صورة جانبية لهشام شرابي - "خيارُنا الواضحُ وَالدائمُ هُوَ الاستمرارُ في النقدِ وَالرّفضِ"!

وديع العبيدي قرأها 1,533

 صورة جانبية لهشام شرابي - "خيارُنا الواضحُ وَالدائمُ هُوَ الاستمرارُ في النقدِ وَالرّفضِ"!

يمكن القول أن للدكتور هشام شرابي رؤية علمية تحليلية في قراءته للواقع العربي الملتبس. في مقدمته لأحد كتبه* استوقفتني عبارته: "منذ اليوم الذي أعدم فيه أنطون سعادة (8/يوليو 1949) عشت حياتي في حالة أزمة فكرية وسياسية، على الصعيدين الشخصي والعام".  

عبارة مبتسَرة، مركزة، مضغوطة بقسوة شديدة، منتَزَعة من أعماق سحيقة، ذاتية جدّاً، حميمية جدّاً، رافلة بالغموض، وفي غاية البساطة- من جهة التركيب-. هذه الخصائص الدقيقة والعميقة في لغة الدكتور هشام شرابي كانت جديرة أن تجعل منه روائيا شاعرا منمازا حتى النخاع. الحق.. أن من النادر الوقوع على هاذه المميزات في الأدب العربي.

الصدقية سمة لا غنى عنها للكتابة الحقيقية. والكتابة الحقيقية ليست الكتابة الاعلامية أو الصحفية. لقد ظهر العرب كظاهرة شفاهية على مدى التاريخ. والفارق ما بين الشفاهية والتدويينية هي الاعلامية. فقبل ظهور الميديا الحديثة كانت الخطابة والوعظ والانشاد وحتى الغناء هي الميديا والاعلام. وكان كلام الشخص دالة وجوده. وذلك قبل ظهور هايدغر طبعا-. الكلام كصوت منطوق ملفوظ من الشفاه. والشعر العربي كثير إلى حدّ دفع البعض للتشكيك في حقيقة وجود هذا العدد الهائل من الشعراء. وما زال عدد الشعراء العرب كبيرا، والعقدان الأخيران شهدا انفجارا سكانيا شعريا، أضيف لهم ازدهار عدد كتاب المقالات مع تدشين المواقع والمدونات الالكترونية. وهو كم لم تنتج أوربا غير نسبة منه لتحقيق النهضة الأوربية في ثلاثة قرون. بينما كانت نتيجة الانفجار الشعري والمقالي عند عرب اليوم حالة حضارية غاية في التخلف والانحطاط. وما زال يمكن قياس الكثير مما يكتب على الشفاهية، ولكنه بدل النبر (الصوتي) يستخدم (النقر) على أحرف الكمبيوتر.

*

الفكر والواقع..

"لكن سرعان ما تبدّدت أحلامي... وجدتني أركز بحوثي وكتاباتي أكثر وأكثر حول القضية الفلسطينية وقضايا المجتمع العربي –تحليل أسباب عجزه وتخلفه-.".

انتقل الكاتب من دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت إلى التدريس في جامعة شيكاغو في أميركا، وبدل تخصصه في تاريخ الفكر الأوربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ينهمك في الكتابة في القضايا العربية. بعبارة أخرى، أن همّ الكاتب لم يكن الكتابة وانما حالة الواقع العربي. آثر أن يكون انسانا حرا، ومفكرا لبراليا. الكتابة هنا ليست غير وسيلة أو إطار يقدم عبرها أفكاره وخلاصات تفكيره.

قد لا يكون من المتيسّر إضاءة جملة الظروف التي عاشها الكاتب والتي أنتجت شخصية فكرية بملامح ثقافية عميقة ومتفتحة، وبالأفق الذي يقدم إضافة نوعية تحرث في تربة العقل العربي وتستنهض مقومات الحياة فيه. لكن استقراء أفكاره يلقي قدرا من ضوء على تلك الظروف والجذور المؤسسة. ان القيمة الحقيقية للكتابة هنا ودائما، تتحقق عندما لا تكون الكتابة هدفا مجردا بحد ذاتها.  

هشام شرابي هو أحد وجوه ثقافة المهجر الأميركي إلى جانب أسماء أخرى كثيرة.. مثل أدورد سعيد وتيسير الناشف ومنصور عجمي ومحمود شريح. لم تفصله الجغرافيا عن وطنه، ولم تنفصل أفكاره عن جذوره الاجتماعية والسياسية. رغم أن الأسماء المذكورة آنفا –كما استحضرتها الذاكرة- برزوا من أروقة الأكاديميا الأميركية، بكل ما لهذه الصفة من أثر فكري عميق ونزعة منهجية بحثية ورؤية اجتماعية هي في الغالب أكثر ارتباطا بالتكوين الثقافي والاجتماعي؛ فلا غرو.. أن تجتمع نتاجات المهجر وطروحاته الفكرية في سمات وأطر متقاربة، مع وحدة موضوعية.

*

خصائص فكرية..

لم يولد هشام شرابي كاتبا أو مفكرا، وانما قادته الظروف عبر مراحل متعددة، تعاونت في تواصلها وتكاملها فأنتجت نموا نوعيا مميزا. وأرى أنّ حلقات سلسلة النمو هذه تتمثل فيما يلي:-

1- الجدّية.. وهي صفة مبكرة تتسم بها الشخصية.

2- اكتشاف العقل...

3- علاقة خاصة بالفكر الاجتماعي السياسي وموضوع الهوية.

4- علاقته المبكرة بالفلسفة الغربية والفكر الأوربي.

5- ميوله للنزعة الوجودية.

6- اعجاب خاص بنيتشه. (كان أول مشاريعي الفكرية وضع كتاب حول فلسفة فردريك نيتشه وحياته المأساوية..).

7- صبّ هذه العوامل والعناصر المتواشجة والمتكاملة في انتاج قالب فكري يعتمد رؤية فكرية واضحة + منهج تحليلي اجتماعسياسي+ تعامل مع واقع مباشر.

*

ثقافة وانتماء..

جذور ثقافة هشام شرابي تستند إلى رؤية اجتماعية فلسفية عميقة تمتح من فكر هيجل في جانب، وتتصل بطروحات أنطون سعادة من جانب آخر. وأهمية هذه القاعدة الفكرية الاجتماعية أنها تستمر كآلة معيارية ومنظار قياسي في رصد مختلف الحالات والمواقف الاجتماعية. فهو حين يقف في مواجهة حالة أو ظاهرة معينة، ينظر إليها عبر منظاره الفلسفي الاجتماعي ويسجل استنتاجاته القرائية للجمهور. وفي أحد تشخيصاته الرئيسة للمجتمع العربي يؤكد ويندد بالنظام الأبوي* عربيا فيرى أن "إشكالية السلطة في المجتمعات العربية بشكليها المحافظ والمستحدث، تنبع مما ندعوه الهيمنة الأبوية وقيمها السائدة."

الواقع أن مصطلح (لنظام الأبوي) وإن كانت جذوره الاجتماعية تضرب عميقا في تربة شرق المتوسط، ممثلة في النظام القبلي وتجلياته على صعيد العشيرة والطائفة والحزب. بل هي تتجاوز العرب إلى من سبقهم من كلدان وأشوريين وعبرانيين، ويشرح لنا تاريخ بني اسرائيل طريقة تكون وتشكل المجتمع الأبوي العائلي المركزي وانتشاره في عوائل نووية (patriarch) وفي دورة تقتضي أربعة قرون لتتحول عائلة واحدة –يعقوب وبنيه- إلى شعب يتكون من أثني عشر سبطا/ فرعا/ عشيرة، ثم تأخذ كل واحدة من هذه الأسباط في التفرع الأفقي والعمودي. وقد وفرت التوراة مادة دسمة للدراسات التاريخية والاجتماعية الأوربية في عصر النهضة، حيث استقى هيجل مفهوم (النظام الأبوي) باعتباره أصل السلطة والدولة. ولذلك تكرر استخدام شرابي للمصطلح على صعيد سياسي (الدولة/ الحزب/ المنظمة..). مما يوحي بأن مشكلة العرب سياسية، وهو أمر لا ينكره شرابي. والحقيقة أن مشكلتنا السياسية ذات أصول اجتماعية ثقافية، أو ثقافية اجتماعية تتصل بالعقلية العربية وبنية التخلف، وهذا التخلف ليس في مظاهر الحياة وانما في تخلف أنماط التفكير وانحراف أنماط الاستقراء والاستنتاج وانحطاط البدائل.

هل ثمة غلبة للفكر السياسي على التفكير الاجتماعي لدى هشام شرابي؟..

*

النكسة والتحدّي..

الواقع.. أن الميول السياسية الخاصة كان لها دور مؤثر في طبع تفكير شرابي بطابعها، وذلك عبر عمله المباشر في صفوف الحزب الاجتماعي القومي السوري (1945- 1955)، ولعبت أحداث سياسية اقليمية متتالية دورها في شحذ الفكر على مذبح التسييس..

-         آثار حرب 1948 في فلسطين.

-         اعدام انطون سعادة (وكانت تربطهما علاقة شخصية).

-         آثار حرب 1967 في فلسطين.

حصاد من هزائم وخيبات وخسارات. إذا كان الوعي في مجتمع متخلف يمثل لعنة، فالثقافة الجادة في زمن الانكسار تتحول إلى مسؤولية لا يُحسَد عليها صاحبها. ان مرارة تلك الأيام ما زالت حاضرة لدى من عاشها من الأحياء. وكانت هزيمة 1967 نقطة تحول تاريخية على الصعيد الاقليمي العام والشخصي الخاص في حياة كثيرين. فقد انتشلت الصدمة العنيفة هشام شرابي وأدور سعيد من منصة الاستاذية الأكاديمية في الجامعات الأمريكية، لتعيدهم إلى أرض الواقع.. أرض الوطن. ولم يكن الوطن يومئذ غير بيروت، البحر والرابية.

عندما تجتمع عوامل التاريخ مشتركة في توحيد الضغط على نقطة أو منطقة معينة في الجزء الخلفي من دماغ الانسان، فأن ذلك يخلق تيارا معينا ومؤثرا في حركة الواقع. أن حركة النضال الفلسطيني المسلح كانت قد بدأت عام 1965، ويومها كان محمود درويش أصدر مجموعته الأولى، وارتبط مع جيله الأدبي ليكونوا (شعراء المقاومة). وجاءت 1967 لتوحد الاجتماعي والسياسي في إطار (منظمة التحرير الفلسطينية). ضمن موجة الاستقطاب السياسي الكبيرة تلك، على صعيد الحياة والخطاب، بدت الكتابة السياسية والمشاركة في الهم السياسي الوطني نوعا من (التطهير الذاتي) للضمير الثقافي الذي لم يعد قادرا على البقاء في دور المتفرج. فلا غرابة أن يكون قرار العودة إلى الوطن، والميدان. وفي إطار هذا الموضوع، فأن كلا من هشام شرابي وأدورد سعيد وآخرين عادوا إلى بيروت.

صحيح ان البدايات السياسية والكتابية تعود إلى مرحلة مبكرة بالنسبة لشرابي(عام 1947- تحديدا)، وفي إطار نشاطه في الحزب الاجتماعي القومي، فقد تركت الأحداث السياسية المتلاحقة أثرا سياسيا من نوع آخر، وعمق أشدّ في أعقاب 1967. ويرى البعض أنه بعد أن كان يسجل بحوثه وكتاباته باللغة الانجليزية، عاود الكتابة باللغة العربية، والتوجه للانسان العربي، بدل الجمهور الأمريكي.

*

منظار ثقافي غربي ومجتمع عربي..    

ان اهتمام الفلسفة الكلاسيكية بقي محصورا في مجال حركة التاريخ، وطرق صناعة التاريخ الممثلة في الدولة (عسكريا/ اقتصاديا)، مدخلا لفهم حركة الواقع وتوجيهه. ولم يخرج ماركس كثيرا عن فكر هيجل في تأكيده على القوة المحركة للتاريخ، ولكنه نقلها من يد الدولة إلى قاعدة النظام الاقتصادي ممثلا في الشغيلة (البروليتاريا)، وهو أمر لم يتحقق عربيا أو أن المرحلة التاريخية التي تطبع حياة العرب لما تزل لم تخرج من كهف هيغل، أي التسلط الأبوي.

وللخروج من النظام الأبوي يقترح شرابي.. "الوسيلة الرئيسة لتدجين السلطة الأبوية وتحديث الدولة هي الانتقال من النظام الأبوي إلى النظام الدمقراطي، الانتقال من نظام الرعية إلى نظام المواطنة، من نظام الهيمنة الفردية إلى نظام القانون والاجتماع الشعبي."./ص28

يُلاحَظ هنا استمرار استخدام الكاتب للمفاهيم الغربية على صعيد المصطلح (terminology)، وهو أمر قد نختلف فيه قليلا، ولكن الأكثر أهمية مما يجدر ذكره، سبب اختزال مرحلة أساسية في حركة الفكر الأوربي الغربي وأحد المبادئ الأساسية في ولادة الدولة الحديثة في أوربا بدء من الجمهورية الفرنسية. هذه المرحلة لا غني عنها، وليس بدونها حصل الانقلاب أو الانتقال إلى مسألة (النظام الدمقراطي)، ألا وهي مسألة الحرية الفردية وحقوق الانسان. فالاشتقاقات الفكرية يتم التقاطها من مرحلة بدايات النهضة، ومرحلة الحداثة، مع اختزال مرحلة تاريخية تفصل بين ذلك.

وقد وددت لو أن وقفة الكاتب تأخرت قليلا عند مخاضات الوجودية التي رفض صاحبها (كيركجورد) أن يدعوها فلسفة،  ويتأنى وهو يعبر منها إلى علم النفس ومدارس التحليل النفسي وجماعة فرانكفورت والفرويدية الجديدة والظاهراتية قبل الوقوع على فكرة الدمقراطية كظاهرة منقطعة. يقول الدكتور عبد الرزاق عيد* في هذا المجال، " أن الدكتور شرابي يقوم بعملية استقصاء مبدع واستثمار ذكي وحصيف للماركسية والفرويدية والدراسات السوسيو- سيكولوجية اللاحقة (رايش- بياجيه- هابرماز) في الكشف عن السمات البطركية للمجتمع العربي".

ويستطرد في تعليل هذا الموقف والاستبعاد قائلا:" وهو في تعامله مع هذه النظريات يتجنب النزعة الحداثية أو المحدثة، فينأى عن أن يكون ضحية موضوعه، أي ضحية الإشكالية التي يثيرها، كما يحصل عادة في الكثير من الدراسات والأبحاث التي تطمح للأصالة والاستقلال الذاتي وهي تنتج الاستلاب والتبعية ووهم الفرادة والتفرد". فيما يذهب الباحث ياسر جاسم قاسم* إلى أن فكر "الدكتور شرابي يرفض العلمانية الماحية لصفة الوجود ويرفض الأصولية التي تناهض وتنكر وجود العلمانية من الأساس، وبذلك فهو يطالب بتيار الاصلاح وبعثه أمة مهددة بين نارين، الأولى نار العلمانية المبطنة المناهضة لكل المعاني الأساسية النهضوية، والنار الأخرى الأصولية المستمدة جذورها من أفكار صعبة جدّاً لا توافق حدود الحداثة العالية". وفي كتابه (أزمة المثقفين العرب)* يشير شرابي إلى أن "هناك فئة ثالثة تتأرجح بين السلفية والعلمانية، هي جماعة القوميين التي تقع ثقافيا وتاريخيا بين السلفيين والعلمانيين." ويبدو أن لغز الإشكالية الفكرية التي شغلت شرابي، هي كيفية التوفيق بين اعجابه بالنظام الحضاري الغربي، وبين اعتزازه القومي الاجتماعي، وبدا كأنه لا مخرج من هكذا مأزق، من غير مزيد من خسائر!.

*

إشكالية التراث والحداثة..

ويبدو أن علم الاجتماع العربي لم يستطع الفصل بين الانسان والهوية والتخلف، فبقيت المنظومة العربية كالشرنقة ملتفة على نفسها ومحصنة ضدّ الخارج بقداسة التراث. وحتى في أكثر المحاولات جرأة في نقد التراث الاجتماعي وتفكيكه على يد عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، فأن تلك الابحاث لم تتواصل إلى صياغة نظرية أو فكر اجتماع عربي يهيئ العرب لمرحلة جديدة من تعاطي الوعي والحضارة.

ان الثقافة العربية/ الشرق متوسطية هي ثقافة جمعية قطيعية بامتياز، والنظام الاقطاعي والأبوي ليس فرديا تسلطيا إلا في منظوره السياسي الحاكم، ولكنه يبني سلطته على قاعدة الدهماء ومحو شخصيات الأفراد. فالاجتماع الشعبي (الرأي العام) موجود ولكنه اجتماع ببغاوي خنيع. ان تاريخ كتابة هذا الموضوع يعود إلى (1997) ونشر الكتاب في عام (2002)، وكان أجدى إضافة هامش تعليق على الدمقراطيات العربية الجديدة. بل أنه لم يتم أخذ التجربة الجزائرية (1992) أو التجربة التركية والمصرية بنظر الاعتبار، ولا إشارة لنظام (المجالس الشعبية) في ليبيا. 

لقد فشلت تجربة استخدام (موضة) الدمقراطية وتطبيقاتها الشكلية حتى الآن فشلا ذريعا زاد من جعل الدهماء مطية للحاكم (أو الحكم). والنتيجة هي استشراء الفساد الاداري والاقتصادي والسياسي. وتحمل تيار العلمانية والطبقة المثقفة أفظع نتائجها. وفي كل ذلك لم تنفع طروحات الدمقراطية في تفكيك السلطة الأبوية لا على صعيد الدولة وعائلة الحكم، ولا قيادات الأحزاب والمنظمات والجمعيات، ولا على صعيد القبيلة والعشيرة والطائفة السائدة للآن، ولا على صعيد سلطة الأب العائلية والاستبداد الأسري.

وهذا ينتقل بنا من تأشير طروحات ثقافة المهجر -الأميركي-، إلى طريقة تعامل المثقف الأكاديمي العربي مع منظومته الفكرية. فالمعيارية الغربية لا يمكن فصلها عن مضمارها الحضاري الشامل كثقافة واجتماع وسياسة وتاريخ اقتصادي. وهو مضمار حضاري لا يجد ما يضاهيه خارج الغرب الأوربي الأمريكي. واستخدامه في مجال عربي ينطوي على تعسّف كبير. أن زوايا كثيرة ستبدو مشّوهة وناقصة، وبالتالي لا يصل الكاتب عبر النمذجة الغربية إلى استقراء واقعي أو سليم، مما جعل الواقع والمجتمع العربي يتراجع –عكس المطلوب أو المفروض- مع تزايد دراسات العرب المستغربين أو المهجريين لتحليل وتطوير واقع العرب.

لقد قدم محمد أركون دراسات جادة على مدى ثلاثة عقود، ولكنها لم تخرج في جوهرها ونظامها المنهجي عن تطبيق منهجية غربية متقدمة على واقع متخلف موسوم بالمقدس، والنتيجة أن تلك الكتابات بقيت تعاني اغترابها الخاص. ويمكن تأشير مجموعة باحثين ومفكرين عملوا باخلاص من أجل خدمة شعوبهم، لكنهم لم يحققوا غير القليل، وفي أحسن الأحوال لم يتجاوزا أطر نخبوية ضيقة. بعبارة أخرى، أن جملة الفكر العربي الحديث ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، هو نتاج تأثر بالفكر والثقافة الغربية، فنشأ لقيطا متطفلا عليها مقتبسا وومطوعا للمفاهيم والمصطلحات، ولكنه لم يتجاوز قشرة الثقافة للتعمق في أصولها المبدعة والمولدة. ويبدو أنها كانت سياسية مقصودة قائمة على الخوف من الآخر. الخوف من التأثر بمكانزمات الحياة والفكر الغربي، خشية الانسلاخ عن الأصول الشرقية والتراثية. ولذا جاءت عملية المونتاج/ لصق، قشرة ثقافية غربية (حداثة) على جسد التراث العربي الشرقي.

وعلى رغم فشل كل هاتيك التجارب، منذ محاولات محمد عبده المبكرة في تجديد (الاسلام) حتى محاولات محمد عابد الجابري ونصر حامد أبي زيد ومحمد اركون وسواهم كثير، فأن صدى تلك التجارب أو اسلوبها مصيره الرفض المستمر من الرأي العام (في الشارع العربي – أسير الاسلام السياسي السلفي). ولعل هذا ما دفع بالمفكر شرابي إلى رفع شعاره.. (خيارُنا الواضحُ وَالدائمُ هُوَ الاستمرارُ في النقدِ وَالرّفضِ!). وهو منطوق سياسي يحمل رائحة خطابية الستينيات، والأصح، البحث عن وسائل حديثة وتجديد أساليب الفكر والاستقراء، وتجاوز الموانع والخطوط الفكرية والمنهجية التقليدية التي سعت لاستخدام الثقافة والأكاديميا مجرد أطار لفكرة القومية والتفوق القومي في بعدها السياسي الشوفيني، بدء من طروحات ساطع الحصري ودروزة إلى انطوان سعادة وميشيل عفلق.

وليس النزوع الاسلامي المتأخر غير تكرار في الوسائل والأساليب للمحاولات السابقة الفاشلة، مستبدل (وهم) الابتعاث (سعادة/ عفلق) بوهم الرجعة التاريخية السالفية، وهو يستخدم كل منتجات الحداثة والتكنولوجيا والدمقراطية الغربية لتسلق السلطة مع موقفه الواضح والمستمر في رفض كل منتجات الثقافة الغربية، ودون أدنى شعور أو اهتمام بحقيقة التناقض. وإذا كان أحد أسباب فشل الدولة الوطنية العلمانية هو حالة العرج بين (الشرقي والغربي) في التنمية والحياة، فما بال الميكافيللية السلفية غير مزيد من الضياع والدمار الاجتماعي!.     

*

مأزق فكري..

الهمّ الرئيس لتجربة هشام شرابي هي (الحداثة) وكيفية تطويعها أو تطويع المجتمع العربي لها دون أن يتعرض لخسارة، أو يتحول إلى مستعمَرة فكرية للغرب. وعدم تخريج هذا الهمّ أنتج حالة من العجز والدوران حول الذات والأفكار. لقد  كان شرابي جريئا في طرح فكرة (النظام الأبوي) عربيا، جرأة علي الودي في تأكيد خاصة ازدواجية الشخصية/ العقلية العربية- رغم أن الفكرة لا تتضمن جهدا فكريا ذاتيا، ولكنه لم يتقدم خطوة لتفكيك هذا (النظام) بوسائل مبتكرة غير تبني وسائل الغرب واستقرائه لحركته الاجتماعية.

من الخصائص المنهجية والأكادمية الأخرى في اسلوب شرابي هو اهتمامه بوضع التعريفات أو تقعيد المفاهيم، وذلك وفق قاعدته المعرفية والفلسفية الغربية. لقد استقرأ الكاتب تاريخ الفلسفة والفكر الأوربي في عصر النهضة، ولكنه لم يهتم بدراسة تاريخ الحركة الاجتماعية والسياسية العربية، والتي كانت ستضع بين يديه مفاتيح تاريخية لتحليل مواقع الخلل الميدانية واجتهاد طرق معالجتها. بل ان انقياد شرابي لنظريات الفكر والحداثة الأوربية، غيّبته عن طروحات أنطون سعادة الاجتماعية السياسية وقراءته لتاريخ سورية والعرب (محاولات فيليب حتي والبرت حوراني وجرجي زيدان). ويبدو أن النأي الجغرافي والفكري هو السبب المباشر في ضعف علاقة مثقفي المهجر بدراسات التاريخ والتراث العربي، والاكتفاء بالمعطى السياسي للراهن العربي القريب على حد قوله: "ان التراث الذي ينبغي دراسته والحفاظ على انجازاته هو التراث الذي صنعته الأجيال الثلاثة أو اربعة الماضية."*

بل يمكن القول، أن العمل الفكري ليس مهنة عربية حتى الآن، وأن الأكاديميا لم تنجح في تجاوز عقدة المعيشة إلى فضاء الفكر، فبقيت تابعة لو(صـ/ل)اية الأمر (دولة/دين). وفيما يخص السؤال المطروح آنفا.. أرى ضرورة تمييز جهود الباحثين ودقة تصنيفهم بحسب مرجعية فكرية أو مرجعية فلسفية، وتكوين عقلية الدكتور شرابي بقيت فلسفية الأصول، مقابل ميل فكري عند أدورد سعيد مثلا. بينما تأرجح محمد عابد الجابري بين الفكر والفلسفة، كما تذبذب بين الشرقي والغربي.

والمدهش أن كتابات الكاتب تحمل الغرب مسؤولية تحديث المجتمع العربي وتتجه إليه باللوم لبطء تلك العملية أو استمرار جمود الأوضاع كما هي. وهناك حيث فشلت تجربة التحديث أو تعرقلت، يلقي اللوم على نظام الحداثة أو سياق التحديث الغربي. وبنفس الطريقة يعمل على تفسير النزعة الأصولية العنفية بطائلة الوجود الغربي أو (الاسرائيلي) وأن هذه النزعة سوف تختفي عندما تعود (الأوضاع) إلى حالة التوازن.

*

ألم واحباط..

لا يخفى أثر العوامل النفسية والاجتماعية على الباحث بعد استغراق في الغربة والاغتراب السلبي، مما يشحذ من أثر العاطفة الوطنية والنوستالجيا، ويقض من واقعه الفكري وصرامته المنهجية. والقارئ يلمس ذلك القدر من التقاء أواخر طروحات شرابي وادورد سعيد من نبرة الاستهلاك الاعلامي للغة الشارع. وجدير بالمفكر والباحث والفيلسوف أمانته التاريخية والعقلية لرفع منسوب الفكر والحركة الاجتماعية. وبقدر هشاشة الاسلوب الانشائي والانسياق وراء العاطفة الرومنطيقية القومية، يسجل ابتعاده عن طبيعة الواقع وحركته الاجتماعية وجذورها التاريخية والكتابية، وبالتالي غلق باب المستقبل في وجه التغيير. وهو عندها يضع نفسه وأفكاره، في موضع اتهامه للغرب الذي لا يريد تحديث واقع العرب وانما ابقاءه على حاله. علما أن الوقوف أمام حركة الزمن سرعان ما يتحول إلى تراجع (سريع)!.   

هذا الفراغ الفكري في علم الاجتماع التاريخي العربي غيّب عن الباحث استقراء الحركة الاجتماعية في الشرق الأوسط التي توقفت عند المرحلة الأبوية وعجزت عن تجاوزها، وبدل الاعتراف بالعجز فقد تم تلبيس فكرة الدولة والحزب على مقاس القبيلة والعائلة. وعندما يتوقع نجاح الدمقراطية في تحديث وتحرير المجتمع من السلطة الأبوية، لا يتوقف عن مفهوم الفرد والحرية، واللذين بدونهما لا يمكن قبول الدمقراطية كواقع فكري واجتماعي.

وديع العبيدي

لندن

سبتمبر/ 2011

ــــــــــــــــــــ

·       هشام شرابي، دكتور – مواليد يافا/ فلسطين في الرابع من أبريل 1927. خريج الجامعة الأميركية في بيروت 1947/ قسم الفلسفة. أثناء الجامعة انتمى للحزب القومي السوري الاجتماعي، ظل مسؤولا لفرع الحزب في الولايات المتحدة حتى عام 1955. بعد نكسة حزيران عاد إلى بيروت في 1970. ثم غادرها بسبب ظروف الحرب الأهلية وعاد مرة أخرى عام 1997. في الثالث عشر من يناير 2005 توفي في بيروت بمرض السرطان. قائمة مؤلفاته تضم: مقدمات لدراسة المجتمع العربي/ 1975- المثقفون العرب والغرب/ 1981- النظام الأبوي/ 1988- النقد الحضاري للمجتمع العربي/ 1991- نصوص ومقالات في القضية الفلسطينية- أزمة المثقفين العرب- الجمر والرماد- صور الماضي.

·       هشام شرابي- أزمة المثقفين العرب (نصوص ومقالات مختارة)- دار نلسن/ السويد- ط1 2002.

·       انظر قائمة مؤلفاته- كتابه/ النظام الأبوي- 1988.

·       عبد الرزاق عيد- هشام شرابي: النظام البطركي/ الحداثة- صحيفة الأوان الالكترونية- يوم الأحد المصادف للثالث من يونيو 2007.

·       ياسر جاسم قاسم- هشام شرابي: قراءة في نظرية البعث الاسلامي والأصولية- مجلة الحوار المتمدن الالكترونية- ع 1596- التاسع والعشرين من يونيو 2006.

·       كتابه- ص14.

·       كتابه- النقد الحضاري للمجتمع العربي- 1995، كذلك كتابه – أزمة المثقفين العرب- م.س.- ص14

·       وديع العبيدي: صورة جانبية لأدورد سعيد- مجلة الحوار المتمدن ع 2090/ 5 نوفمبر 2007.