ليكن التاريخ طريقنا للمستقبل

فاطمة المزروعي قرأها 1,289

ليكن التاريخ طريقنا للمستقبل

دائماً ما يشعر الإنسان بالرغبة بالتعبير عن نفسه، محاولاً إظهار الشخصية التي تمثّله وتعبّر عن أفكاره. قد يلجأ لأدوات وأساليب تساعده في ذلك مثل هيئة ثيابه وأسلوب كلامه وتصرّفاته. الشباب بالذات هم الأكثر رغبة بإبراز شخصياتهم وإمكاناتهم وفي سبيل ذلك تجدهم يواكبون آخر صرعات الموضة، ويقتنون أحدث الأجهزة، ويتقمّصون هيئاتٍ وأشكالاً ليست من وطنهم ولا تمثل فِكر مجتمعهم بأية حال من الأحوال، كأشكال مغنّي الروك والراقصين وفناني الغرب. قد تتطور الحالة لدى بعض من الشباب ويصبح تأثرهم بالغرب ليس مجرد ثياب وحركات مستوردة، بل أيضاً أفكار يتبنّونها ويعيشون وفقاً لها.

لا أريد أن يفهم القارئ أنني ضدَّ التطور والنمو العقلي والفكري، ولكنني أعني تبنّي الأفكار التي تدعو للانحلال والتجرّد من الأخلاق والدعوة للتحرر. في ظنّي أن الشاب يعيش هذه الحالة لأنه لا يشعر بالفخر والانتماء لعروبته ووطنه، فهو يعتقد أن الغرب هم قادة العالم وهم المثل والقدوة في التطور والحضارة. وهذا الاعتقاد حصل نتيجة المدّ الغربي، فقوة الإنتاج لديهم وتفوّقها في عدّة حقول كالصناعة والتقنية والاختراع والفن والرياضة وغيرها، فرضت نفسها على عقول شبابنا بشكل قوي، رغم ذلك لفتة بسيطة للتاريخ العربي كفيلة بجعل هذا الشاب يغيّر نظرته الدونية عن هويته، بل حتى الغرب يمجّد تاريخنا ويثني عليه ويدرسه حتى يومنا هذا.

على سبيل المثال الطب، في فترة من فترات عمره كان يتمّ تدريسه باللغة العربية في الجامعات الأوربية، وُيعدُّ كتابُ «القانون»، الذي ألّفه العالم ابن سينا، المؤسِّسَ لعلوم الطب والذي بنى ابنُ سينا أساسها ورسّخ قواعدها. وقد تم تدريس هذا الكتاب في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر، ولم يكتف العرب بتأسيس علم الطب بل تعمّقوا في تفاصيله وفروعه، ففي الجراحة يُعدُّ الزهراوي أول من استخدم جلود الحيوانات في الخياطة الجراحية، أما في الصيدلة فالعالم الكيميائي والطبيب أبو بكر الرازي استخدم العناصر الكيميائية لصناعة الأدوية ويعتبر سبّاقاً في هذا المجال.

أعود للتأكيد أنه لا يمكن تجاهل ما قدّمته الحضارة الغربية وأثرها على البشرية بأسرها حتى اليوم، ولا يمكن تجاوز أثر التقنية والثورة الصناعية لهذه الحضارة، ولكنني أدعو لتعظيم تاريخنا ليكون سداً وطريقاً نحو المستقبل ليس للمواجهة مع الحضارات والأمم وإنما من أجل البناء المعرفي للإنسانية بأسرها دون تمييز أو اضطهاد وظلم لأحد.

almazrui1@hotmail.com