الخطر الذي نبحث عنه بأيدينا!
الشغف الإنساني بالاكتشاف والابتكار لا حدود له، والنّهم المعرفي لدى البشرية متواصل ومستمر، ولعلّ أكبر دلالة في هذا السياق هو التطور المستمر الذي نشاهده في كافة مفاصل حياتنا بل المخترعات اليومية التي يعلن عنها في كافة أرجاء العالم، وليس في مجال علمي وحسب، وإنما على جميع الصُّعُد من الهندسة الميكانيكية والكهربائية وصولاً إلى الطيران وتقنيات العلاج والطب مروراً بوسائل النقل السريعة المتطورة حتى أجهزة الاتصال الحديثة الذكية.
هذا الشغف نقل البشرية نحو مصاف من الحضارة والرفاه، ودون الدخول في تعداد فوائد هذا التقدّم الحضاري أو مساوئه لدى البعض من الناس، فإنه وبشكل غير مبالغ فيه هناك أخطار تعترض البشرية بكل ما تعني الكلمة بسبب هذا النّهم المعرفي وبسبب هذا الاندفاع المحموم نحو الاكتشافات دون هوادة أو حدود، لعلّ من ملامح هذه المخاطر التي بدأ كثير من العلماء التنبُّؤ بها ما جاء في موقع علوم المستقبل الفرنسي ونقله إلى اللغة العربية يوسف عبود، ونشره على موقع مترجم على شبكة الإنترنت، واحتوى على معلومة مفادها أن البحيرات المتجمدة القطبية تحتوي فيروسات وبكتيريا وفطريات لم يعرفها الإنسان، وعندما يذوب الجليد نتيجة للتغير المناخي، فإنه يُخشى أنها ستعيد إلى سطح الأرض فيروسات عمرها ملايين السنين. وتمّ استحضار مثال للجهود المضنية التي تجري للبحث عن الماموث في طبقات الأرض المتجمدة، فإن الجليد يحوي الكثير من الأجسام الأخرى، فالبحيرات في القطبين الشمالي والجنوبي تضمّ فيروسات وبكتيريا وفطريات، لو انبعثت من جديد في الجو فإن العديد منها سيكون خطِراً للغاية في الوقت الذي يعتبر نظام المناعة عند الإنسان متكيفاً مع محيطه وبالتأكيد سيعجز عن الدفاع أمام فيروسات عمرها 3 ملايين سنة على سبيل المثال!. لذا تتوقّع الأوساط العلمية أنه مع ذوبان الجليد، علينا الاستعداد لقدوم أمراض جديدة. في عام 2009 قامت فرقة علمية إسبانية بفحص المياه المتجمّدة لبحيرة “ليمنوبولار” في القارة القطبية الجنوبية وكشفت النتائج المنشورة في مجلة “علوم” وجود أكثر من 100,000 فئة من أكثر من 12 نوعاً، من بينها لايزال مجهولاً حتى بالنسبة للعلماء. صحيح أن بعض الفيروسات لا تصمد بعد ذوبان الجليد، لكن هناك فيروسات أخرى تتأقلم سريعاً. وفي سياق هذه المقالة العلمية أعطي مثالاً بالزكام عندما ضربت موجات منه بشكل دوري في التاريخ في القرن الماضي حيث كان هناك الزكام الإسباني عام 1918 والزكام الآسيوي عام 1957 وزكام هونغ كونغ عام 1968 ولكن بين هذه الأوبئة أين كان الفيروس؟ البعض من العلماء يضع فرضية أن الفيروس كان محبوساً في ثلوج سيبيريا. ببساطة متناهية فإن العلماء يعتبرون أن ارتفاع حرارة الكوكب تنذر بخطر زيادة عدد الأوبئة والأمراض والفيروسات عند الإنسان وعند الكائنات الأخرى.
لا أريد أن يُفهم من كلماتي بأني أدعو للحدّ من التطور والتقدم، بل أريد أن أوضح أن بعض الشغف، وبعض الحماس، ومحاولة تحقيق منجزات قد تكون مهلكة للبشرية أو قد يذهب ضحيتها ملايين من الناس غير مبررة وغير مقبولة ويجب أن يوضع لها حد، وأن يكون للمؤسسات العلمية العالمية دور في هذا المجال.