امرؤ القيس يستعين بـ(جوستنيان)

د. رياض نعسان أغا قرأها 2,076

امرؤ القيس يستعين بـ(جوستنيان) 

قال له صاحبه: هل بلغ بنا الأمر أن نمضي إلى عدونا فنطلب منه أن ينصرنا؟

أوكلَ الأمرَ للأجنبيّ، فلا استردّ مُلكاً، ولا حقّق نصراً، وإنما ازداد ليله الطويل حزناً وأسى، ومات غريباً. وسُمّي الضلّيل.

كان امرؤ القيس يدرك أنه ارتكب خطأً جسيماً حين قرر الاستعانة بالأجنبي لينصره على من ظلموه من أهله وعشيرته، وقد حاول أن يبرّر فعلته بأنه وجد نفسه مضطراً حين أنكره الأقرباء، وتخاذلوا عن نصرته، وكان قد طلب النجدة من بكر وتغلب وحمير، ومن ابن جريج في ريف حمص، فأنكروه جميعاً وهو يقول:

لقد أنكــرتْـنـــــي  بعـْـلـَـبكُّ  وأهــلهـــــــــــا       وابن جريج كان في حمص أنكرا

وكذلك أنكره صحبه حين فقد مكانته، وقد آلمه أن يفتقد وفاء الأصدقاء، وما نزال إلى اليوم نردّد قوله:

كذلك جـــــــدّي.. لا أصاحبُ صـــاحباً        من الناس  إلا خــــانني وتغيـّــــرا

وربما كان بعض صحبه قد خالفوه الرأي وعابوا عليه أن يلجأ إلى الأجنبي، وهذا صاحبه الأقرب الذي مضى معه مذعناً، يبكي حين يجد امرأ القيس مصرّاً على الذهاب إلى قيصر، ويرى امرؤ القيس دموع الأسى والعتاب في عيني صديقه، تقول له: هل بلغ بنا الأمر أن نمضي إلى عدونا فنطلب منه أن ينصرنا على أهلنا؟ وتضطرب نفس امرىء القيس فهو يدرك سوء فعلته، ويذكّر صاحبه بأنه يطلب ملكاً، ويسعى إلى استرداد حق، وإلى ثأر ممن قتلوا أباه، ويلخّص امرؤ القيس موقف صاحبه بقوله:

بكى صـــاحبي لما رأى الدرب دونه   وأيقـــــن أنـــّـــا لاحقـــان  بقيــــصـــــرا

فقلت له:  لا تبكِ عـيـنـَـك  إنـّـمـــــــا    نحـــــاول مُلْكــــــاً  أو نموتَ فـنـعـذرا

ويروي التاريخ أن القيصر جوستنيان كان يرغب أن يمتدّ مُلْكُه إلى جزيرة العرب، فتكون له قواعدُ عسكرية على حدود خصومه الفرس، ولكن المرض أوهن عزمه، ومنعه من تحقيق طموحه وقيل إنه مات في ذات العام. وتبدو قصة امرىء القيس أشبه بالأسطورة، وقد صاغها الوجدان العربي على نحو مأساوي، ليجعلها درس المرارة والخذلان، حين يستعين القريب بالغريب لينصره على قومه وأهله، فقد نسجت المخيّلة العربية أقاصيص شتّى حول الموقف الذليل الذي تعرّض له الملك الضليل في قصر قيصر، وحول وفاته الغامضة، فقيل إن امرأ القيس عشق ابنة الإمبراطور وواصلها، فحنق عليه جوستنيان العجوز، وقرّر قتله بمؤامرة ومكيدة حين أهداه حلّة مسمومة، نشرت في جسده القروح، وقيل بل إنه أصيب بمرض جلدي، ولعلّه مَرَضٌ جنسي لكثرة تهتُّكه ومجونه، فصار جلده يتساقط، وكان كما تقول الروايات دون الأربعين من العمر، ولم يضنّ الرواة ممن ينتحلون الشعر (إذا أخذنا مذهب طه حسين) على الشاعر العاشق بصحبة امرأة حتى ولو أنها ميتة، فرووا أنه حين حضرته الوفاة رأى قبراً لأميرة من بنات الملوك ماتت غريبة مثله فاستأنس بها في غربته وقال لها:

أجـارتنا إن المــــــزار قريب    وإني مقيمٌ ما أقام عسيب

أجارتنا إني غريبٌ هـاهنا    وكل غريب للغريب نسيب

ولعل الرواة أضافوا كذلك قوله:

ربَّ خطبةٍ مُحنْفرة           وطعنةٍ مُثعـنجـــــرة

وجفـنـةٍ  متـحيــــرة            حلّت بأرض أنقرة

وليس مهماً أن يكون هذا الشعر لامرىء القيس حقيقة أو أن يكون منتحلاً بعده، فالمهم أن نتأمّل صياغة الوجدان العربي العام لقصة اغتراب امرىء القيس، وطلبه نصرة العدو على أهله، وقد يقول قائل إن جوستنيان لم يكن عدواً للعرب بل كان صديقاً، وكان بعض العرب في الشام حلفاء لبيزنطة، ولكن كندة لم تكن حليفة لجوستنيان، بل كانت أقرب إلى الفرس ضمن خريطة الولاءات التي حقّق فيها العرب الضعفاء آنذاك أمنهم في إفادةٍ من التوازن الدولي القائم على تكافؤ القوة بين إمبراطوية فارس، وإمبرطورية بيزنطة، وهما القطبان المتصارعان المتنافسان، اللذان تقاسما النفوذ في المنطقة العربية، ولكن تشتّت الولاء أدخل العرب في حروب داخلية طاحنة، حين خاضوا حروب الآخرين، كما فعل المناذرة والغساسنة، قبل أن يظهر الإسلام ويحرّر الأرض والإرادة، ويسقط كسرى وقيصر معاً، ويبني للعرب دولة مستقلة ما لبثت أن أصبحت أعظم دولة في التاريخ القديم.

ولقد صدرت نغمة خافتة من التعاطف العربي مع صحوة امرىء القيس من مجونه حين قال قولته الشهيرة (اليوم خمرٌ وغداً أمر) ولكنه أوكل الأمر للأجنبي، فلا استرد ملكاً، ولا حقق نصراً، وإنما ازداد ليله الحزين طولاً، وقد أبدع في وصف الأسى حين قال:

وليلٍ كمــــــوجِ البحر أرخــى سدوله   علـيَّ  بأنـــواع الهمــــوم ليبتـلــــــــي

فقلت لـــه  لمّــا تـــمطـّـى  بصـلـبـــه   وأردف أعــــجــــازاً  ونــــاء بكَـلْـــكــــل

ألا أيها الليــــل الطويــل ألا انجــلِ     بصبح وما الإصباح منك بأمثل

ولم ينجل الحزن عن امرىء القيس في الذاكرة العربية، وقد سمّته "ذا القروح" و"الملك الضليل"، وعاقبتْه على اختياره الموقفَ الذليل في اللجوء إلى الغريب ليستقوي به على أهله الأقربين وإن كانوا له ظالمين.

ولقد أوشك أن يقع في ذات المأساة – مع الفارق – أبو الطيب المتنبي حين لجأ إلى كافور الأخشيدي يطلب منه ما لم ينله من سيف الدولة (أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله، فإني أغنّي منذ حينٍ وتشربُ) وهو يصارح أبا المسك بمطلبه
      (وغير كثير أن يزورك راجلٌ، فيرجع ملكاً للعراقَين واليا).

ولكن أبا الطيب سرعان ما أدرك أنه أخطأ الاختيار، وقد أبت عليه كرامته أن يمعن في إذلالها أمام كافور، بعد أن كان الأعزّ عند سيف الدولة، ورغم أن سيف الدولة الأقرب لم ينصفه ممّن أهانه في مجلسه، ولم يحقّق له طموحه، إلا أنه لم يغفر لنفسه اللجوء إلى حاكم مصر الغريب عن عروبته، ولذلك جاء هجاؤه لكافور، نوعاً من تبرئة الذات، وقد أحسّ بالغربة مرة أخرى حين لجأ إلى بلاد فارس، فلم يجد خارج عروبته مستراحاً، فرغم أنه يشهد بأن شعب بوان ملاعب من الجنان، إلا أنه يواجه إحساساً قاسياً بالغربة حين يقول:

ولـــكـــنّ الفتـــى العربي فيها   غريب الوجه واليد واللسان

وما يزال الوجدان العربي إلى اليوم يستنكر النصرة على الأهل بالغرباء ويردّد مع الشاعر المعاصر: (بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ، وأهلي وإن ضنّوا عليّ كِرامُ).