"حصار" - شعر
يفجعني وجدك قبل النومْ
وحين أفيقُ على وهْج الكابوس المذعورْ
ويلاحقني صوتك يصرخ حين أنوءُ بحملك في ذاكرتي
يا شفقَ الروح كفاني من ليلك هذا الويلْ
تكفيني هذي الأحزانُ وصمت قبور الدّيجورْ
يكفيني وجهٌ يقطر من عينيه الدمّْ
يكفيني صوتٌ يتمزّق في حنجرة تُذبحْ
كفّي يا بنت السرمدْ
يا وجهاً أعرفه يومَ ولدتْ
ينظر في عينيّ يناديني
ياولدي ليتك لم تولدْ
وتراني جمراً يتوقّدْ
سيحترق الوجد بنار الطغيانْ
تصير شظايا تاريخ أسودْ
يا ولدي
يأتي (أنكيدو) وحشاً هذي المرّة
كي يقتل خادمة المعبدْ
وتصير بلاد النهرين حريقاً يمتدُّ إلى برّ الشامْ
وسينهض قابيلُ ليقتلَ هابيلَ وتغرق في بحر الدمّْ
وتلاحقني كل حكاياتك عن تيمور وعن غورو
وأحاول أن أدخلَ في كهف النوم
لكن الأحلام تصير كوابيسَ
مضمّخةً بدماءٍ طازجةٍ
وتفور على بردى
ترتدُّ الصّبوةُ من بردى صوتَ أنينْ
طفل لا يعرف معنى القتل
لم يسمع من قبل أنيناً من هابيلْ
ويظنّ الكون نشيداً عذباً وتراتيلْ
لا يعرف ان السكّين ستقطع رأساً
وستطعنُ قلباً هذّبه القرآنُ وعمّده الإنجيلْ
وأكاد أصدّق أنّي في غمرة كابوسْ
لا يمكن أن يحدث ما يحدث في بلد
جَدّتُه عشتارْ
وأبوه حَدَدْ
قد سلّم معبده لضياءِ يسوعْ
ثم توهج نوراً حين أضاء على جنبات الشام نداءُ محمّدْ
صار الأمويُّ وبيتُ المقدس صنْوَينْ
سقطت مئذنةُ الأمويّْ
وتعرّت في الليل كنائسُ يبرودَ ومعلولا
وتوحّش أنكيدو
خرجت قافلةُ الحزن نواحاً تبحث عن مأمنْ
وبقيت وحيداً أبحث عن وجهٍ يعرفني
فأتاني وجهك في الليل يباغتني بدماء تنزف
وصهيل الخيل يموءْ
والقططُ الشاميّةُ تذبح قرب البركة في صحن الدارْ
تحت النّارِنْجِ وجنْبَ الفلِّ وبين عناقيد الأشجارْ
يا أهلَ الشام
أرى قمرا يسقط في مئذنة الشحمْ
أسمع صوتاً يطلع من جوف القهرْ
أتراه مسيحاً عاد إلى الشام ليصلب أو يرفع؟
أم قنديل سيشع ضياء من جبهة مقتول ظلماً في صخب الليل؟
يا أهل الأرض
أما شفقٌ للرحمة يطلع من قلب ينبضْ؟
لن تشرب أرضُ الشام دماء بنيها
لن نتشظّى سقطاً يتطاير من زند الحقد رذاذاً تأخذه الريح إلى هوَّة موتْ
وستبقى الشام رحيقاً من جنّات الكوثرْ
وسيبقى صوتُك يمنحني أملاً رغم اليأس ورغم الأحزانْ
يكفيني قبل الموت
أن أتفيّأَ يوماً في ظلّ الغوطة حين يعود رحيقُ الشامْ
ويضوع سحائبَ مُزنٍ تغسلُ كل الآثام وكل الآلام.
16 آذار 2014