تحولات (الرمز) وأبعاده النفسية والاجتماعية

وديع العبيدي قرأها 1,224

تحولات (الرمز) وأبعاده النفسية والاجتماعية 

الميزة العملية لفكرة (التفاوت) تتمثل بما تتيحه من فرصة للمقارنة بين حالتين، أو حالة في ظرفين (مكان/ زمان) مختلفين. وما أحوجنا اليوم لمنهج المقارنة (الواقعية الموضوعية) لفهم مشاكل حياتنا وتشخيص مظاهر الانحطاط المتزايدة كالسرطان. ومن أقرب صور المقارنة ما نقوم به بين يومنا القريب، وأمسنا البعيد، بيننا وبين الأجيال السابقة أو اللاحقة لنا، للقبض على فعل الزمن وحجم الهوّة، وبالتالي، ما سيكون عليه العالم وأبناؤنا في العقود التالية، إذا استمر غياب الوعي الانساني والضمير الاجتماعي.

*

(الآلهة المزيّفة)..

في أبحاثه العلمية المميزة في مجال علم نفس الفرد والجماعة، التي جمعها في كتبه القليلة، تناول العالم النفساني ارنو غروين أثر (الرمز) [idole] الجماعي على نفسية وسلوك الفرد. ففي كتابه [الآلهة المزيفة / Falsche Götter] الصادر بالألمانية يدرس حالات جنود أميركان عائدين من الحرب ممن عالجهم في عيادته النفسية في الولايات المتحدة الأميركية، ليخلص إلى تحليل نزعة العنف ومدى إستعدادهم النفسي لممارسته. النقطة الرئيسية التي يركز عليها غروين تتعلق بمسألة (الإيمان) وقيمة الرمز ومدى تعلق الفرد به. حيث تحتل مرموزية اليسوع مركز ثقل أساسي في الديانة المسيحية، والتي عمل الفكر الاسلامي على توظيفها في فكرة (السنّة) أي تقليد ما كان يعمله ويقوله = (سُنَّة) الرسول، ومنه مقولة (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة). يستطرد الباحث في تحليل مظاهر المرموزية وأثارها على الوعي الباطن ودوافع سلوك الفرد، لكنه لا يقتصر عليها، وانما يتجاوزها إلى الرموز السياسية (الزعامات) وقوة فعل (الكاريزما) السحرية، وطبيعة خطابها الفكري الديماغوجي، على الرأي العام. وله كتاب خاص في هذا الجانب يتناول فيه تحليل شخصيات عدد من القادة السياسيين في العالم بينهم هتلر وستالين والخميني مع تركيز مفصل حول علاقتهم بالأم [Muttersöhnchen/ parental]، ينطبق الكثير من نتائج أبحاثه على مفردات واقعنا وظواهر حياتنا الراهنة. أما الصنف الثالث من (الرموز) الفاعلة في شخصية الفرد، فهم الرموز (الشعبية) أو الإعلامية، كالمطربين والفنانين، معتبراً ظهور نجومية (مايكل جاكسون) و (مادونا) من مؤشرات الانحدار والرداءة في سلوك الشباب منذ الثمانينيات.

كيف يمكننا الاستفادة من خلاصات الدكتور غروين في تشخيص الحياة العربية الراهنة؟..

بعبارة أدق، هل تتوفر لدينا الأرضية الفكرية والثقافية لدراسة وتحليل المرموز [الديني والسياسي والاجتماعي] وإفرازاتها على سلوك الفرد والمجتمع؟. مع ذلك، فأنه من الممكن، إذا استثنينا تفاصيل جزئية، تطبيق أفكار وقوالب (غروين) بدون كثير اختلاف، وسنصل إلى نفس النتائج التي انتهى إليها المجتمع الغربي، مع فارق الدرجة والشدّة.

*

المرموز الثقافي والسياسي..

في المجتمع العربي ، احتل الرمز السياسي أولوية استثنائية منذ تبلور الحركة السياسية العربية بعد الأربعينات، وكان للرموز السياسية العالمية مثل ستالين وهتلر وجيفارا وأتاتورك والقومية مثل سعد زغلول  وأحمد عرابي وعبد الناصر وبن بيلا إلى الرموز السياسية المحلية السائدة، حسب انحيازها الأممي أو القومي أو المحلي مكانة في ضمير الجماعة. يضاهي هذه الرموز (السياسية) و(يتكامل) معها على الصعيد الثقافي والفني، بعض رموز الفلسفة الوجودية (عالمياً)، والتي شاعت في صفوف النخب الثقافية العربية [طه حسين، علي عبد الرازق، سلامة موسى]، إلى [أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ] على الصعيد الفني المتكاملة مع صورة (البطل القومي) إلى الرموز المحلية لكل بلد. يمكن القول أن السياسة والثقافة رسمتا صورة متكاملة في حياة النخب العربية المثقفة حتى بدايات السبعينيات. حيث ابتدأت مرحلة تاريخية، دولية وعربية جديدة، كانت بداية للانحدار والرداءة. تراجعت فيها الثقافة لصالح السياسة، وبدأ الرمز (القومي) بالانحسار والتردي مع موت عبد الناصر وردود الفعل النفسية الجماهيرية التي أسفر عنها،  لصالح الرمز الديني.

*

التقاء السياسي والرياضي..

هنا بدأت الرموز (الزعامات) المحلية بتوظيف قطاع (الرياضة) لتوسيع قاعدتها الجماهيرية مركزة على لعبة (كرة القدم) الشعبية وما توحي به من استقطاب جماهيري منقطع النظير، لا ينافسه بديل، من أجل قطعة مطاط أو (جلد) صغيرة، تتلاقفها الأرجل والأعين. أن مشهد الجماهير (المؤلفة) على مدارج الملاعب الكروية تستثير خيال الزعيم السياسي، المسكون بعقدة التسلط على (قلوب وأفكار) الناس أكثر من جيوبهم ورقابهم. زاد الاهتمام بالفرق الكروية والبرامج والصفحات الرياضية في وسائل الاعلام المختلفة، تحولت معها المناسبات الرياضية إلى احتفالات شعبية تتوجها هدايا تكريمية من القيادة وحضور بعض رموزها وممثليها في المباريات الحاسمة حيث الحضور الجماهيري على أشدّه. في الحالة العراقية، اهتمت الحكومة العراقية بتوزيع أجهزة التلفزة على جميع المقاهي والنوادي العامة وأبناء القرى والمناطق النائية في بداية السبعينيات. لم تكن شبكة خطوط الكهربة قد وصلت لتلك المناطق، فبذلت البلديات جهوداً جبارة لاستكمال شبكة الكهربة ليستطيع المواطن استخدام أجهزة التلفزة (هدايا القائد). وقد بقيت رقعة الخطّ الملصقة بالأجهزة (هدية الأب القائد) ملازمة حتى وقت طويل أمام عيون مشاهدي التلفزيون. لماذا اهتم (القائد) بالتلفزيون ولم يهتم بتوفير أجهزة ثانية أكثر إلحاحاً بحياة الأفراد والعائلة كالثلاجة وأجهزة الطبخ والتدفئة والدواء. هذا يذكر بموجة أجهزة الترانسسزتور التي وزعتها دول الحلفاء في وسط وجنوب أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية لترويج أخبار انتصاراتهم وترسيخ هزيمة دول المحور في الذاكرة الشعبيىة. وكما يتذكر البعض راديو برلين، يذكر كثيرون إذاعة صوت لندن، لالتقاط أهمّ وآخر أخبار العالم. إذن لعبة السبعينيات بدأ بحرب الاعلاميات – سائل الاعلام-، وشكل التلفاز أبرز صورها [قنوات بيبيسي و امبيسي العربية] وصولا إلى فضائيات الأمركة وترويج الارهاب والعنف الاجتماعي المتأخرة [فضائيات الجزيرة، العربية، الحرّة] وغيرها. فالوظيفة الاساسية لهذه الوسائل الاعلامية ليس نشر الثقافة والحضارة ورفع مستوى الوعي الانساني، وانما ترويج أخبار البطل الأمريكي وأصداء سياساته ونشر أخبار العنف والارهاب والترويع ميدانيا واعلاميا. هذا الرواج الاعلامي الأحادي والمشوّه سدّد هزيمة للوعي الثقافي والانساني الذي كان يسود العالم حتى ستينيات القرن الماضي، وقبل صعود – النجم- الأميركي. فالولايات المتحدة، في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية هي الرمز والنجم العالمي الذي اكتسح المكانة التي كان يحتلها الغرب الأوربي [فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، ايطاليا]، ولعبت سياسة الحرب الباردة دورا في استحثاث مجسات المنافسة والمناجزة. ميديا التلفزة، سارت إلى جنب ميديا الصحافة الورقية [صحف ومجلات ونشرات ومطبوعات دعائية سياسية وتجارية وسياحية] تعمل جميعا باتجاه واحد، ونحو هدف واحد، ولخدمة الرمز الواحد. لككن برامج ولغة تلك المرحلة [الحرب ابباردة] كانت أكثر تركيزا على التلميح منها للتصريح. وفي أثر حرب الشائعات بين الطرفين، كان الوسط العربي حافلا باتهامات الماسونية والمنظمات السرية والحكومة الخفية، وجرى ترويج نبوءات أستراداموس في تلك الأيام، في رسالة مركبة مزدوجة الخطاب، لتخصيب عنصر الرعب والتصغير في اللاوعي العالمي [عالمثالثي]. انتهت تلك السياسة مع نهاية الحرب الباردة، كما أنتهى دور التلفزة لصالح الفضائيات [البث باستعمال الأقمار الصناعية] ودخول شبكة النت في التداول الشعبي وتريج أجهزة [هواتف] الموبايل المربوطة بالنت، والموجهة مركزيا من داخل الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا استفردت الولايات المتحدة بحرب الاعلام الأخيرة وترويج سياساتها ومصطلحاتها ورموزها عالميا. لماذا تراجع ذكر الماسونية وأمثالها عن التداول الشعبي، وظهر لبعض المدة تعبير – فكرة المؤامرة/ عقلية المؤامرة- باتجاه تسخيف اعتقاد وجود محرك/ سيناريو مسبق لما يجري، لتضبيب الفكر والرؤية. فما حدث اليوم، كانت بداياته الحقيقية قبل أكثر من نصف قرن، وكلّ ما كان، ما كان له أن يكون وأن ينجح هذا النجاح لولا اعتماد عنصرين، عنصر رواج الميديا، وعنصر تسخير فئة الشباب والناشئة مغسولي الدماغ ببرامج التسلية والكارتون والأفلام غير البريئة، لتحدي جيل الآباء وتجاوزهم في القول والفعل، مدعومين ببرامج الاصلاحات السياسية والادارية الهزيلة التي ساهمت بتفكيل القواعد الصلية للمجتمع والدولة، لصالح ظهور جيل جديد في السياسة والادارة ومؤسسات شكلية فارغة وفاسدة.    

*

العراق في اللعبة..  

منذ السبعينيات بدات الصحف اليومية تصدر بصور استعراضية يومية تتصدر الصفحات الأولى. ثم أضيفت صورة (القائد) في فاتحة كتب المناهج الدراسية من الروضة والابتدائية حتى آخر مرحلة، متوجة بعبارة (هدية قيادة الحزب والثورة)، ويومها أعلن قرار التعليم الالزامي لمن أكمل سنّ السادسة وقرار مجانية التعليم في كل مراحله. وكانت تلك بدايات ترسيخ فكرة الرمز و (عبادة الشخصية). وطيلة الثمانينات وما بعدها، سخرت صحف رسمية صفحات كاملة للحديث عن فكر القائد وفلسفة القائد و(العبقرية التاريخية) تحت عنوان كبير (دراسات). وفيما الحرب تفترس ماكنتها العمياء زهرة أبناء البلاد، صدر تعميم يلزم بذكر عبارة (حفظه الله) عقب إسم الزعيم حيث يرد، تشبّها بالرسل والصحابة. واعتبر المسّ باسمه أو عائلته، ثم دوائر الدولة والحزب، جريمة تعادل الخيانة العظمى. وكان على عجلة الفكر والثقافة والتراث خدمة فكرة (المرموزية) القومية والعروبية تلك. والى جانب المهرجانات والمؤتمرات ظهرت أطر وحلقات تعاون عربية واقليمية لاستقطاب الرأي العام العربي واستمالته بخطاب البطن حسب التعبير الألماني.

ثمة عمليتان متداخلتان في الخطاب الاعلامي السياسي لمرحلة السبعينيات وما بعدها..

الاستمرار في ترويج فكرة البطل القومي – التاريخي [عبد الناصر/ صدام/ حافظ اسد/ السادات].

ترويج فكرة [الأب القائد] ووصف سياساته وقراراته اليومية بـ(المكرمة). فالشعب (الرعية) هم – أبناء-  القائد الأب. والقائد هو  - معبود الجماهير- والشعب هو (عبيده). ويدخل في هذا المجال جملة شعارات وأهازيج وأقوال، نحو: [بالروح بالدم نفديك يا..، كل احنه جنود للريّس، كل عراقي مشروع تضحية واستشهاد/ الشهداء أكرم منا جميعا].

تسويغ ورواج المصطلح الديني في الخطاب الاعلامي نحو (حفظه الله) التي صدر بها مرسوم رسمي تلحق اسم الرئيس قانونا. وأشيعت صفات (المجاهد) مقابل المناضل، و(المؤمن) مقابل لقب (الاستاذ). وصار من المعتاد ظهور – رئيس الدولة- وهو يزور مراكز دينية أو يؤدي طقوس الصلاة أمام الكامره. إلى جانب حضور الرموز التراثية والمسميات الاسلامية في الاعلام والسياسة وعناوين البرامج والمدارس والجامعات والمعارك، وتعابير نحو [معركتنا هي معركة الحق ضد الباطل]، وتداعي السياسيين لتكرار عبارات [انشاالله، بحيل الله].. وصولا الى ترويج البسملة في بدء أي حديث، وتكرار[ صلعم ورض وع]، وهكذا تحول البطل الوطني [مرحلة ما قبل الخمسينيات]، إلى البطل القومي مع شخصية عبد الناصر، إلى البطل المجاهذ الاسلامي [عقب الدولة الاسلامية في ايران]، وانتقلت البطولة  القومية من عبد الناصر والقذافي وحافظ أسد وصدام وعرفات، إلى البطولة الاسلامية الجهادية في صورة [حسن نصرالله، أحمد ياسين،..].

تحولات الرمز لم تقتصر على السياسي والديني، وانما شملت الاجتماعي والفني والثقافي. ويلمس المرء خللا كبيرا – أدنى إلى الاحباط- في العثور على بدائل للشخصيات التقليدية، مع اختلال نوعية المعايير القيمية والتراجع الاخلاقي. وقد أفرزت مرحلة ما بعد التطبيقات الاشتراكية والبترودولار ظهور طبقات تجارية جديدة حلّت محلّ الطبقة المتوسطة التقليدية وفي منافسة واضحة للطبقة العليا (high class)  إلى حد مقاربة حاشية الحكم أو تجاوزها في بعض الأحيان. لكن البرجوازية أو الأرستقراطية الجديدة الهشة بنيويا والقلقة فكريا، تختلف عن سوابقها التقليدية بتجردها من القيم الاجتماعية والانسانية التي كانت تميز المجتمع التقليدي وتشدّ بعضه بعضا. وعلى الصعيد الفني مثلت فترة الأربعينيات والسبعينيات العصر الذهبي للفن العربي بنجومه ورموزه وروائعه السينمائية والغنائية والموسيقية، لتسجل ما بعد السبعينيات هبوطا مريعا وانخفاضا في نوعية الرموز والأعمال، العاجزة عن مقاربة أعمال أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد وعبد الحليم. ولا يخرج القطاع الأدبي والنقدي والفكري عن هذا القياس. ورغم زيادة أعداد دور النشر والكتاب والكتب الصدرة، إلا أن الكاتب والكتاب النوعي صار عملة نادرة اليوم يحتاج إلى  أكثر من مصباح ديوجينوس. التراجع الفني والثقافي يرتبط بعاملين رئيسين:

تراجع الفكر العلماني والانفتاح الثقافي لصالح الفكر الديني والجمود الأيديولوجي.

فقدان الجمهور [القارئ/ المستمع، المشاهد] وتراجع شعبية الفن والثقافة، لصالح اتساع الجمهور الديني وشعبية المسجد.

*

الصورة والبوستر وأوراق اللهو..

انتشرت صور أبطال الرياضة في الواجهات العامة والمقاهي وطبعت منها بوسترات وكارتات (لعب) الأطفال. احتلت بطولة كرة القدم لشباب آسيا في طهران، والتي حضرها ابن الشاه يومذاك، إلى جانب مسؤولين أجانب، تغطية إعلامية مميزة في السبعينات. تسلّط على أثرها أفراد الحكومة وعوائلهم على قطاع الرياضة والشباب. وبالتدريج ارتبطت صورة الرياضة بالقيادة السياسية وفكرة الرمز. وتزايد الاهتمام السياسي، الشخصي والاعلامي بقطاع الرياضة الشعبية، وصار من شبه المعتاد مشاركة عوائل قادة الدول في رئاسة وإدارة المنتديات والاتحادات والنشطة الرياضية. ولعل شخصية عدي صدام هي الأبرز في اهتمامه بكرة القدم ورئاسته للجنة الأولمبية العراقية، وتأسيسه للصحافة الرياضية المستقلة، اليومية والاسبوعية التي نافست الصحافة السياسية في البلاد وللمرة الأولى. وكانت مجلة الرشيد الرياضية الملونة وهي دورية اسبوعية تنفد من الباعة خلال ساعات قليلة. وكان لأبناء قادة عرب آخرين نفس الاندفاع والدور في التقرب من الجماهير الشبيبة عبر قطاع الرياضة. وفي ايران عرفت زهرة بنت هاشمي رفسنجاني بالاهتمام تطوير قطاع الرياضة النسوية في ايران الاسلامية، إضافة لاصدارها جريدة يومية في نفس الوقت. لكن المغزى من ذلك لم يخرج عن –شهوة- الحكم وكسب الشعبية والالتفاف الجماهيري، وليس لإرساء تقاليد اجتماعية إنسانية وطنية تقرّب المسافات بين الحالكم والمحكوم. وسوف يتّضح لاحقا، أن هذا الاحتفاظ بالسلطة والحكم عبر الجيل الثاني وما يليه، سوف يدفع إلى انشاء – ليس اتحادات راضية وأدبية- وانما إعادة هيكلة الحزب القائد والطبقات الاجتماعية، لإنشاء حزب قائد على غرار الحزب الوطني المصري وحزب البعث السوري يدعم زعامة الابن وريث الحكم. بل وأكثر منه انشاء طبقة اقتصادية راسمالية محورها ابن الرئيس جمال مبارك كما حصل في مصر، وبدعم ورعاية الأم وطاقمها الوزاري [الداخلية والشباب وحرس القصر والدفاع].  

الاهتمام الاستثنائي المركّز بالرياضة عربياً كان ايذاناً بدفن فكرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي أنجزت منها خطوات (خجولة) قبلئذ. أما الوجه الآخر، الخفيّ، فكان التحضير للتحول الاقتصادي، من سياسة اقتصاد الدولة، إلى اقتصاد القطاع الخاص وبدء انقراض الحوافز والمنجزات الاجتماعية والاقتصادية المتحققة من قبل. وبدء مرحلة تجارة الشعارات الدينية وتصدير العنف الديني خارج الحدود، للتخلص من بؤر التوتر الشبيبية التي تهدد نظام الحكم وعوائل النفوذ كما حصل في تونس ومصر.

*

تراجع رموز الخمسينات والستينات..

السبعينات كذلك، شهدت بعد موت عبد الناصر (سبتمبر/ 1970) موت بعض رموز الثقافة العربية مثل طه حسين (1972)، عبد الحليم حافظ (1977) وأم كلثوم ثم لحق بهم آخرون. فاستكمل استبدال الرموز القومية (سياسيا وثقافيا) برموز محلية جديدة (سياسية ورياضية). إذا كانت الثقافة كخطاب عقلي منفتح تفرز أنزيماتها وهورموناتها في عروق السياسة، فإن الرياضة كممارسة عضلية (عنفية) شكلت بالتقائها مع السياسي زخماً مضاعفاً لتغذية نزعة العنف وتدمير الآخر في الوعي الفردي والجماعي، والذي برز في الحروب اللاحقة، من الحرب الأهلية في لبنان إلى حروب العراق المستمرة، وصولا إلى جماعات التطرف الديني وتداعي ظهور الامارات الاسلامية الطارئة وأمراء الجهاد الصدفة وصولا إلى ممارسات داعش الأخيرة اعلان الخلافة على اكبر بقعة سياسية حتى الآن تمتد بين شمال غربي العراق وشمال سوريا.

*

الرموز الدينية وصراع الثقافات والنفوذ..

يقول فلاسفة التاريخ، أن كل مرحلة تاريخية تمثل حاضنة لبوادر المرحلة التالية التي ستسفر عنها أو تنقض عليها. وهذا ما يتمثل بتنامي النزوع (التيار) الأصولي منذ الثمانينات في الشارع العربي والوعي الشعبي، في دوامة من المراوغة بين الحكومات والجماعات الدينية، كان ضحيتها الأولى والأخيرة المواطن. ولم يكن من الغريب أن يضيف العامل الجديد زخماً جديداً لنزعة العنف في جوانيات الفرد وانعكاسها في طبيعة الخطاب الثقافي لمرحلة ما بعد الثمانينات، والتي بلغت ذروتها بعد أحداث كينيا ونايروبي ونيويورك، لتنقض بالنتيجة على كل ما سواها وتصبح هي السمة الوحيدة والعلامة التاريخية المهيمنة ليس عربياً، وانما عالمياً، مع وصول بوش الابن (2001) للسلطة واتخاذه النزعة الأصولية الدينية وفكرة (محور الشرّ) المستقاة من أصولها الدينية بالشقين التوراتي والقرآني عماد إدارته السياسية طيلة حكمه.

*

خلاصة..

بحسب المنظور الاجتماعي السياسي، يمكن تصنيف القرن العشرين المنصرم إلى ثلاثة مراحل:

مرحلة الخطاب الوطني، وهي مرحلة ولادة وبناء الدولة الوطنية والمجتمع المتحضر.

مرحلة الخطاب القومي، وتسويق شعارات القومية والقيادة التاريخية واستخدام الحروب الخارجية وصورة العدو التاريخي والقومي لتحقيق مكاسب سياسية دعائية.

مرحلة الخطاب الديني، ومحاولة التقارب من الجماهير عبر تسويق مفاهيم وشعارات دينية والمشاركة في طقوس ومناسبات دينية لدعم قاعدتها الشعبية ومنح حكمها فرصة الاستمرار والامتداد العائلي لجيل ثانٍ وثالث.

مرحلة ما بعد الدولة الوطنية والقومية، الانتقالية لمرحلة الكانتونات/ الامارات المستقلة في ظل إدارة لا مركزية لها صورة (الخلافة) أو -الأدارة الكولونيالية الأميركية- أو [أدارة دولية باشراف مجلس الأمن].. والذي سوف تنتهي إليه حالة الفوضى السياسية والدينية المستشرية في الشرق الأوسط. وتشهد هذه المرحلة عودة مباشرة للرموز الدينية القديمة لملء الفراغ السياسي والكارزماتي الذي تعاني منه مليشيات المرتزقة غير المعروفة وغير المعترف بها شعبيا ولا سياسيا ولا دينيا.

نستشف من هذا العرض السريع والتحولات الثلاثة في العلاقة مع الرمز الفردي والجمعي، استمرار ونمو نزعة التحكم والقوة، مقابل تراجع الوعي والقيم الثقافية في العقود الأخيرة. ففيما كان أي طالب في المرحلة المتوسطة سابقاً قد أطلع على كتب جبران والمنفلوطي والعقاد وطه حسين وأحمد شوقي وميخائيل نعيمة وإيليا ابي ماضي وسلامة موسى، فلا يكاد أحد ممن دون العشرين اليوم يعرفهم أو يذكر لهم شيئاً. بينما بلغت التربية والتعليم درجات مزرية من التسطيح والتشويه على صعيد المناهج والأساليب التربوية. فلا غرابة أن يترافق التضخم (الكمي) في أعداد المدارس والجامعات وحاملي الدرجات العلمية العالية في البلاد العربية مع الانحدار الحضاري وارتفاع معدلات الأمية الثقافية والأبجدية. وإلى جانب الانفجار في الكميات والامكانيات في منتجات الصحف والمجلات والكتب والمؤسسات الثقافية ودور النشر، يتراجع مستوى الوعي الجماهيري والخطاب المتمدن. لقد عمد السياسي لتهميش الثقافي من طريقه، وكان عراب سياسة التجهيل والتسطيح، ليخسر موقعه في الشارع والسلطة لصالح التيار الديني. فتراجع العقل يمنح فرصة مضاعفة للعنف، فيما انتشار العنف واستمراره ينتج ثقافة خاصة به. وإعادة القراءة هنا على الصعيد الشخصي المتأثر بانعكاسات المحلي والعالمي، تكشف عمق آثار التحولات السالفة وأبعاد مخاطرها التدميرية البعيدة الأمد على كل صعيد. وتلك هي صورة المشهد اليومي والشارع المعاصر.

وكما كشف آرنو غروين عن رموز الزمن الجديد بجاكسون ومادونا وما يقابلهم من رموز سياسية، انحطت بالحياة الأميركية، نجد على الصعيد العربي مقابل ذلك أحمد عدوية ونانسي عجرم مع ما يقابلهم من رموز سياسية ودينية تسيّدت مشهد الراهن العربي. 


نوفمبر 2006/ يوليو 2014

لندن