طيور السكونك
كنت أسمع ولا أنكر ما يقال لكنني خرجت من المجلس وأنا مليء بالتساؤلات الغامضة حول عملية الكتابة الابداعية ومثقل بضباب القصيدة الفضي, وبسحر الأفكار الجميلة المجنحة, نفس الغموض والأفكار والرغبة الجامحة في استقصاء تجربة الغير الكتابية التي كانت وما زالت تنتابني بقوة عند سماعي لأحاديث كتاب وشعراء عرب وأجانب, أمثال البياتي وأدونيس ومحمود درويش وعصام العبدالله وبول شاؤول والماغوط وباولو كويا وساراماغو, حول علاقة الكتابة والشعر والفن بالحياة وبطبيعة النفس البشرية والأمزجة الجمالية المختلفة. تلك أحاديث كانت دائماً تتركني أبحث عن ذاتي الشعرية تحت سماء لا أعرفها. تماماً كما قال صديقي الكاتب .... أحاديث كانت تترك فراغاً روحياً، وعلامة سؤال في ذهني دائماً حول أمور كثيرة ومتشعبة. كنت أحس من خلال حديثهم أنهم يعبرون عن نفسي وذاتي التائهة الباحثة أبداًعن الأمثل والأجمل, أكثر مما عبروا عن ذواتهم. فأنا لا أفهم سر هذا الغموض الشفاف النابع من قلق الشاعر أو الفنان على مصيره, في عصر الذره والنابع ايضاً من حزن عميق أسطوري بعيد النزعة كحزن عبد القادر الجنابي او حزن ناتان زاخ أو محمد الماغوط او ادونيس, والقائمة طويلة. أظن أنه من المهم أن نحاول استدعاء مخيلة الآخر المختلف. او نمتلك حاسة اضافية تحاول التقريب بيننا وتجعلنا نتأثر بعضنا ببعض لبلورة رؤى شمولية طازجة وجديدة, وذات روح متمردة وثائرة على قيم جامدة. أما عن مسألة انصهار النثر بالشعر أو العكس فلا بأس بأن نستمتع بنماذج راقية لنثرية بول فاليري وسعيد عقل وجبران وأمين نخلة. والاعجاب بنرجسية بروست وطاقته على التغلغل في نفس المكان وفي نفس القارىء. ان النثر في رأيي هو بلورة المادة الكتابية والشعر هو إطلاق أجنحة لطائر حبيس في اللاوعي الذاتي. النثر تراكم وتجمع لمخزون الوعي في بؤرة واحدة والشعر محاولة لنثر مخزون اللاوعي في الهواء الطلق. الشعر أخيراً نوع من مشاكسة فردية لروح الوجود. ولكتابة مادة إبداعية كقصيدة مثلاً, لا بد وأن تتوفر للشاعر فسحة من الحرية على حد تعبير ناتان زاخ, والا سيجد نفسه محاصراً بما يفسد عليه إحساسه بجمال الشعر والحياة وبجمال روحه أيضا. الشعراء هم (طيور سكونك)هذا الكوكب الموبوء بالظلم كما يقول الشاعر السوري المعروف نزيه ابو عفش. والسكونك هذا طائر أسطوري جميل او ربما مخلوق غريب نصف طائر ونصف حيوان حساس لدموعه رائحة عطر تدل عليه صياده، فاذا وجده أخذ السكونك بالبكاء المر كوسيلة اخيرة للنجاة و لدفع الخطر عنه واسترحام الصياد. ويبقى السؤال عن الشعر والشعراء مفتوحاً.