لغتنا احتفاء عالمي واختفاء قومي
يوافق الأربعاء 18 ديسمبر اليوم العالمي الذي أقرّته الأمم المتحدة للاحتفال سنويا باللغة العربية التي يتكلمها ويتعلمها نحو نصف مليار نسمة وتُعدُّ سادس لغات العالم انتشارا. وفي الوقت الذي يتعرض فيه نصف لغات العالم البالغ عددها ستة آلاف وخمسمائة لخطر الانقراض نهاية هذا القرن فإن لغتنا تظلُّ مشرقة بالثقافة والتاريخ والشعر والأدب. بهذه المناسبة ستحتفل وزارة الثقافة ببرنامج شامل بدءاً من المجلس الأعلى وهيئة قصور الثقافة والهيئة العامة للكتاب ومصلحة الاستعلامات وقطاع الفنون التشكيلية ومكتبة القاهرة الكبرى، وينضم إلى ذلك إذاعة صوت العرب ورابطة الجامعات الإسلامية حتى جوجول التي أطلقت مبادرة "بالعربي أحلى". سوف تُلقى الكلمات وتدار أشرطة سينمائية وتطلق القصائد وتتمحور الأبحاث وتستدعى الذكريات الأندلسية وتنفق النقود على وجبات سريعة ومكافآت للضيوف ثم ينفضُّ المولد ونعود إلى سيرنا في شوارع ممتلئة باللافتات الحكومية المكتوبة بالأخطاء النحوية والإملائية وإلى أبنائنا الذين يعضعضون الأقلام بغيظ وهم يكرّون قصائد لا يفهمونها من نوع "أتاني أبيتُ اللعن أنك لُمتَني"، وفي المساء نستريح أمام التلفزيون لنتلقّى جرعة أخرى مكثفة من أخطاء المذيعين نطقاً وتصريفا. ومن المؤسف أن يجهل نصف الشعب المصري لغته ويعجز بحكم الأمية عن القراءة والكتابة بها، بينما تحتفل حكومته بانتشار تلك اللغة في العالم!
وإذا كانت الدولة جادة في الاحتفال باللغة العربية فإن أولى خطوات الاحتفاء أن نبدأ بوضع خطة لمحو أمية نحو خمسين مليون مواطن، وأن نعلن عن مواعيد ومراحل تنفيذها. أما الخطب العصماء عن عظمة "الضاد" وحلاوة شعر البحتري فإنها لن تبدّل شيئا من مهانة الأمية الأشد وطأة من سير إنسان فقير حافيا، لأنه بالأمية يحفى عقل الإنسان وروحه. على الدولة والحكومة أن تغير مناهج تعليم اللغة في المدارس بشكل جذري، فلا تبدأ تعليم التلاميذ الشعر العربي انطلاقا من القديم وصولا إلى الحديث، بل على العكس أن تنطلق من الشعر الحديث السهل على التلاميذ ثم تمضي بهم إلى قديم الشعر الصعب. عليها أن تبدأ بحافظ إبراهيم، ومحمود حسن إسماعيل، وابراهيم ناجي، ونزار القباني، وأحمد حجازي، وغيرهم، ثم تصل إلى أبي العتاهية. ولابد أن يُعهد إلى لجنة من الأدباء والشعراء بوضع المناهج الأدبية في التعليم فلا يُترك ذلك للموظفين محدودي الدخل والخيال والثقافة. لابد للدولة أن تُظهر صرامة فيما يتعلق بجهل المذيعين ومقدمي البرامج وإعلانات التلفزيونات وأن تشترط وجود مُراجِعٍ لغويّ في كل قناة لكي لا يصك آذاننا من الشاشات كل ما يدل على الجهل. عليها أيضا أن ترفع من مستوى المدرسين ماديا وأدبيا بحيث لا نسمع – كما حدث أمامي ذات مرة – معلمة تقول لتلميذتها "اشتهجي (بالشين) كلمة حضرموت يابطة"!. يجدر بالدولة أيضا ألا تمنح أحدا شهادته الجامعية إلا مع قيامه بمحو أمية خمسة مواطنين على الأقل. هناك الكثير مما يمكن القيام به لكي يكون للاحتفالات معنى. اللغة هي الوجود العقلي والفكري والشعوري للإنسان والأمم. وكل فقر وجهل لغوي هو فقر وجهل فكري وروحي. آن الأوان لكي نثري شعبنا بنشر لغتنا بيننا، هنا، إلا إذا كنا نحتفل بلغتهم!
أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmadalkhamisi2012@gmail.com