قصائد أولى – المجموعة الأولى
نمر سعدي *
فراشة الحزن ونبع الضوء
(1)
في بعض أحيان الكآبة
يستأذن المتعذّب الآوَّاه ان يلقي عذابه
يحنو لملء يديه أحلاما وموسيقى جميلة
ظهرتْ بشاعتُه الزّمان فكيف يحلم بالخميلة
ظهرتْ بشاعته الزّمان فكيف يحلم بالغيوم
أيظل يسأل والشوارع لا تُصيخ ولا تجيب؟
أيظل يحلم بالنجوم؟!
وبروعة الغسق الشفيف, وكيف تشتبه الدروب
ومرارة الآهات في شفتيه والدم واللهيب
طفحتْ كوؤس العيش يا قلبي بأنواع الهموم
فاتْرع وناول حيث لا ساقٍ هناك ولا حبيب
(2)
في بعض أحيان الكآبة
تشتاق ذاكرتي اليكِ, حملتُ من روحي ضبابة
عبر الجبال الخضر والصّحو المغازل والسهول
أعراض حبّي لا تزول وليس تتركني أزول
فهَوايَ منقوشٌ ومحفورٌ على النَّمش الخجول
ياليتني كنتُ اقتربتُ وكنت ألقيتُ السّلام
وغسلت بالنمش الجميلْ, وجهي وأشواقي وأسراب الحمام
يا ليتها اقتربتْ فراشة جانحيَّ من الضّرام
يا ليتها غمستْ بماء الوجه منقار الحنين
يا ليتها قد سرّحت جنحانها فوق الجبين
كالتائهين العائدين
يا ليتها من فوق نبع الضوء قد لمَّتْ من النقط الخضيلة
ومن الحروف الزّنبقية في خميلة
لغة تجدِّد مثل شوق في فمي
لغة تبرعم في دمي
لغة أفك بها عصافيري الحبيسة في كتابي
ويداً أمرّ بها على قلبي على وهج العذاب
وانا الحزين انا الحزين انا الحزين
الريح من تحتي وفي أذني صراخ الهالكين
أطْبقْ على عينيّ يا صقر السنين ...!
(3)
وأحزاني عصافير خريفية
تخًّطي في سمائي واسْحقيني انك الألق
فإني لا أحسّ الحب الا حين أنسحق
وإني لا أقول الشعر إلا حين أنسحق
ولا تستيقظ الأشواق فيّ كلمعة المدية
وليس تحرك الدنيا هواياتي الطفولية
تخطي لي حدود البَوح أنت البحر والأفق
وأنت كما تسرّب في كياني الضوء والغسق
بعيني أم بعينكِ راح يبكي ذلك الشّفق
تخطي واسقطي فوقي كأوراق رمادية
فأنت حديقة النارنج ليس يزورها العبق
وأحزاني عصافير خريفية
وإن هواي نايٌ ملؤه الريح الجنوبية
ضعي كفيك سدّي كوّة القمر
وفوّهة الأسى في داخلي، ولهيب أفكاري
تخطي واسقطي ابًدا على ناري
كزخَّات من المطر..!
العودة الى زيوناز
(1)
ألا إنّ قلبي كأرضٍ موات
وقد هجرتها عصافيرها
وشرّش في الطين ديجورها
دعوهُ ملاكاً كئيباً كئيبا
يطيف به, حشد الذكريات
دعوهُ دعوهُ غريبا
هناك ويا ليت قلبي صفاة
ألا ان قلبي
يراودُ جفنيه من خيط حُبّ
وفي الليل ضوء خبا ثَم مات
أهذا الذي ذقتُ طعم الحياة
أهذا الذي ذقتُ يا ناسُ حسبي
أهذا الذي ذقتُ طعم السنين
أهذا الذي ذقتُ طعم الحنين
أهذا ويا ليت قلبي صفاة
أهذا ويا ليت قلبي صفاة
(2)
أعودُ اليك وكلّي نشيد
أعود وكلّي نشيدٌ يعيد
زيوناز يا رقتي النائمة
ويا قريتي الحالمة
أعود اليك أخيراً
أعود اليك كسيراً
ولكن بهذي الخطى القائمة
زيوناز إنّ خطانا تموت
فمن يشعل الشوق فيها
وللقبر ألف جدارٍ صموت
ويعلك اسئلتي ويقيها
أعودُ بلا شعلةٍ للرجاء
سوى الرفض في مُقليتيّ
سوى الرفض أحمله في يديّ
فمن ذا الذي يرفضُ
وعيناكِ صوتٌ يصيح انهضوا
(3)
وإن حروفي عصافير حزن ٍ تفرُّ
الى ربوة ناعسة
وينصتُ قلبي اذا قيل شعرُ
الى لوعة هامسة
وهذي الخطى اليائسة
جواز سفاري ستقرعُ
أبواب أرضٍ تجوع
جميع شرايينها للمطر
وأنت كفيلة هذا الرجوع
بأن تخرجيني وشعريَ
من بين هذي الغجر
عسى شمسنا ما لها من طلوع
وليل الهوى ما له من سحَر
ألا أين من يوقدون الشموع
دجىً في معابد هذي العيون
ألا أين من يوقدون
سيخفق فيها الهوى والحَوَر..!
يتبع