المعلمون بين غوركي وتشيكوف
"آه لو كان عندي نقود لأقمتُ مصحَّا للمدرسين المرضى!
آه لو تعرف حاجتنا للمدرسين الجيدين المثقفين، ينبغي علينا أن نحيطهم بعناية خاصة، بأسرع وقت ممكن، فلا نستطيع أن نُؤسس شعبا مثقفا ثقافة واسعة بدون معلمين واعين، فالدولة ستنهار بلا هؤلاء.
فالمدرس ينبغي أن يكون فنَّانا ومصوِّرا متيما بعمله!!
أما عندنا، فالمدرس عاملٌ يدوي، قليل الثقافة، جائعٌ مقهور، خائف على كسرة خبزه!!
يجب ألا نُذلَّ كرامته، فمن الحماقة أن نُعطي رجلا مدعوٍا لتربية الشعب، مرتبا شهريا حقيرا!!
لا يجوز أن نسمح له بأن يسير في أسمالٍ بالية، يرتعش من البرد، وفي الثلاثين من عمره يُصاب بالتهاب المفاصل والرئة، الناجمة عن دخان المدافئ المهترئة، عارٌ علينا هذا. إن ما يحدث عندنا هو امتهانٌ لإنسانٍ يؤدي عملا رائعا مهما!!"
انتهى الاقتباس
(من كتاب: مؤلفات مختارة، لأنطون تشيكوف)
النصُّ السالف كتبه، مبدع رواية الأم (مكسيم غوركي) عام 1887 يتحدث فيه عن أبرز أمنيات زميله المسرحي الكبير (أنطون تشيكوف) حين دعاه إلى منزله!!
هي ليست نبوءة، وإنما هي لغة العقل، ولغة مَن يرغبون في بناء المجتمع بناء عقليا وروحيا، فبناءُ الإنسان هو جوهرُ الصراع منذ الأزل!
لقد اهتدى غوركي إلى أبرز لَبِنَات البناء، وأهم قواعد الأساس، وهو المعلم، فبدونه يصيرُ البناءُ خرابا.
مَن يتابع حالةَ المدرسين في معظم الدول (النائمة) سيجد أنها لا تُولي عناية للمدرسين، بل إنها تضطهدهم، وإليكم بعض أمثلة الاضطهاد:
المرتب الشهري الضئيل يقع في المرتبة الأولى، وتأتي بعده بالضبط المقررات والمناهج المدرسية المُحبطة، ونظام النجاح الآلي، ويلي ذلك الإدارة المدرسية البيروقراطية، وأساليب متابعة وزارات التعليم للمدرسين، واكتظاظ الفصول المدرسية، وتقييد حرية المدرّسين، وإشغالهم بأنصاف وأرباع الدرجات والسجلات، مع وجود الكمبيوترات!
إنَّ كلَّ أشكال الاضطهاد السابقة أرغمت معظم المدرسين لممارسة أسوأ الحرف والمهن في العالم، وهي مهنة التدريس الخاص!!
وصار مألوفا عند معظم المدرسين المضطهدين، أن يركبوا موجة الثراء، باحتكار آليات التدريس للمقررات المدرسية وتحويلها إلى مهنةٍ مُربحة، وتفكيك كتب المناهج إلى أحاجٍ وألغاز، وإعادة صياغتها في كتب تجارية ربحية، لا ينجح الطلاب إلا بالاستعانة بها، وهذا يشمل الجامعات والمعاهد أيضا.
وظهرت طائفةٌ أخرى، مهنتها إعداد البحوث والدراسات، ووسائل الإيضاح من التُجَّار المحترفين، يكتبون الأبحاث والدراسات بأسماء الطلاب الراغبين في الحصول على النجاح، وبعد أن يشتريها الطلابُ الذين لم يكتبوا فيها حرفا واحدا، يُسلّمونها إلى أساتذتهم ومعلميهم، ويضع المعلّمون الدرجات عليها، وهم يعْلَمون أنها ليست من إبداعات طلابهم، بل إنها أبحاثٌ مشتراة من سوق الأبحاث والدراسات السوداء!
فالنجاحُ والتفوُّق يُمنحان للورق، وليس للطلاب أنفسهم ولكفاءتهم!!
وصار مألوفا أن يتحول المدرِّسُ من صاحب رسالة تربوية وطنية، إلى صاحب مهنة تجارية!!
ووصل الأمر بكثيرٍ من هؤلاء إلى معاقبة وطنهم، فصاروا يعتبرون عملهم اليومي في مدارسهم، وسيلة لاصطياد الطلاب الموسرين، لغرض جني الأرباح، وأصبحَ عملهم المسائي الخاص حتى طلوع الفجر هو الأهم، أما دوامهم في عملهم الحكومي فهو استثناءً للاستراحة!!
ولعلَّ أخطر ما في ذلك، هو قناعة معظم طلابنا بأن العلوم التي يدرسونها في مدارسهم لن توصلهم إلى الحياة إلا عبر سماسرة الدروس الخصوصية، وصار مألوفا أن تُخصِّص الأسرُ جزءا من دخلها الشهري لتغطية نفقات هذه الدروس!
ولعل أخطر ما في هذه السمسرة أن كثيرين من الطلاب الأذكياء، لم يعودا يثقون في ذكائهم وقدراتهم على الإبداع والتفوق، بفعل نظام الامتحانات العقيم، المصمم خصيصا للمدرس السمسار!! فأصابهم الإحباط وغدوا مقتنعين بأن النجاح والتفوُّق لا يمكن أن يكون إلا على يد مدرّس محترفٍ سمسار، محترفٍ فقط بالإجابة على أحاجي الاختبارات.
وأخيرا: "إن ما تُعطونه للمعلمين مِن مرتّباتٍ وحوافزَ، يعود ربحا وفيرا لأبنائكم، وهو السلم الموصل إلى العُلا".