نوابغ ومجانين العرب

توفيق أبو شومر قرأها 1,489

 نوابغ ومجانين العرب

منذ أيام وأنا أشاهدُ صورةً في كثيرٍ من الهواتف المحمولة، في جيوب كثيرين ممن أعرفهم، يتبادلونها، في شبكة الإنترنت، صورة تستدعي الواقع المرير الذي يعيشه عربُ الألفية الثالثة، إنها مقياسٌ دقيق للحالة الثقافية والفكرية، ومؤشرٌ  مضبوطٌ أيضا لحالة تأخُّر وانحدار بقايا أمة العرب، صورةٌ، يكتفي مَن يشاهدونها بفتح أفواههم استغرابا، وسرعان ما تمَّحِي في ظل الواقع المرير الذي يعيشه عربُ اليوم.

هذه الصورة المشهورة جدا، هي لعالِمٍ عراقيٍ مُشرَّدٍ في شوارع بغداد، دكتور، ليس ككل من يحملون اللقب، بل إنه أستاذ في أكثر علوم الأرض نفعا في الألفية الثالثة، إنه أستاذ في علم الفيزياء، وليس دكتورا في علوم اللغة والفقه والتاريخ والجغرافيا مع الاحترام للجميع!!

لقد أكَّد لي أحدُ مَن عاشوا في العراق، بأن الصورةَ حقيقيةٌ، وهي لعالم الفيزياء المشهور في المجال النووي حميد خلف!!

نوابغ ومجانين العرب

في البداية قد يكون الحادثُ أمرا فرديا، ومرضا يُصيبُ كثيرين، غير أن هجرة العقول المبدعة من العراق منذ احتلاله تدفعُنا إلى التساؤل:

هل هذه قضية فردية، أم أنها مؤشرٌ على ظاهرة خطيرة؟

نعم إنها تقع ضمن مسلسل تفكيك منظومة بقايا العرب، ليس بالاحتلال والقتل والتهجير فقط، بل بإفقار الأوطان ثقافيا، ونزعِ عقولها المبدعةِ، وتشريدِ آخر المبدعين، بالتحريض ضدَّهم، أو حتى باتّهامهم بالجنون، لأنهم يشذّون عن القواعد القبلية في المجتمعات العربية، لأن المبدعين مختلفون في أفكارهم وآرائهم عن السائد والمعتاد، لذلك فهم مرفوضون في المجتمعات التي غاض فيها الفكر، وانزوت العلوم، واندثرت فيها الإبداعات!

 ما أكثر المبدعين الهاربين إلى البلاد التي تفهم عقولهم، وتقدّر إبداعاتهم!! وما أكثر الذين يتّهمهم أهلهم بالجنون والشذوذ، وما أن يخرجوا من إطارهم القبلي والأسري حتى يحظوا بالاحترام والتقدير!

حينئذِ يندم أهلُهم على التفريط بهم، لأن غيرَهم قد اعترف بنبوغهم للأسف!

فالعربُ أسرى للمقولة العربية التقليدية (لا كرامة لنبيٍّ في قومه)!!

ومن أسوأ ما في المجتمعات القبلية التقليدية التي ينتمي إليها بقايا العرب، هو براعة هذه المجتمعات في قتل الإبداعات، ووأد نُطف الإبداع منذ الولادة، وتقليم أظافر المختلفين في الفكر والعقيدة، ويتم ذلك كلُّهُ خدمةً (للحاكم) أو شيخ القبيلة، أو أدعياء الدين، من الجاهلين، مِمَن يخشون العلومَ النافعةَ، لأنها تُفقدهم سلطتهم، وتُقلل من عدد العَوامِّ الذين يتبعونهم، فيقلُّ دخلُهم المادي!! فهم يُردّدون صباح مساء المقولة القاتلة:

[إن شر الأمور محدثاتُها، وكلُّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلُّ ضلالةٍ في النار]

والغريب أنهم يتجاهلون عن قصد وعمد وترصُّد أقوالا وأحاديثَ جميلةَ تنقضُ حكمتهم السابقة، ومنها قولُ الرسول:

"مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا."

ما يزال العالِم أحمد زويل رمزا على هذا الواقع العربي المرير، فهو يصف سرَّ نبوغه، وحصولَه على جائزة نوبل في الكيمياء، 1999 كأول عربي يحصل على هذه الجائزة، ينسبه إلى الجوِّ الذي وفَّرَهُ لهُ مَن يفهمون الإبداعات، فقد منحته أمريكا جنسيتها أولا، ثم منحته جامعةُ كاليفورنيا كل الإمكانات المطلوبة للإبداع، بعد أن لم يجد  هذا الجو في وطنه، فهو قد اعتاد أن يرى في شبابه قِفلا على باب معمل العلوم في مدرسته، خشية أن يُكسرَ إناءٌ أو دورقٌ من دوارق المعمل، أثناء التجارب! فيُضطر أمينُ المعمل أن يدفعَ تكلفة الكسر من راتبه الشهري، لذلك فإن إغلاقَ معامل التجارب في الوطن العربي خطةٌ مدروسةٌ لإقصاء الكفاءات، وتحويل العلوم التجريبية إلى محفوظات ورموزٍ تعجيزية!!

معظم دول العرب لا ترفض فقط، منح الجنسيات للمبدعين، بل إنها تمنعهم من المرور في أراضيها، خشية أن تُصيب عدوى إبداعاتهم، بعض المغمورين والمقهورين، فينتفضون على الحكام الطغاة الجاهلين، ويزول ملكُهُم، ويتقوَّضَ حكمُهُم!

إليكم بعض مقاييس دول المستقبل:

الاهتمام بالبنية الأساسية للتربية والتعليم، واعتبار المُدرّس أكبر ثروات الوطن، فهو أعلى درجةً وتقديرا من كل الزعماء السياسيين!

التنافس في مجالات البحث عن الإبداعات، وذلك بتأسيس مركز أبحاث ودراسات، ومعاهد لنشر الثقافات في كل دول العالم!

الثورة على البيروقراطيات التي تقتل الإبداعات، وأبرزها البيروقراطيات المتبعة عند العرب؛ عدم الاعتراف إلا بالشهادات الورقية، وسنوات الخبرة، وعدم التمرّد على الرؤساء، كأساس للترقيات، ونيل العلاوات، بدون أن يكون هناك قانونٌ يُعطي المبدعين حقوقا أخرى، كالترقيات والعلاوات، تُضاف إلى مرتباتهم، بغضّ النظر عن شهاداتهم ومراتبهم الوظيفية!

استقلال الجامعات ومنحها الحرية الكاملة في وضع لوائحها وقوانينها، وتشجيعها على أن تتولى مسؤولية البحث عن الإبداعات والكفاءات واستقطابها لمصلحة الوطن!

وكل ذلك لا يتحقق بالطبع إلا في ظل جوٍّ ديمقراطي حُرٍ في كل مجالات الحياة!.