الاستاذ العلامة محمد بهجت الأثري.. تجديد الدين وتهذيب التراث

وديع العبيدي قرأها 2,482

الاستاذ العلامة محمد بهجت الأثري.. تجديد الدين وتهذيب التراث 

إذا كان للزيارة من مناسبة آنية، فتلك كانت تعافي الشيخ الجليل العلامة محمد بهجت الأثري [1902- 1996]، من وعكة صحيّة وهو يومذاك على مشارف التسعين.. وكالعادة.. فأن التقاء بعض الشخصيات الثقافية والاجتماعية المعروفة لا يكون لقاء أول، أو من غير أوّليات. فكيف والاستاذ الأثري هو معلم الأجيال ومخضرم الثقافة والدولة العراقية على حدّ سواء. ولعلّ أفضل بداية للحديث هي لقبه (الأثري). عندها ابتسم الشيخ الجليل وأومأ بيده: تلك حكاية مضت!. تعود إلى أيام تتلمذه على يد العلامة (علي علاء الدين) الألوسي الذي تخرج كثير من الأعلام والنوابغ على يده، من بينهم الشاعر معروف الرصافي. وكلمة "تلمذة" تعادل درجة - باحث- في الدراسات الأكادمية المرموقة، ما كان الاستاذ الأثري ليرضى بغير التنقيب في الآثار والمصادر القديمة والأصليّة للمساهمة في عملية التأسيس الثقافي وتجديده، فلحظ أستاذه الألوسي دأب الباحث، فقال له، كأنك لا ترضى دون الأثر [الأوّل/ الأقدم- والمقصود بالأثر أي الأثر المباشر عن الرّسول بغير العنعنة]!، فسرت عليه "صفة" الأثري منذـذ. وبها  يمكن تشخيص منهجية فكر الأثري وطرائق بحثه التي تعود إلى أصول الأصول، ولا ترضى بغير امتحان الاراء بملكة العقل وثقب العلوم بآلة اللغة الأداة كما يصفها في مصنفه.  بهذه المناسبة، يذكر أن العلامة الألوسي هو الذي أسبغ على الشاعر معروف عبد الغني – الرصافي- لقبه الذي اشتهر به، في مقابل الشيخ (معروف الكرخي)، على أن صفة الرصافي تمتح من حنكته في رصف العروض  والقوافي لنبوغ شاعريته المبكر، وليس من نسبته إلى جانب الرصافة من بغداد، حيث مقام الشاعر ومركز مدرسة الألوسي في جامع الحيدرخانة. وكل من لقبي [الأثري، والرصافي] لم يعرف بهما أحد غير صاحبيهما الأولين [محمد بهجت ومعروف عبد الغني].

اسمه محمد بهجة (إسم مركّب) بن محمود أفندي ابن عبد القادر بن احمد بن محمود من أهل بغداد ولادة ونشأة وعلما، ولقبه الأثري لصفته العلمية. من عائلة معروفة في عالم الاقتصاد والتجارة ولها أملاك وأطيان على امتداد العراق. يعود أصل عائلته إلى منطقة ديار بكر، غادرتها على أثر خلاف مع السلطات باتجاه أربيل، ومنها إلى بغداد حيث استقرت في جانب الرصافة من بغداد، وكان لوالده متجر في شارع المتنبي.

تتلمذ على يد أعلام بيت الألوسي في بغداد -المشهود لهم بباعهم العلمي ودار العلم يومذاك، وفي مقدمتهم العلامة ابو الثناء الألوسي- ومن أساتذته العلامة علي علاء الدين الألوسي (المتوفي 1921م)، والعلامة  محمود شكري الآلوسي (المتوفي 1925م)  وكان متأثرا بخطّ العلامة نعمان الألوسي (المتوفي 1899م). ولشدّة اعجابه وتأثره بعائلة الألوسي وما لها من مكانة ودأب وخدمة في مجال العلم والثقافة والتربية والأدب، تكريمه هذه العائلة العلمية في شخص استاذه ومعلمه الكبير في مؤلفة الأثير (محمود شكري الألوسي.. حياته وأراؤه اللغوية). وكان ذلك قاعدة كتابه الفخم (أعلام العراق) الذي صدر جزؤه الأول الخاص بأعلام بيت الآلوسي (1926م) ولم يستكمله. وهي مناسبة ضرورية للبحث العلمي المعاصر لاستقراء واستقصاء الدور الثقافي والتربوي الذي لعبته عائلة الآلوسي ومشاهير البيوتات العلمية البغدادية عبر أجيال متعاقبة وفضلها في تأسيس الثقافة العراقية والعربية الحديثة في القرن العشرين.

كان الاستاذ الأثري متنوع الاهتمامات، منفتحا على آفاق العلوم والفنون والآداب العصرية، فبرع في مجالات العلوم والآداب والخطّ العربي. تأثر بخطّ العلامة نعمان الآلوسي في خط "نسخ تعليق". وقد نسخ كتبا لاستاذه بهذا الخط، وفي أرشيف المجمع العلمي العراقي نماذج من آثاره "الخطّيّة". وقد كتب لي رسالة بخطّه الأنيق وهو في سنّه المتقدمة يومذاك بدون أثر لاهتزاز أو انحراف. وكتاباته أقرب للرسم والتحفة الفنية منه لمجرّد كتابة لا تترك أثرا في العين أو النفس، واليوم جاء الكمبيوتر ليقضي على طابعها الفني قضاء مبرما. كان درس الخطّ وتعليمه واتقانه جزء من أصول الدراسة الأولية في بداياتها التقليدية قبل انتشار المدارس الحديثة التي أهملت هذا الجانب مبتدأ، وأهملت سواه لاحقا. وفي مجال الخطوط البديعة والمضبوطة الرسم -إلى جانب الأثري- أذكر خطّ الاستاذ العلامة روكس بن زائد العزيزي [1903- 2004] وخطّ الاستاذ الدكتور صلاح نيازي (مواليد 1935). مما يذكر بمقولة (خطّ الشخص تعبير عن شخصيته!). وإضافة لعلوم اللغة والخطّ والحديث والمنطق والتاريخ، تعلّم الأثري اللغات التركية والانجليزية والفرنسية إلى جانب العربية.  وبعد حصوله على الإجازة من استاذيه محمود شكري الآلوسي وعلي علاء الدين الآلوسي، شغل الاستاذ الأثري عدّة مراكز في مجال التعليم التربوي والثانوي والعلمي ومجال العناية بالدين والأوقاف، ومع انه تقاعد من عمله الرسمي عام 1963م، إلا أنه لم ينقطع عن البحث والمشاركة والانتاج العلمي والأدبي المتنوع، فوضع عديد المؤلفات، لم يطبع منها غير القليل،

*

زيارة صيف..

كانت زيارته ذات صيف في داره الكائنة في منطقة الأعظمية من بغداد. وتسمية الأعظمية نسبة إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي [699- 767م] قطب المذهب الحنفي، والكائن ضريحه والجامع المحيط به في الضفة الجنوبية من نهر دجلة، وبجواره مقبرة (الخيزران) الشهيرة والتي وضع الباحث وليد الخطاط الأعظمي العبيدي [1930- 2004] عنها كتابه الشهير (أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الزمان). وداره على الطراز الشرقي الحديث بغدادية الطابع، متواضعة غير حديثة البناء، تتقدمها حديقة تفصل بابها الرئيسة عن باب المنزل خطوات قليلة. تقع الدار في أول المحلة (بيت ركن)، والمدخل على الجانب الأيمن من واجهة الدار. لم يستطع الشيخ استقبالنا على الباب بسبب السنّ ووشك تعافيه من المرض، ولكنه أصرّ على الوقوف والأخذ بأيدينا ولم يجلس حتى أفعمنا وأفحمنا بلطفه ومحبته وطيب كلامه ورقة شعوره وامتنانه على الزيارة، ولم يستهل الحديث بغير عبارات الترحيب حتى قدّم لنا شراب عصير الفاكهة (شربت). وأصرّ أن يقدمه لنا بنفسه ونحن جلوس، لأنني وقفت محاولا اخذ (الصينية) عنه فامننع، وعندما يمتنع يستأثر بالصمت ويطرق، وتلك من تقاليد الضيافة الأثيرة.

كان طويل القامة في حدود (1.8م) نحيف القوام أبيض البشرة خفيف الجلد أشيب الشعر والحاجب واسع العينين مشرق الوجه  بشوش المبسم، يجمع بين تواضع العالم وكبرياء الشيخوخة وحكمة الأيام. هادئ راسخ القوام والشخصية والكلام والرأي. حاضر البديهة لا يبطئ في الكلام ولا يستعجل، ينتظر محدثه بهدوء وبشاشة حتى ينتهي ويردّ بهدوء ووضوح حتى لو خالفه الرأي. لا يتكشف المستمع من طريقة نطقه وهدوء منظره الثابت هل هو مؤيد أو معارض، فيتطلب ذلك من محدّثه - غير المعتاد عليه- الانتباه للكلام والفصل بين الصورة والصوت، للتركيز على جوهر القول. والحقّ تلك حالة غير يسيرة ولا مألوفة على السواد. ولم أرَ مثيلا له أو شبيها بشخصيته وطريقته في التحدث والافصاح. والشيخ لا يجامل -مطلقا- ويضيق بالتملق أو المداورة في الكلام، أو أي مظهر من مظاهر عدم المسؤولية. ومن خصائصه عدم الكلام خارج مسائل الفكر والبحث، وعدم قبول الأمور الشخصية أو خصوصيات الأفراد. ويعرف زائروه ما لا يروق له من حديث فلا يطرقونه امامه. أما أنا فقد أصررت يومئذ على اختراق تلك الوصيّة، فطرقت امامه احد تلك الموضوعات الاشكالية في تاريخنا السياسي المعاصر وحياتنا الثقافية وتقاليدنا الاجتماعية، أعني علاقته بالشاعر محمد مهدي الجواهري [1899- 1997م]، فالتزم الصمت ولم يجب. وعدت للسؤال بغرض معرفة الحقيقة، فاستمر في صمته. عندها قال الاستاذ عبد الرزاق السامرائي رفيقنا الثالث، منهيا الموضوع..

- الأستاذ لا يريد التحدث في الموضوع!.

عندها بلغت الجلسة نهايتها، وودّعنا الاستاذ العلامة الأثري حتى الباب، وفي الخارج كان نهار بغداد شديد البياض والحرارة، قلت لصاحبي: من حق التاريخ أن يكون في أتم الوضوح والشفافية في أدق الأمور وأبسطها!. نشر الأستاذ السامرائي منديله وغطى به رأسه، وأكملنا المسير باتجاه الجادّة الرئيسية للأعظمية عائدين إلى مقهى الزهاوي في الميدان.

تكرّرت زيارتي بعد ذلك للعلامة محمد بهجة الأثري. وقبل سفري للأردن طلب أن ازوره في منزله، واستاذنني لحمل رسالة منه إلى نجله المقيم في عمّان، فاستملت منه الرسالة وأوصلتها لنجله في عمان، وكانت تلك آخر مرة أراه فيها.       

*

الحداثة والتراث..

الاستاذ العلامة محمد بهجة الأثري نموذج للشخصية البغدادية العريقة - الشخصية العراقية الأصيلة- بعمقها التراثي وطابعها الوطني المتسامح الجامع في علاقة عقلانية منسجمة بين التراث والعصرنة، وبين الاعتزاز بالوطنية الصميمة والهوية الثقافية الاجتماعية للعراق. شخصية افتقدناها مع الأيام وتعرضت للاندثار في النقلة الاجتماعية والسياسية العنيفة عقب الحرب العالمية الثانية، والتعبير الفج عن دكتاتورية الحداثة. تلك النقلة المستعجلة العنيفة من الملكية إلى الجمهورية، من التطور التدريجي الهادئ للشخصية الاجتماعية والثقافة الوطنية إلى التقمص السريع لأفكار التحديث والغربنة، ومن الحياة السياسية المشتركة إلى الحزبية الضيّقة المتعسفة والأيديولوجيا السيادية العمياء المنغلقة. وقد وصف عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي تلك الأزمة بعقدة (الأفندية). والأفندي في مفهوم زمنه هو -الحداثي-المتفرنج في ثيابه وسلوكه ولغته. لكن - الأفندية- ما كانت غير حالة متوسطة في الحياة العراقية، ومرحلة انتقالية بين الصورة التراثية والصورة الحديثة للشخصية العراقية. لقد تعايشت الصورة الأفندية والتراثية مع ظهور الدولة العراقية وجهود الملك فيصل الأول [1921- 1933م] لاحلال (السدارة) محلّ غطاء الرأس التقليدي البدوي (العقال واليشماغ). والواقع ان الطبقة المثقفة في العهد الملكي، أي النصف الأول من القرن العشرين كانت ترتدي السدارة باعتبارها رمزا حداثيا، مقابل اليشماغ البدوي أو العمامة الدينية. وكان العلامة الأثري والدكتور علي الوردي والزهاوي والرصافي والحنفي ورجال السياسة يرتدون السدارة، أسوة بالنخبة المثقفة وصورة الشخصية الوطنية العراقية يومذاك. وهي الصفة المميزة للشخصيات السياسية والثقافية والدينية المجددة يومذاك. لكن تلك الصورة تراجعت بعد الجمهورية. وتم اعتبار "السدارة" من رموز العهد – الملكي- البائد.

ليست الثياب والمظهر الخارجي هي صلب الموضوع، وانما الثقافة المتسامحة والعقلية المنفتحة ونبذ التعصب والانغلاق والفوقية. صورة الثياب الحديثة والممارسات السلوكية المنفلتة تجتمع اليوم مع قمة الانغلاق والتعصّب والارتداد الثقافي وسيادة العقلية البدوية الطائفية المتحجرة، والتي تدخل تحت اصطلاح – بدوقراط- من باب آخر. في هذه النقطة حاول البعض وسم العلامة الأثري بالسلفية، في إطار مقايسات التصنيف الطائفي لعراق الاحتلال والتبعية، وذلك ضدّا لكل تاريخه الشخصي ونشاطه الثقافي واستيعاب رؤاه التجديدية في اللغة والدين والتراث. وهو نعت حديث متأخر، على طريقة الوصفات الجاهزة والأكلات السريعة، وثقافة التهميش والاستئصال الشاعت عقب سقوط الدولة الوطنية. وفي ذلك يقول الباحث الاجتماعي فالح عبد الجبار، أنه (من المفارقة أنها تدعى بالحركة السلفية، وهي صفة مشتقة من السلف الصالح والذين يمثلون رمز الاسلام الأصيل، المعدّ مثالا أعلى خاليا من البدع)/ (كتابه: العمامة والأفندي).

والواقع ان العراق الثقافي منذ القرن الثامن عشر كان وثيق الاتصال والتواصل مع محيطه الثقافي وآفاق الحضارة الحديثة سواء في استامبول أو لبنان أو مصر، ومن الطريف أن تنشر الصحافة العراقية المبكرة قصيدة مواساة للشاعر الشيخ علي الشرقي عن حادث غرق سفينة تيتانك في أيامها الأولى.  ولكن ثمة اهمالا متعمدا في دراسة بوادر التجديد والحداثة والعقلنة في الفكر والثقافة العراقية، لصالح تهييج الاتجاهات الأيديولوجية المتطرفة دينيا سياسيا، وبشكل يسهم في تشويه الشخصية الوطنية ومسخها في أسر التخلف والارتداد. وفيما تؤرخ دراسات مرموقة لبوادر النهضة والتجديد والتجدد  في مصر ولبنان في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين، يسود تعتيم تام في الحالة العراقية. ومن هنا تظهر المسؤولية الاخلاقية والأكادمية لدراسة الاتجاهات الفكرية وبوادر التحديث والمصادر الأعلام العراقية منذ القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن العشرين، والاهتمام باستخراج الأبحاث والآثار من مظانها ومن أرشيف الآهمال والتغييب سواء في المكتبة الوطنية أو دار الحكمة أو المكتبات الجامعية والأهلية، لكشف الغبار والسخام عن الوجه الحضاري المبكر للعراق، ورفض اعتباره ساحة للتنافر الطائفي والسياسي الرخيص.

وما أحرى العراقي الأصيل المتنور ادراك معنى المدرسة العراقية البغدادية العريقة،وأن العلامة محمد بهجة الأثري والشيخ محمد رضا الشبببي والزهاوي والرصافي والدكتور البصير والعلامة جلال الحنفي وسواهم وصولا الى مدني صالح وهادي العلوي هم امتداد للمدرسة العراقية في التفكير والتجديد واتباع مذهب العقل والعصر، وما يحدث اليوم هو تدمير شامل للعقلية والهوية والشخصية والوطنية العراقية، بل ان ما يحصل هو صراع داخلي بين استعادة الشخصية الوطنية العراقية بتسامحها الاجتماعي وانفتاحها الثقافي، ذات الارث الملكي، ومحاولة الخطاب الطائفي السلطوي مسخ المجتمع وفق رؤيته الايديولوجية الضيّقة. وفي هذه النقطة، تعود خطورة استخدام البعد الطائفي (الأغلبوية) وسيلة لمسخ المشهد الاجتماعي والثقافي العراقي.  تلك الحادثة العرضية في سيرورة البلاط الملكي، باسم الشعر، تحولت إلى خطاب سائد بعد سقوط الدولة (2003م)،وليس سقوط الملكية (1958م) فحسب!.

*

المشاركات الحيّة و ترجمة الفكر في الواقع..

تميّز الأثري بمشاركة مباشرة في الحياة العامة، الثقافية والسياسية، منها استجابته لدعوة الملك فيصل الأول ووقوفه إلى جانبه  في بناء الدولة العراقية، ومشاركته في حفل استقبال فيلسوف الهند رابندرانت طاغور لدى زيارته العراق في الثلاثينيات، وتأييّده حركة 1941 الوطنية التحررية، وقد حكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات بسببها. وعندما تعرض الصحفي قاسم حمودي - رئيس تحرير جريدة الاستقلال- للسجن لمدة عام بسبب نشر جريدته قصيدة بعنوان (صنم العبودية) لصاحبها صقر (اسم رمزي لشاعرها عبد الحسن زلزلة دكتور الاقتصاد والأمين العام المساعد للجامعة العربية لاحقا)، كان العلامة الشاعر الأثري أحد المنافحين عنه، فتراجعت المحكمة عن قرارها وافرج عن الصحفي بعد انقضاء ثلاثة أشهر على الحكم. يومها أصدر حزب الاستقلال كراسا تضمن وثائق سير الدعوى والافادات المقدمة فيه. هذا الموقف الذي يجمع بين الوطنية وايمانه بحقوق الانسان، يتكرر أيضا في موقفه المنافح عن قضية استقلال الجزائر، كما تعبر عنه واحدة من قصائده التي يخاطب بها فرنسا.. مذكرا بشعارات الثورة الفرنسية التي أسست للدولة الحديثة والحياة العصرية..

باريس يا بنت الحضارة... ليت من ولدتك عاقر..

هل أنت من أحنت على الباستيل واصطلت النوائر؟

وأطحت طاغية الملوك كما يطيح الشاة جازر؟..

وفي صيف 1951 يدعى للمشاركة في مؤتمر  الدراسات العربية في الجامعة الأميركية ببيروت ويلقي فيه محاضرة مهمة بعنوان (الاتجاهات الحديثة في الاسلام) تتضمن قراءة عميقة للتاريخ العربي ورؤيته في المعالجة والتهذيب والتجديد.

وعن تواضعه وسمات شخصيته العلمية ينقل الباحث والمؤرخ سالم الآلوسي قائلا: حضرت معه في الأكادمية المغربية، فخاطبه احد الحاضرين قائلا: يا استاذنا الأثري، أنت فارس المجامع العربية، فاعتذر منه الأثري، واجابه بأنه ليس من طلاب العناوين، وهناك من هو أجدر منه بهذا اللقب!.

وإلى جانب مجالات اللغة والتاريخ ونشاطه في الجامعات ومجامع اللغة العربية، كان موضع تقدير وحفارة الملوك والرؤساء في المغرب والسعودية والعراق. وفي سنواته الأخيرة كان أحد الذين يستانس الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالاستماع إليهم من بين العلماء والمفكرين. يذكر ان سكرتير الديوان -يومذاك- حامد يوسف حمادي اتصل به، يبلغه برغبة الرئيس في رؤيته، وان سيارة سوف تحضر لتقله للديوان، فاعتذر بمرضه وتقدمه بالسنّ، وبعد حين عاد واتصل به يخبره أن السيّد الرئيس سيزوره في منزله. ومن الشخصيات العلمية والثقافية الأخرى التي كان الرئيس السابق يستأنس بمجالستها الدكاترة راجي التكريتي وكمال السامرائي ونوري حمودي القيسي. وقد منح جائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي عام 1986، جائزة صدام العالمية، كما منحته جامعة بغداد درجة الدكتوراه الفخرية عام 1994. وفي تاريخ 12/ 11/ 2010 أقامت دار المدى للثقافة والفنون في بنايتها الكائنة في شارع المتنبي احتفالية خاصة عن العلامة الأثري وأبرز آثاره.

*

المراكز الوظيفة التي شغلها..

- معلم في مدرسة التفيّض الابتدائية في بغداد [1924- 1925].

- مدرس في الثانوية المركزية ببغداد (1926).

- رئيس تشريفات في الديوان الملكي العراقي (أوّل عهد الملك فيصل الأوّل).

- مدير في دائرة الأوقاف (1936). 

- مفتش تربوي [لغة عربية ودين] في وزارة التربية (1941).

- عضو لجنة التأليف والترجمة والنشر في وزارة المعارف (1944).

- تدريس اللغة والأدب وفلسفة علم الكلام لطلبة كلية الشرطة.

- عضو عامل في المجمع العلمي العراقي وأحد مؤسسيه (1948)

- نائب رئيس المجمع العلمي العراقي (1949).

- عضو في العديد من مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة والمغرب والهند وغيرها.

-  مدير عام دائرة لأوقاف منذ (1958).

- محاضر في عدد من الجامعات العربية والغربية.

- محاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة - تابع للجامعة العربية- [1958- 1966].

- عضو -كامل العضوية- في المجمع العلمي العراقي (1979).

...

كتاباته وآثاره الفكرية، والمطبوع منها (25) كتابا..

1- أعلام العراق - ج1 (1926)..

2- الأساس في تاريخ الأدب العربي.. (مشاركة) مع د. مصطفى جواد وكمال ابراهيم

3- مأساة وضاح اليمن..

4- الاتجاهات الحديثة في الاسلام..

5- محمود شكري الآلوسي.. حياته وأراؤه اللغوية..

6- الظواهر الكونية في القرآن..

7- محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث..

8- مهذب تاريخ مساجد بغداد وآثارها- بغداد 1927

9- دواوينه الشعرية: الأول: ملاحم وأزهار (1974) في القاهرة، والثاني: ديوان الأثري- ج1 (1990) عن المجمع العلمي في بغداد، والثالث: ديوان الأثري- ج2 (1996) عن المجمع العلمي في بغداد..

10- اصدر المجمع العلمي العراقي عام (1994) لمناسبة بلوغه التسعين كتابا ضمّ دراسات وبحوثا في سيرته وشعره ونشاطاته العلمية.

كما ساهم بفعالية في مجال تحقيق واخراج الكتب التراثية للمكتبة الحديثة، ومن تلك المساهمات..

- تحقيق كتاب خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني- (الجزء الخاص بالعراق) مشاركة مع د. جميل سعيد

- تحقيق كتاب تاريخ نجد لأستاذه العلامة محمود شكري الآلوسي- القاهرة 1998

- تحقيق كتاب تاريخ دمشق- بغداد 1980

- مصادر تاريخ الجزيرة- دراسات- ج1 1979

- تحقيق كتاب صورة الأرض للأدريسي..

- تحقيق تفسير أرجوزة أبي نؤاس في تقريظ الفضل بن الربيع وزير الرشيد والامين لابن جنّي- دمشق 1980

ولا تزال له مخطوطات وآثار قلمية كثيرة تنتظر لفتة الاهتمام والنشر.

  *

بعض أفكاره وتجديده..

- إعادة كتابة التواريخ وتهذيبها من الزوائد والاضافات الملحقة بها في قترات متاخرة عن زمنها.

- نبذ البدع والخرافات والممارسات غير العقلانية والضارّة بالفرد والثقافة العامة.

- اعتماد الكتابة بحسب النطق ونبذ الزوائد مثل الألف في واو الجماعة والهمزة في ألف التعريف.

- كتابة الهمزة على غرار ثابت بغض النظر عن الحالة الاعرابية، مما يدخل في مجال تبسيط اللغة.

- تيسير النحو فيما يتعلق بالمثنى وصيغ التفضيل والتعجب.

- تحكيم العقل في فهم النص واعتبار الزمن في القراءة.

*