الاعتزاز بالهوية

فاطمة المزروعي قرأها 1,335

 الاعتزاز بالهوية

دائماً ما يشعر الإنسان بالرغبة بالتعبير عن نفسه، وفي أحيان كثيرة يحاول إظهار الشخصية التي تمثله وتعبر عن أفكاره، قد يلجأ لأدوات وأساليب تساعده في ذلك مثل الهيئة في الملبس وأسلوب الكلام وكذلك التصرفات، الشباب بالذات هم الأكثر رغبة بإبراز شخصيتهم وإمكاناتهم وفي سبيل ذلك تجدهم يواكبون آخر صرخات الموضة، ويقتنون أحدث الأجهزة، ويتقمّصون هيئاتٍ وأشكالاً ليست من مجتمعهم في أحيان كثيرة، ونعلم أنه في بعض الوقت قد تتطوّر الحالة لدى بعض من الشباب ويصبح تأثرهم ليس مجرد ثياب وحركات مستوردة، بل يتحول أيضاً إلى أفكار يتبنونها ويعيشون وفقاً لها.

لا أريد أن يفهم القارئ أنني ضد التطور والنمو العقلي والفكري، ولكنني أعني تبنّي الأفكار الغريبة التي لا تمتّ لمجتمعنا بأي صلة، ونحن نعلم أن البعض منها في مضامينها دعوة للتجرّد من الأخلاق والبعد عن قيمنا وعاداتنا المتجذّرة في عمق ذاكرتنا، في ظنّي أن الشاب يعيش هذه الحالة لأنه لا يشعر أن واقعه ثريٌّ وغزير.. لذا فالبعض منهم يعتقدون أن الغرب على سبيل المثال هم قادة العالم وهم المثل والقدوة في التطور والحضارة.. وهذا الاعتقاد طبيعي أمام قوة الإنتاج لهذه الحضارة وتفوّقها في عدة حقول كالصناعة والتقنية والاختراع والفن والرياضة وغيرها.

غنيٌّ عن القول أنها فرضت نفسها على عقول شبابنا بشكل قوي، رغم ذلك فإن لفتة بسيطة لتاريخنا كفيلةٌ بجعل هذا الشاب يغير نظرته الدونية إلى هويته، على سبيل المثال الطب، في فترة من فترات عمره كان يتم تعليمه باللغة العربية في الجامعات الأوروبية. ويُعدُّ كتاب «القانون» الذي ألّفه العالم ابن سينا هو المؤسّس لعلوم الطب والذي بنى أساسه ورسخ قواعده، وقد تمّ تدريس هذا الكتاب في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر.

بالنسبة لعلوم أخرى كالكيمياء، مقارنة بسيطة تظهر التميُّز العربي، فالعالم الفرنسي لافوازييه والعالم العربي جابر بن حيان، كلاهما لقب بـ «أبو الكيمياء» وكلاهما كتب التاريخ عنهما أنهما أسّسا هذا العلم وأخرجاه من بوتقة السحر والشعوذة لعلم راسخ له قوانينه.. لكن جابر بن حيان عاصر الدولة العباسية، أما لافوازييه فقد عاصر حكم ماري أنطوانيت والثورة الفرنسية، وبالتالي يتبين أن جابر بن حيان أقدم وأعرق وأسبق للكيمياء من لافوازييه، لا أريد أن يفهم من كلماتي الرفض للحضارة والتطور، بل هي دعوة للاعتزاز بتاريخنا وأيضاً حاضرنا، وفي نفس الوقت نحن مع التطور ونشعر بالاعتزاز لكل التطورات الإنسانية أياً كان مصدرها ووهجها فالخير للناس جميعاً.