الحلم أولا.. الحلم آخرا..

وديع العبيدي قرأها 1,140

الحلم أولا.. الحلم آخرا.. 

قراءة في ديوان (حارس الفنار الأخير) لعزمي عبد الوهاب

هل هو متشائم إلى هذا الحدّ.. أم هو الانطباع الذي يريد تركه لدى القارئ؟.. يبدأ الشاعر أيضا من النهاية.. أعني نهاية التجربة.. نهاية القصة.. نهاية الثورة.. فيكتب من الذاكرة، ويستخدم الأفعال الماضية كثيرا.. عزمي عبد الوهاب لا يعجبه الواقع، ذلك ما يجعله مختلفا.. رغم أن الاختلاف ليس شريطة للتميز.. من معاني الاختلاف هنا التمرد، الرفض، فضح اللامعقول وغير الطبيعي في المشهد العام.. توقفت عند عناوين كتبه الشعرية الصادرة.. ورأيت حجم الـ (لا) التي بدأ بها صرخته - أعني- مسيرته الشعرية (..النوافذ لا أثر لها، الأسماء لا تليق بالأماكن)، الـ(لا) هنا تسبق الجملة، وهي التي تصنع المعنى وتقوده.. لا.. لا.. ومن غير  (لا) لا توجد جملة.. ينتفي القول. هذا يعني نحن نقول لأننا نرفض.. نقول لنعلن – رفضنا -. نكتب لأننا صمتنا طويلا حتى بلغ بنا الهرم.. ولم يعد بوسعنا احتمال السكوت، ولا بوسعكم اجبارنا على السكوت. السكوت العربي ليس سعادة، ولا (تعبير عن رضا) حسب القاعدة الفقهية الملتوية.. السكوت هنا اجتماع مع الذات لمداولة أمر مشكوك فيه على غاية من الأهمية.. السكوت في أبسط تعبيراته هو رفض ضمني. الرفض أو التمرد ليس ظاهرة تتولد في النص وانما هي تتصل بحالة أعمق وأوسع، تتصل بعلاقة الشخص بالبيئة والمحيط عموما. والنص كموقف -تاريخي- من العالم، هو صورة لعلاقة الذات بالعالم. وفي هذا الاطار يمكن فهم أو قراءة نصوص (حارس الفنار الأخير)، العنوان ذي المدلول الجمعي - نفسفكري- الجامع. ولا نتساءل، أو نسأل الشاعر عن الكلمة الأخيرة في العنوان، ولماذا هو (الأخير)، نسجا على منوال عناوين سعدي يوسف الأخيرة الحافلة بنعوت (الوحيد، الأخير) وكأننا أمام نبوءات فوكاياما عن نهاية التاريخ او انذارات الانجيليين الملحة حول دنوّ نهاية العالم. أنها حالة اليأس وبلوغ الحافة.

تنماز لغة عزمي عبد الوهاب بالهدوء، بالعفوية، بالعمق. ثلاث صفات نقضية ليس من السهل التوفر عليها في ثقافة -تكنولوجيا- ما بعد الحداثة. وهذا يصنف الشاعر لمرحلة سابقة في أصولها وسماتها الثقافية والنفسية عن ثقافة الألفية الثالثة. ولعلّ هذا التشخيص يلقي ضوءا على جانب من خلفية الرفض الكامن في نصوصه، المعبر عن اشكالية اغترابية وجودية، أكثر منها موقفا عارضا من حدث طارئ. لكن الشاعر، في موقفه الوجودي من العالم لا يميل لنصوص فكرية مجردة، ولا يتكئ على رموز تراثية محلية او أجنبية وانما ينتقي رموزه الطازجة من واقع طارئ حديث، ويلقي عليها بلبوسه النفسية والفكرية. هذا المزج المبدع بين نمطين يعودان لمرحلتين على درجة من التناقض والاشكالية تسجل لصالح الشاعر عزمي عبد الوهاب وهو في أبهة نص هادئ (يتظاهر) بالعفوية. قصيدة عبد الوهاب هي خلاصة لكلّ استحالات ظاهرة الحداثة الشعرية العربية منذ الستينيات حتى اليوم، تجمع في أجوائها بين القصيدة اليومية وقصيدة النثر، الحداثة وما بعد الحداثة، المصرح والملمح، الغموض والمباشرة، دون أن تسقط في خانة العادية والاستهلاك.

دخولنا - كعرب- في الألفية الثالثة جاء على غرار قفزة - غاغارين- على سطح القمر، ولم يكن تطورا تاريخيا متدرّجا بوعي وأناة وتفهّم. وهذا ما يجعل أبطال - مابعد الحداثة- يبالغون في دعاوى الدمقراطية والتحديث الى حدّ المزاودة على الولايات المتحدة الأميركية نفسها. ومن هذا المنظور يتولى النص فضح الازدواجية البنيوية التي يعيشها واقعنا اليوم. ظاهرة التناقض الكائن بين الشكل والمضمون، بين القول والفعل، بين ما نريد وما لا نريد، بين مظاهر الحرية واستلاب الارادة، بين الفوضى واسقاط النظام، مسوغا لدخول المستقبل.

الحياة.. السؤال.. الضرورة والجدوى، هي بؤرة المنظور الفكري للديوان. الحياة بخصائصها الاساسية المقيتة (الجنس والطعام/ العائلة والعمل/ الكرامة والعالم).. هل الوجود كقيمة يستحق تبريره بالكذب والتزوير، وهل الحياة كظاهرة تستحق كلّ هذه السجون والجيوش والموت.. هل الحرية والارادة تستحق كلّ هذه الأنظمة والتقاليد والوصايا المقدسة لتقزيم العقل وتدجين الكائن وحفظه ذخرا للعبودية والاستبداد، حتى في أبهى عصور العولمة والفوضى التي تلتقي بالهمجية من الباب الخلفي.. (حارس الفنار الأخير) تحمل أسئلة ما بعد الحداثة إلى حافة المواجهة وامتحان القواعد والأصول، وكأنه يزيح غشاوة الغبار الاعلامي ويقول لأبناء العولمة: أنظروا.. انها حكاية قديمة، في لبوس مزوق، تعيد نفسها في زمن أكثر سذاجة وسطحية من منجزات القرن التاسع عشر.. والتاريخ ليس غير متوالية تكرارية لجدلية الجوع والجنس والعبودية والاستبداد. وظيفة الأنظمة والعولمة هي عزل الانسان عن كينونته ونقطة الاقتراب ليكون ذاته السامية، خارج وصايا المجتمع والدين والنظام والامبريالية. وفي لعبة الكشف تلك، يختار الشاعر البدء من الثيمة الأكثر حساسية وخصوصة.. خروجا للعام والعالم.

*

وفي قصيدة - ثرثرة عن حفل زفاف لا تعني أحدا سواها- فتاة، تذهب للزواج بكل ما يقتضي من رتوش زواج عربي تقليدي يقوم على قواعد راسخة، من العفة والعذرية و"لم يمسسني بشر". هذه الصورة الافتراضية المزعومة لبنت (الخدر)، مطلوب منها الامتداد والتحقق في عصر ما بعد الحداثة وشبكات التواصل الاجتماعي والالكتروني الغربية. الحداثة وما بعدها تنتمي إلى بيئة يشكل الانسان الفرد، والصدق والشفافية ركنين مقدسين فيها إلى جانب نظام مدني علماني تتكامل فيه الدولة مع ثقافة المجتمع. بينما يختفي أول ركنين من ذلك في الواقع العربي ويتراجع الركن الثالث الى حالة صورية مشوّهة. وجاء انتقاء الشاعر لثيمة الزواج العذراوي حاذقا وجارحا في آن. فالفتاة- هنا لا بدّ لها من ارتداء قناع- يناسب شروط ومتطلبات المشهد الاجتماعي العرفي. وعدم الانخداع بشعارات الحداثة وما بعدها حتى تصل إلى التهلكة- على غرار أنظمتنا العسكرية المرحومة-.

ليس الفتاة بشخصها فحسب، وانما عائلتها ومجتمعها المحلي، سوف يصرّ على تمثل البراءة المطلقة لتمرير الصفقة. هكذا يشعر الطرفان بالامتنان لنعمة الكذب، الذي يحفظ كرامة كل طرف وكبرياءه الخارجي. ويحذق الشاعر في منح المشهد حرارة الانفعال والعفوية عندما يقدمها في طابع شخصي، يستطرد معه في التلميح لجملة تفاصيل، وظيفتها كشف حجم الزيف في الصورة، وانتاج صورتين جديدتين، زوج مخدوع، وحبيب مغدور. وبحكم واقع الانفعال الشخصي، تتكون خيوط إدانة شخصية للفتاة، من المفترض توجيهها لثقافة المجتمع المنغلق على نفسه خارج ديناميكية الزمن. 

اذهبي الآن إلى الحفل

بجسد مُهَيّأ للطعن

أنت سعيدة طبعا:

لكِ وجهٌ جديدٌ

ويدان ما استراحتا في كفًّ غريبة

عن العائلة،

كما أن الريجيم القاسي الذي اتبعتِه منذ شهور

يجعلكِ أجمل..

الحفلة هي البداية.. كل بداية في حياتنا هي حفلة.. والحفلة هنا لها مدلول التفاؤل، صندوق الفرح والسعادة المحمول على كتف الغد. الحفلة هي شهادة حسن النية والسذاجة المفرطة حدّ الذوبان وانمحاء الذات. الحفلة رجاء ضمني لدفن الماضي وتدشين الصفحة الأولى من دفتر جديد. الحفلة هي دالة طقس تطهيري تبلغ فيه الذات عرجونها الأخير الذي يرفعها لمصاف الطفولة الغرة والولادة الجديدة.

لك وجه جديد..

ويدان بكر (أصابعها)

ويختار الشاعر فكرة - الريجيم- كعلامة لشكل جديد -للجسد- منقطع عن الماضي. كل شيء ينبغي أن يكون جديدا، والماضي يموت وينتهي فورا. الحفلة ليست مجرد ثياب جديدة، ووجوه جديدة، ولكن جسد جديد. جسد جرى تهيئته وتطهيره وتغييره على مدى شهور، وبأيدي فنانين مهرة.. استعدادا لتلك الليلة الكبيرة.. الحفلة.. باب مستقبل علاء الدين ومصباحه السحري. في سفر أستير *)عشتار) وصف لطقوس اعداد الفتاة للزواج (الملكي)، حيث تحصل على (نصيبها من العطور والأطعمة، ويخصص لخدمتها سبع فتيات من قصر الملك، ويجري نقلها مع وصيفاتها إلى أفضل مكان في جناح النساء - هناك حيث- تقضي أثني عشر شهرا، حسب سنّة النساء. تنفق ستة أشهر منها في التعطر بزيت المرّ، وستة أشهر بالأطياب والعطور، وهكذا تكمل أيام تعطّرهن)- (سفر استير 2:9، 12- بتصرف). كلّ هذا الجهد والانفاق من أجل الحفلة. ولكن ماذا بعد انتهاء الحفل، بعد الافتتاح وسقوط الأقنعة وزوال الدهون وتطاير العطور؟.

ان -الحفل-، مهما كان، فهو يسجل نقلة في حياة المرء، تنتقل الفتاة من سلطة الاهل إلى بيت الزوجية، دولة جديدة ونظام حكم مختلف، تستطيع فيه العروس ممارسة سلطات الملك، والتخلص من سلطات الأبوين التقليدية..  

يكفي أنه خلصكِ من النكات البذيئة في الهاتف،

والبيتزا، وشجار أمّكِ المتواصل،

والمشاوير الأسبوعية من "الدقي" إلى "الهيلتون"

انتهينا

لكن الأمر، الذي جرى التحضير والاعداد له بجهد ملحوظ من قبل الأهل والحاشية، يحتاج ذكاء نوعيا من الفتاة نفسها. هنا تبدأ مهارة الفتاة وحذقها الفني في المداراة والمداورة والدوران، فتتحكم بالعريس - الغفلة- حسب تفاصيلها الاستراتيجية..

ولكن

إذا تعمد أن يحيط خصرك بذراعيه

وأنت ترقصين معه كفراشةٍ سكرانةٍ

أديري وجهَكِ بعيداً

في عيون جاءت لتشهد الذبيحة..

وارتبكي أكثر

بحيث تبدو شفتك العليا بالتحديد

وكأنها أُميةٌ..،

امنحي وجهكِ قليلا من  الحمرة الخجول

وأنتِ تنظرين إلى أسفل

(هذا الوضعُ يتناسب مع غازٍ

فتح مدينة تستعصي على الحرب)

دعيه يتباهى بذكورته أمام الأصدقاء

في المقاهي والبارات المعتمة

لا تقولي: فشلتُ في محاولة انتحارٍ أخيرةٍ

لأنني أحبكَ.. لا أحبكَ

قولي: "لم يمسسني بشرٌ"

(هنا بالضبط تكتمل اللعبة)

يرسم الشاعر هنا سيناريو كاملا لحفلة الزواج- العرس-، ذلك السيناريو العرفي المتوارث حدّ الاهتراء، ما زال ينبغي له ان يحتفظ ببراءته وطرافته وبكارته الأولى.. باعتباره العرس الأول في التاريخ.. ولذة التفاحة الأولى منذ مغادرة الفردوس. ان مفهوم - ثرثرة- في العنوان هو إحالة على الكلام، ولابد أن نص سيناريو الحفل، يتضمن ما يكفي من (كلمات) عفوية تحمل طابع - ثرثرة غر مقصودة- تستدير به الرؤوس والأعين، ويتداخل فيه الخيط الأسود والأحمر.. فالعفوية والتلقائية والسذاجة، عناصر ضرورية لتسويغ - المؤامرة- الحتمية..

وقولي له: يا شبيه أبي

هنا أيضا سيصدق أنكِ تحبينه..،

انتهينا الآن

تعثَّري في فستانكِ الأبيض الطويل

كامرأة تدخل المكان الغلط

ولا تبكي.. كأن البكاءَ علامة فرح..،

وإذا تذكرتِ شقةً دخلناها معا

حاولي إقناعه بأنك خائفة جدا

إلى أن تخرج من رأسك أفكارٌ تعرفينها،

وملابس سقطتْ قطعةً قطعةً على الأرض،

ووسائد أغمضتِ عينيْكِ عليها من تعب اللذة..،

عند هذه اللحظة بالذات

اصرخي: أُحبكَ

(من فضلكِ.. بصوت عالٍ)

ريثما تستعيدي يدين قبضتِ بهما

على شباك سرير عابرٍ للحزن..،

وبسادية مدرّبةٍ على الحب

اصرخي –أرجوكِ– بشكل مختلفٍ..،

هل فشلتْ تلك المحاولاتُ

في إزالة العناكب التي بصقتْ ماءها فوق ظهرك؟!

لا تخطئي في اسمه إذنْ

وأنت تعدين أسنانه المغروزة في كتفيك..،

يمكنك أن تحكي له عن البحر الذي يلازم أحلامكِ

وعمال "مصنع البيرة" الذين يتلصصون على سريرك ليلا..،

اجعليه يتهمكِ بالبرود من وقت لآخر

وفي اللحظة المناسبة

تأكدي أنه سيفهم

الزواج هنا حالة ذهنية نفسية مثل القصيدة.. الفارق ان القصيدة تتلبس الشاعر/ القارئ، أما الزواج فأن العروس/ العريس تتلبسه وتتقمصه من خلال ادعاء البراءة والطفولة والحبّ الأول والملامسة الأولى. الزواج عملية تزوير اجتماعي لأوراق لا بد منها لديمومة الكذب. والشعر حالة/ حاجة لابدّ منها لتزوير/ تزويق قباحة العالم.. فالشعر أيضا وهو يعتمل الطفولة، يعطي انطباعا.. أنه القصيدة الأولى والاكتشاف الأول في التاريخ. وظيفة المراة الناجحة، هي وطيفة البرشوم النافذ الصلاحية.. في جعل الرجل يصدق الكذبة دائما، ويمضي باللعبة الى نهايتها..

تأكدي أنه سيفهم:

هو الوحيد الذي اصطاد الكنزَ،

وشرودك المفاجئ

لم يكن إلا خوفا من تجربةٍ

تتعطل فيها القطةُ عن المواء

بعد ليلة من الشبق..

وعندما تنجح اللعبة، -وهي مضمونة النجاح منذ البدء بشهادة المخرج-، تنتهي الحفلة/ المسرحية/ الفيلم. ويعود الجمهور الى منازلهم، ومن بينهم، ذلك العجوز.. الشاعر.. الذي ارغم على معايشة اللعبة من الماقبل حتى المابعد.

هل تذكرين؟

منذ عامين

بعثتْ قطة بموائها إلى هاتف رجلٍ عجوزٍ

كان يتدثر بشتائه متكئاً على عزلته..،

أشارت إلى شعرها القصير

وقالت: سأظل بجانبك

إلى أن يصل الشعر إلى رِدْفَيّ

فاهنأ بفاكهتي

وسريعا أعادته إلى شتائه الموحل

لأنها لا تريدُ أن تكون خائنة!

ما جدوى هذا؟

نحن انتهينا

والذاكرةُ التي رَبيْتِها على النسيان

لا تجيد الالتفات إلى الوراء

ستكونين زوجة صالحة بالتأكيد

لأنك قادرة على كَشْط عامين من الحب والجنس

تحت أول "دش" باردٍ في الطريق

فاذهبي الآن إلى العرس

بجسدٍ نظيفٍ من اللهاث..،

ولا تبالي بمن سالت رغبته تحت قدميك

أنتِ الآن أجمل.. وأجمل

والرجلُ العجوزُ يجلس جنب الهاتف مكتئبا

في انتظار قطة تموء له

والفارس الذي لا يشبه أباكِ

صدَّق أنه صورة طبق الأصل من أبيك،

وأنكِ خائفةٌ من سكين الذبح

وزغاريد الأهل في الصباح

هنا تُطوى صفحة

وتبدأ أخرى

هنا تبدأ إيقاعات الكَذَبة

صدقيني كلهم يكذبون

وأنتِ وحدكِ الحقيقة

فابتسمي للكاميرا!

في هذه القصيدة/ السيناريو، تنقلب الصورة الاجتماعية التقليدية للفتاة الضحية - المرأة الضعيفة- لظروفها الاجتماعية وتقاليد المجتمع الجائرة، إلى الصورة العكسية تماما، ويظهر المجتمع الخارجي هو المخدوع رغما عنه. فحسب الفهم الجديد للمجتمع، يتبادل الجميع الأدوار بجدارة، وحسب حركة الظروف. جلاد اليوم ضحية الغد، وضحية اليوم هو جلاد الغد، وربما يقدم هذا مفهوما جديدا للعدالة. فالحياة، لا تتحدد بما يجري على أرض الواقع، وانما بطريقة فهم وتفسير الواقع. المفاهيم تتحرك، والأدوار تتحرك، والمواقع تتبادل.

العروس البكر الكاعب البريئة هي مجرد صورة افتراضية لتمثيل قناعة اجتماعية مفترضة، لكن العروس الممثلة الحاذقة على اقناع العريس، تدرك ايضا أن عريسها سيبذل جهده لتزوير ماضيه وادعاء البراءة. والشيخ المغدور، كان غادرا في نفس الوقت أو غيره، وهو ينتظر - مواء جديدا-. فهو مربي قطط عتيد، شيء مثل تاجر العبيد اذي لا يكف عن اصطياد ضحاياه وبيعهم غفلا عنهم، حسب قصة الفيلم الانجليزي الذي حاز بجائزة قبل عامين. فعلى حين غرة، شاب صغير - في الحادية عشر من عمره- يتلقى تذكرة مجانية من صديقه بالسفر الى الولايات المتحدة، دون أن يعترف له الصاحب انه باعه لتجار أميركان. هذا يعني أن حالة سيولة القيم والمبادئ، ليست قاصرة على زمن معين يسمونه - بوست مودرن-. وأن في زمن الحداثة والمجتمعات التقليدية، ثمة مظاهر، تجري خفاء او علنا، رغما عن الجميع.

*

فكرة القناع الذي تخفي وراءه العروس حقيقتها، تجعل القصيدة كلها مجرد قناع يستخدمه الشاعر للتعبير عن حالة اجتماعية أوسع وأبعد. وذلك ما يتكشف في القصيدة التالية (ربما..) في الديوان. فالحفل الذي ينقل الفتاة من وضع اجتماعي لوضع آخر، يمثل حفلا آخر جرى تقديمه على مسرح (ميدان التحرير في القاهرة) بمثابة تذكرة انتقال من وضع (سياسي) إلى وضع بديل. فتغيير النظام هو هدف مشترك له سياق اجتماعي (ثرثرة لا نخص أحدا سواها) وسياق سياسي (ربما) وسياق اقتصادي (شيوعيين.. كنا). ان مجموعة (حاس الفنار الأخير) أكثر ارتباطا بتبدلات الأوضاع العامة، منها بوضع شخصي محدد. ففي قصيدة - ربما- تتحول المراة في قصيدة - ثرثرة- إلى كناية عن مدلول آخر، لعل القاسم المشترك بين المشهدين، هو عنصر الشباب - الضحية-، ضحية النظام السياسي، وضحية النظام الاجتماعي

أبانا الذي.. في الشوارع

منحت امرأةً واحدة كل هذا الجمال

ومنحتنا وحدَنا كل هذا القبح

فانكشفنا كصرخةِ يُتْمٍ

فوق قبرٍ فقير

قلت لنا: إنها امرأةٌ

تدخل الحياة بقليل من البهجةِ

فلا تقربوا

واقتربنا

كنا خارجين من الهواء النظيف

صوبَ الأحياء العطنة،

ظهرنا مكشوف كالريح

وقطارنا هارب بجريمةٍ كاملةٍ

يعيش الشباب حالة انتقال من حياة الدراسة إلى حياة (العمل)، من العزوبية إلى (العائلة). ولكنه في ظل الفساد والفوضى غير قادر على الامساك بأي منهما، فلا العمل - متيسر-، ولا الشيء الآخر. فثورة الشباب العربي ليست ضد نظام سياسي أو اقتصادي، وانما نظام اجتماعي يدور حول نفسه. الشباب، المحمل باحلام وتطلعات رومانسية، لا يفتأ يتعرض للصدمة والاحباط. هذا اليأس - مع سبق الاصرار والتعمد-، يجعل الشاعر يحمل نداءه للمافوق.. للسماء.. مستعيرا نداء (أبانا الذي..) من الصلاة الشفاعية (المسيحية(* المعروفة.. فكما أن الأب يكفل الاهتمام بأبنائه، كذلك السماء عليها التكفل برعاية الأرض.. ويلحظ وجود -قطع- في الشطر الأول -على طريقة القطع التلفزي أو السينمائي- لدمج جملتين..

أبانا الذي (في السموات.. أبا الجمع) الذي في الشوارع

من الممكن تأويل صورة المرأة المركزة هنا مسافة أبعد من الواقع الطارئ.. إلى مديات اعمق، تتجاوز الأزمة الاجتماعية والسياسية، إلى أزمة الانسان الوجودية، واشكالية شقائه الأرضي الذي احتجب زرادشت لأجله سبع سنوات على جبل في البرية دون طائل، لماذا عذاب الانسان، وما سرّ شقائه؟ وما معنى كلّ ذلك؟..

وكما انتقل باللوم من المجتمع نحو المرأة في النص السابق، فهو يميل بالسؤال عن اتجاهه الرئيس، ليلقي به على عاتق المرأة أيضا، باعتبارها هي الغاوية و(الانسان مولود المرأة) (أيوب 14: 1)، وبالتالي، لولاها لما كان الانسان ولا كان العذاب. في قصيدة (الخروج من الجنة) لزاهر الجيزاني*، يعتبر أن لعبة الثمرة كانت تكتيكا من حواء للحصول على الحرية والتمتع بثمار الحياة التي لا حدود لها. وفي كلتا القصيدتين تبقى المرأة - حمالة الحطب- على مدى التاريخ.

منحتنا وحدَنا كل هذا القبح / فانكشفنا كصرخةِ يُتْمٍ / فوق قبرٍ فقير..

بنصل سكين يجرد الشاعر ألمه، [القبح، يتم، قبر فقير] ليست غير دالة الشعور بالنقص والحاجة التي لا تتكامل إلا في حضن/ رحم الأنثى التي وصفتها الميثولوجيا القديمة بالقبر الذي ينتهي فيه الانسان. والقبر هو كناية عن الرحم/ الأرض المأخوذ منها جسده * )من تراب وإليه يعود(*. إيجاز مؤلم، يجرد الموضوع من أيما معنى. هل الأنثى هي صورة عذاب الرجل أم سعادته، هل هي جنته أو جحيمه - كما وصفها توفيق الحكيم- أم كلاهما!. موضوع المرأة يبقى حاضرا، بأبعاده الوجودية والاجتماعية والنفسية، في مجموعة (حارس الفنار الأخير) لعزمي عبد الوهاب، وسوف يتكرر بمضامين واستحالات متعددة.

أبانا.../ الذي في الشوارع

بعبارة أخرى، يمكن القول ان عجز العبارة عن تصديق مدلولها الأرضي المباشر (في صورة أبا العائلة أو أبا النظام) جعلها ترتفع للأب الأعظم ليعيد الأمور لمجاريها. نداء (أبانا..) الروحي يتضمن دالة نفسية ذات بعد شخصي. وكلّ علاقة هي في جوهرها وأصلها صلة ذاتية شخصية فردية. هذا البعد الشخصي للعلاقة يختزل البعد الفيزياوي ليحقق مقاربة بين السماء والأرض. الآرض لا ترتفع عن مستواها، لكن السماء يمكن أن تنحني أو تتعطف على الأرض وانسانها الشقيّ. 

ولكنه ما يفتأ يمنح عبارة (أبانا) مدلولا اكثر قربا وحساسية، وبشكل لا يخلو من موارَبة، يرتبط بسلطة الحكم.. حيث درج الحكام العرب مخاطبة الجماهير بلفظة (أبنائي..)

كانت أحذية العسكر تدوس أحلامَنا

وتحشو رءوسنا بقنابل الدخان

قالوا: ارجعوا

      فرجعنا!

هل تُراك قايضتنا بحفنةٍ من لصوص؟!

أبانا

الفئرانُ في الساحات، تحت الكباري،

في المقاهي والأزقة

في مبنى الرئاسة ووزارة الدفاع..

والجثثُ تملأ العرباتِ الفارهة

ومن ثورة (يناير 2011) يعود الشاعر إلى مظاهرات عام (1972) في قصيدة (شيوعيين.. كنا) وكأنه يرى التاريخ في صورة عجلة لا تكل تكرّ والحلم يهرم..

 ننام على حلم الثورة في الشوارع

والأعلام الحمراء

فوق قصر الرئاسة..،

كنا نرى آباءنا

في الليالي الباردة

يجلسون جنب الجدار

وفي عيونهم شيء غامض

كالكراهية

انه حلم الآباء توارثه الأبناء.. والانسان.. ذلك البندول الحائر.. بين ماكنة النظام، وغياهب المرأة.. ذلك السؤال المتصل عن المعنى والجدوى.. عن الحيلة والوسيلة.. والمخرج بين أزمتين.

رائحة الحرب

كانت تزكم ميدان التحرير،

والمظاهراتُ تمنع عاشقين

من الوصول إلى الحب،

والجغرافيا

تبدأ الآن من نشيج امرأة

محبوسةٍ في "عصفور الجنة"

فلماذا أرشدت أقدامنا إلى تلك المسافة

بين سرير للجنس

وهتافات تُسْقِطُ الحكامَ

الذين ترهلوا في مقاعدهم؟!

أكان لابد أن نؤرق امرأةً

تخطو نحو الماضي

طائعةً كالماء،

وناعمةً كالسكين؟!

*

لندن

التاسع من سبتمبر 2014

* أستير، أيوب: من أسفار التناخ (الكتاب المقدس للعبرانيين).

* زاهر الجيزاني من أبرز شعراء السبعينيات في العراق، من اصداراته (الأب في مسائه الشخصي)، وقصيدة (الخروج من الجنة) نشرت في موقع (الحافة الأدبي).

* وحيد السعفي- في قراءة الخطاب الديني- دار الانتشار العربي- بيروت 2008- ص112

* سفر التوراة (تك3: 19)

* عزمي عبد الوهاب شاعر مصري، صدر له:

النوافذ لا أثر لها (صندوق التنمية الثقافية)، الأسماء لا تليق بالأماكن (المجلس الأعلى للثقافة)، بأكاذيب سوداء كثيرة (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، بعد خروج الملاك مباشرة (دار ميريت للنشر والمعلومات)، حارس الفنار الأخير (سلسلة كتاب الشعر الالكتروني) - 54. والمجموعة الاخيرة تستوحي أجواء ثورة (يناير 2011) المصرية لطرح أسئلة الانسان المصيرية والوجودية.

* وديع العبيدي شاعر وناقد من العراق، له أكثر من عشر مجموعات شعرية وكتب نقدية منها: يوسف عزالدين.. شعره وتجديده، جنى الأوراق من أدب عبد الرزاق، سعدي يوسف.. صورة في الثمانين، انطلوجيا الشعر العراقي [1980- 2000].