشاشة المتناهية في الصغر والسعة والإمكانيات على صعيد واحد. هذا التطور التكنولوجي الإلكتروني السريع لم يحقق عادات استهلاكية وطفرات في الاقتصاد والتجارة، وانما حدّ من استخدام المذياع [Radio] والتلفزة [Television] بشكل فظيع. وإذا كان من النادر وجود جهاز مذياع لدى قطاعات كبيرة من السكان، لا سيما الشباب، فأن أجهزة التلفزة التي تعاني من منافسة انتحارية مع خدمات الأنترنت، ستشهد انسحاباً فجائيا خلال العقد المقبل، يتحول معه إلى جزء من تراث الأنتيكا [Antica]. وليس من المستبعد هنا، أن مؤسسات الدولة التي بدأت بخصخصة [privatization] مؤسسات الإذاعة والتلفزة في العقدين الماضيين، سوف تلجأ لحماية هذه التقنيات من الانقراض النهائي من الاستعمال، عبر إجراءات وسياسات معينة.
*
حجم توزيع أجهزة الموبايل والأنترنت في دول الاتحاد الأوربي..
البلد عدد السكان موبايل انترنتألمانيا 82,398 78% 47%
أسبانيا 40,217 92% 15%
ايطاليا 57,998 102% 34%
بلجيكا 10,289 79% 33%
بلغاريا 7,537 33% 20%
برتغال 10,102 90% 19%
بريطانيا 60,094 84% 42%
بولنده 38,662 45% 23%
تشيكيا 10,249 96% 29%
تركيا 68,109 34% 7%
دنمارك 5,384 89% 51%
رومانيا 22,271 23% 8%
سلوفاكيا 5,430 68% 26%
سويد 8,878 89% 57%
فرنسا 60,180 70% 37%
فنلنده 5,190 90% 51%
نمسا 8,188 88% 46%
هنغاريا 10,045 68% 23%
هولنده 16,150 77% 51%
يونان 10,665 78% 15%
· المصدر: The Europe Diary, 2005/2006
*
مظاهر خارجية وغايات خفية..هذا الانتشار الواسع والمتصاعد لهاتين الخدمتين، يكشف مساحة الاتصالات الخاضعة للمراقبة، وحجم السكان الخاضعين للمتابعة. وفي حال بنك الجينات الذي يغطي نسب متفاوتة من تقسيمات السكان داخل بريطانيا، تسعى الدوائر المعنية تطويرها لتشمل الجميع، فإن الرقابة الالكترونية عبر استهلاك الأجهزة التقنية والالكترونية الحديثة، تضمن سيطرة أوسع من الناحية الدمغرافية ناهيك عن مميزات عملية أخرى مثل زهد التكلفة واستمرار عملية الرقابة مدى الحياة (!). وكما ورد في الفصل السابق حول كامرات التجسس الصوتي والصوري في الأماكن العامة، فهو يعني الحديث التي لا يتم عبر استخدام الهاتف النقال أو الأنترنت.
*
أليس للفرد أن يتساءل عن مغزى التطور السريع والرخيص في هذه المجالات، دون غيرها. هل التكنولوجيا الرأسمالية، التي انطلقت يداً بيد مع الثورة الصناعية وحركة الاستعمار الحديث في القرن السابع عشر، تتبع الجمعيات الخيرية والمنظمات الانسانية كالصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية والكاريتاس لمساعدة المعوزين والمضطهدين وفقراء الأمم، لتبذل لهم نعمة الموبايل والأنترنت بأسعار رمزية قياساً إلى أسعار الأدوية وبعض الأغذية الأكثر ضرورة ولزوماً لحياة البشر. سيما وأن الأزمة التي تهدد المستقبل تتعلق بالأمن الغذائي [شحّ الغذاء] وليس [شحّ الاتصالات].
يقول خبراء الاعلام والاتصالات [Media & Communication]، أن المعنى الحقيقي لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية [1939- 1945] ما كان ليكتمل بدون (ثورة) الترانسستور. بمعنى أن حرص الحلفاء [الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا] على النصر المعنوي - الاعلامي- لم يكن أقلّ من حرصها على تحقيق النصر العسكري الميداني. لقد أدى انتشار الأخبار السيئة في صفوف المحور إلى انكسار المعنويات القتالية وتقديم هدايا سحرية لقوات العدو. بل أن صدى انتصار الحلفاء في أفريقيا وآسيا كان أكبر منه داخل أوربا - ميدان المعارك الرئيسية. لقد حوّلت هذه الأجهزة الصغيرة العالم كلّه ساحة لنشر أخبار المعارك وصدى الانتصارات، فكان الصدى الاعلامي لهزيمة المحور [ألمانيا وايطاليا واليابان] في أفريقيا وآسيا نصراً سياسياً هيّأ لمرحلة جديدة من النفوذ والتبعية السياسية والاقتصادية في النصف الثاني من القرن العشرين.
حسب هذا المستوى من التفسير، ما كان لأحداث انفجارات نيويورك [2001] هذا الفعل النفسي والدولي بدون خدمات النقل الفضائي المصور للحدث. لقد انتقد كثيرون طريقة عرض قناة [BBC] للنبأ وما تركه من آثار نفسية هستيرية ومدمرة على نفوس النساء والأطفال والشيوخ والمرضى. فالتهويل والمبالغة والانتشار، هو الذي حوّل الحدث (المحلي) إلى حدث (عالمي) وهيّأ الرأي العام العالمي لمرحلة ما بعد سبتمبر، التي ما كان يمكن أن تمرّ بلا عقاب أو نتائج سياسية وعسكرية مباشرة. واليوم، بعد أن حدث ما حدث، والشرق الأوسط (الكبير) يتمرّغ في وحل (التخبّط) الأميركي، لا أحد يعنّ له دراسة أصل الظاهرة وعوامل تضخيمها بدل معالجتها وتقليل آثارها التدميرية. لا أحد، يعنّ له تأمل الدور الذي لعبته شبكة الأنترنت حتى الآن، في خدمة أهداف الحرب (على الإرهاب) بالمفهوم الأميركي الهونتننغتوني. ما هو السرّ وراء التناسل الجرذي للمواقع الإلكترونية الناقلة للأحداث بما فيها تلك المناوئة (ظاهرياً) للأميركان، سواء في حرب أفغانستان أو حروب العراق. وما هي الفائدة المنعكسة على العرب أو العراق من خدمات الشبكة والمواقع تلك. قد تختلف الآراء كالعادة في الأمر. ولكن عملياً، حجم الهزيمة (الاعلامية) والتشرذم الاعلامي في صفوف العرب والعراقيين، أكبر من حجم الهزيمة العسكرية والتشرذم السياسي في الميدان.
على هذا الصعيد، يمكن تلمس الدور الذي لعبه جهاز الموبايل الصغير في إثارة الزوبعة الاعلامية لحادث الثلاثين من ديسمبر في حفرة مركز استخبارات الكاظمية (العراق) على صعيد الرأي العام الاقليمي والدولي. ان أهمية ما يحدث اليوم في أي مكان من العالم، ليست في حجمه وآثاره المباشرة، وانما في مدى انتشاره الاعلامي ومضاعفاته غير المباشرة. ان كثيراً من المنظمات والجمعيات والواجهات والأحزاب و(الطوائف)، لها وجود (إعلامي) إلكتروني أكثر مما هو كيان حقيقي قائم على الأرض. والعكس صحيح أكثر، أي أن جمعية أو جماعة، بدون تأثير (إعلامي) غير قادرة على الحياة والتواصل. من أوائل الخدمات التي (غزت) العراق عقب الاحتلال هي خدمة الهاتف النقال، ومع تعذر وصول أو استمرار كثير من خدمات البناء وتعمير البنية التحتية، استمرت شركات الهواتف النقالة بجدارة كشركات وحيدة في ظل الفوضى الأمنية.
*
النتائج المستخلصة..
إذا كانت بداية الترانسستور والكمبيوتر، اتسمت بخدمة الأغراض العسكرية والحربية، فإن غاية خدمات الأنترنت والهاتف الخلوي تصبّ في خدمة الأغراض الأمنية (البوليسية)، وتسهيل عمليات التجسس الشخصي واختراق حياة الأفراد الخاصة. من الأنظمة المستعملة في سجون بعض البلدان المتقدمة، جواز قضاء السجناء أوقات محددة أو أعطال دورية خارج مبنى السجن، وبدون مرافقة البوليس، بعد ربط جهاز صغير في رسغ أو قدم السجين، له اتصال مباشر بإدارة البوليس حول مكان وجوده وحركته. ولا بدّ أن كل صاحب هاتف نقال، استلم تلك الرسائل الألكترونية من شركة الاتصالات الخاصة لهاتفه وهي تهنئه لدخوله أجواء البلد الفلاني وتدله إلى امتيازات أسعار الاتصال المدعومة لكل دقيقة، أو اسم الشركة الزميلة التي يمكنه الاتصال بها للاستعلام حول خدماتها. ان شركة الاتصالات (الهاتفية) المرتبطة بشبكة دولية مقرات أغلبها في الولايات المتحدة الأميركية، لا تحدد فقط تنقل صاحب (الهاتف) من بلد إلى آخر [Roaming]، وانما ترصد حركته من مدينة إلى أخرى ومن بقعة لأخرى داخل المدينة، وتميز وجوده في العراء أو داخل مبنى إلكتروني أو بناء من عدة طوابق أو داخل سيارة، وهي أمور لا يمكن أن تعنّ للفرد أو تخطر في خيال شاعر. إذا كان ذلك على صعيد تحديد (إحداثيات المكان) بالمفهوم العسكري، فماذا عن التنصت لاتصالاته الهاتفية وأحاديثه المتنوعة والتي يمكن لأي كاتب قصة مبتدئ أو كاتب (ضبط) أن يحصل بجمعها وتوثيقها على أكثر من رواية تجمع بين خصائص الدراما والكوميديا والغزل والجريمة واللغز والأدب المكشوف. ناهيك عن تبادل الأخبار والتعليقات السياسية والدينية والفكرية حسب طبقات المتحادثين والمتواصلين.
قبل عامين، أعلنت الدائرة الفدرالية في ألمانيا أن الأقراص المتوفرة حتى الآن، تتيح لها إمكانية الاحتفاظ بالاتصالات الهاتفية والالكترونية في عموم ألمانيا لمدة ثلاث سنوات، وأنها تبحث في إمكانيات تطوير قدرات الخزن. وثمة تعاون دولي بين الدول المتقدمة والمتحالفة في هذا المجال. وبهذه الخدمات تم الوصول إلى أكثر من حالة في ملابسات عمليات الارهاب داخل ألمانيا وأسبانيا وايطاليا، ويتم الكشف بين مدة وأخرى عن جماعات جديدة من شبكات الارهاب أو الدعارة أو المخدرات الدولية.
في مكان سابق، تمت الاشارة إلى بنوك الجينات في الدولة العصرية والفايلات الجينية [Genfiles] في دوائر الداخلية لكل شخص. وهنا يمكن الحديث عن ملفات إتصالية [communication files] لكل شخص توثق جميع اتصالاته الصوتية (mobile, chat) وصورية [email, message] على مدى فترة معينة، إن لم تتطور الامكانات لقدرات خزن لسنوات طويلة، بالعشرات أو المئات، بحيث يمكن لأجيال لاحقة الاستفادة من المعلومات الواردة في بعضها، وربما يستشف من بعضها نبوءات أو معجزات تحدث بعد قرون، كما استشف البشر من نصوص وحفريات العهود القديمة.
طالما غضب بعض أفراد الأجيال السابقة وهم يكتشفون أن أحد عمال الهواتف البريدية يتنصتّ على محادثاته الهاتفية مع صديق أو صديقة، أو أن دارة البريد تلجأ للاطلاع على مضامين رسائله السياسية أو - الغرامية- بعد أن تفتحها بطريقة (البخار)؛ لكن أبناء اليوم يندر أن يغضبوا أو يهتموا لوجود جهة تسجل محادثاتهم او تراجع رسائلهم الالكترونية، أو أن الشبكة ترفض خدمة توصيل رسائل معينة، أو انقطاع خدمة الشبكة أثناء قيامه بعملية منافية لشروط الخدمة أو الحماية الدولية.
ان المعادلة في هذه الحال، غير متوازنة الطرفين. بين الدولة والفرد، أو بين الشركة (الدولية) والمستهلك. ولا يرى كثيرون، - راضين أو مكرَهين-، ضيراً في التنصت ومراقبة اتصالاتهم، طالما أن الغرض من ذلك لحمايته وخدمته الشخصية، من الشرّ المتربّص به، أو بالمجتمع المدني الحديث جراء صراع الثقافات. في حقيقة الأمر، وكما أشير في فصل سابق، أن الفرد (العالمي) اليوم لا يعرف المدى التي تصل إليه معلوماته ولا الأشخاص الذين يتداولون فيها ويعرفون عنه أشياء لا يعتقد أو يذكر أنه يعرفها. الفرد اليوم هو فرد (عالمي) رغماً عنه، وأنه بقدر مواكبته واستهلاكه لخدمات تقنيات الاتصال الحديثة يزداد شهرة وعالمية على أولئك الأقل تداولاً للخدمات الاتصالية أو يتعاملون بها بالكاد. وهذه هي احدى صور القرية (العالمية)، أو حصيلة الأحلام العولمية لمثقفي السبعينيات وهم يتحدثون عن يوم يكون العالم فيه [مجرد قرية صغيرة]، وأن الثورة المقبلة هي ثورة إتصالات ومعلومات. لا أحد توقع بالتأكيد أن الاتصالات ستخدم التجسس على الحريات الفردية، ومرثاة الرفاه الاجتماعي والمجتمع المثقف وعالم الأمن والإخاء والمساواة.
*
فقدان الأمن وسلب الحريات.
لقد تهلّل كثيرون بما دعي ثورات الربيع ضد بعض الأنظمة العسكرية غير المنسجمة مع السياسات الأميركية الجديدة، وجرى نسبة نجاح تلك الثورات (الشبابية) لشبكة النت ومواقع التواصل الاجتماعي التي يديرها جملة من شباب السي أي أي، وعلى رأسها اليوتيوب والفيسبوك والتويتر. فما الذي أسفرت عنه ثورات النت، غير هيمنة التيارات الأصولية الرجعية. ان اصطلاح (رجعية) هو المضاد والمقابل لاصطلاح (تقدمية) حسب قواميس ثقافة الستينيات. وفات أولئك المتفائلين نتيجة الثورة الشبابية الأقدم في ايران 1978، لتتكامل مفاتيح المشهد المعاصر.
وقبل عقد واحد فقط من ثورات الشبيبة تلك، قام اثناعشر فردا من الشاب بتنفيذ غزوة نيويورك ضد ناطحات السحاب، التي غيّرت تقاليد اللعبة الأمنية ونسفت قوانين الحماية والحريات الفردية بدء بمداخل الحدود والمطارات وليس انتهاء بمداهمة المنازل ومصادرة الكمبيوترات الشخصية من قبل القوات الانكشارية في الأرض. وفي أحدى الروايات العربية الصادرة حديثا يلعن الشاب الذي يزور لندن ويتعرّض لتفتيش الكتروني سخيف، الدافع المحرك لارهاب الناس رسميا ومن قبل دول كانت داعية وراعية للحريات الفردية وحقوق الانسان ذات زمن تليد.
ان الانسان لا يستطيع أن يعيش من غير أمل. وأمل الانسان وتطلعه الدائم هو تحسين حياته وتحسن صورة المستقبل له ولأطفاله. ولكن الصدمة الأميركية [sharp shock policy] أودت بكل الأحلام والتطلعات الانسانية، ودفعت عقارب التاريخ، دورة كاملة نحو الخلف – ما قبل التاريخ- المعروف بالسلفية في بلداننا. انهارت المؤسسات، وشاعت الفوضى وافتقد الأمن، وصار الباحث عن الحرية كالقابض على جمر.
وفي رواية (الكفار) لأسامة يس عندما يعود البطل من حضور (مؤتمر لحوار الأديان) في لندن، يتعرض لتحقيق أمني في مطار القاهرة حول أجواء زيارته وتفاصيلها. وخلال المحادثة، يقول له ضابط التحقيق أنهم يعرفون تفاصيل زيارته ولديهم قائمة باسماء الحاضرين وتسجيلات كاملة لكل ما دار في المؤتمر، وذلك بحب اتفاقية أمنية مشتركة بين البلدين! ولكن عليه كمواطن صالح مخلص لبداه تقديم معلومات طوعية لدوائر بلده عن كل ما يعرف. وهذا يذكر بالمساومات الأمنية بين الأميركية ووزارة العادلي (وزير داخلية مصر الأخير في حكومة مبارك) عندما يطالبه المندوب الأميركي بتسليمه نسخة من (ديسك) جهاز المباحث المصرية لقاء تزويده بديسك المخابرات العراقية. وهذا يؤكد مدى التسويف في الحقوق والحريات الشخصية للأفراد بين الدول والسمسرة بها تحت عنوان التعاون الأمني بين البلدين. ولم تتحرج حكومة الولايات المتحدة لقيامها بالتجسس على التلفون الخاص لمستشارة ألمانيا انجيلا ميركل، رغم شكواها الرسمية، وزعم أوباما أن من حق بلده القيام بكل شيء لتأمين أمنه القومي. وفي مقابلة صحفية قديمة أعترف أحد مسؤولي جهاز المخابرات الأميركية، أن لجهازهم وكلاء في كل بلدان وحكومات العالم. وأن أصغر مندوب لديهم بدرجة سفير. ولنا أن نتصور كيف تطورت القدرات الأمنية خلال العشرين عاما الأخيرة، حيث فقدت كثير من حكومات الدول كارزماتها التقليدية الدولية، وتحولوا لمجرد ولاة محليين ووكلاء أمنيين للبيت الأبيض. وما ينبغي التنويه اليه، أن التقدم العلمي والحضاري ليس ضد مصلحة الانسان ولا ينبغي له أن يكون. ولكن ما يحدث اليوم، هو اقتران مظاهر التقدم بانفراد الامبريالية الأميركية بمقدرات العالم، وتسخيرها مقدرات العلوم والثقافة والميديا والجيش والاقتصاد والدين لفرض التبعية والنموذج الأميركي على الجميع، وتدمير بوادر أية قوة منافسة أو مهددة لسياساتها. وفي ذلك يقوم مخططها بالسيطرة على حكومات الدول ورؤسائها من جهة، وباستخدام وتوجيه الأصولية الدينية [الاسلامية والمسيحية على السواء] للسيطرة على قواعد المجتمعات، ومشاغلتها بهموم المعيشة والحياة اليومية الصعبة.
ان القيم المدسة الحضارية والمبادئ اللبرالية السامية وقواعد حقوق الانسان والحريات الفردية هي الضحية ا|لأولى لثورة الاتصالات العولمية وشبكة النت الدولية التي تتحكم بها دوائر السيطرة والمراقبة والخزن في وكالة المخابرات المركزية الأميركية. فلا غرابة ان تنتشر القيم الراسمالية الامبريالية الأميركية التي تضع الأمن القومي الأميركي بمثابة قدس ا|لأقداس في هيكلها وفي ضوء الاستراتيجية الأميركية لمستقبل العالم. نعم .. لقد اصبح العالم قرية – أميركية- صغيرة، تقوده الميديا ا|لأميركية، وطغى الطابع والذائقة الأميركي [American Style] على أواق وتطلعات الناشئة والشباب والبنات من جماهير النت والفضائيات التلفزيونية.
ولكن السؤال الي لا يريد البعض ان يواجهه يبقى: لماا انحسرت اللبرالية والثقافة العلمانية مع انتشار شبكة النت، وشهدت الأصولية الدينية المتطرفة والعنف الديني رواجا ودعما لا سابق له، جنبا |إلى جنب شعارات الدمقرطة الأميركية، مع التركيز على مركزية الاسلام والشرق الأوسط في خريطة السسياسات الدولية؟.. والواقع، بالنسبة لكثير من المثقفين والأدباء العرب والمسلمين اللبراليين، لقد كانت معطيات تكنولوجيا الاتصالات الجديدة نكالا عليهم، ليس في جانبها التقني، ولكن في خطابها المحرض ضد العقل والقيم المدنية. والخراب الذي تعيشه مجتمعات الشرق الأوسط في مستهل الألفية الثالثة، هو نتاج اجتماع ثورة الاتصالات الأميركية ونهاية التاريخ وعالم ما بعد الحداثة!.. وماذا بعد؟!!.. فما زال المشهد في بداياته!..