تأمـُّــلات العـشـبـة
1
دمي أخضر.
حين تدوسني، وتأخذ شيئــًا من أثري على نعليك فإنَّ ذلك ليس بالأمر الخطير:
ستمسح دمي في أقرب جدار.
ولن تكون تلك علامة تثير الريبة.
منيـَّتي لا تصنع حدثــًا يُذكر.
أنا المثال الصحيح للأشياء التي تموت في هدوء.
2
لا تحملني قدمان.
جسمي الراسخ لا يعرف الأماكن البعيدة.
يقنعني المتاح في مجال الرؤية.
وألوِّح حين تهزُّني الريح للسماء.
3
لا أتمتــَّع بجمال الوردة، لا أملك فروعًا يثقلها ثمرٌ حلو، جسدي لا يصنع ظلاًّ يكفي جلسة حبيبين، وعلى الرغم من ضعفي الظاهر فإنَّ قبيلةً مني كافية كي يتدحرج فوقها كلُّ أطفال العالم.
4
حين أقول: إنــَّني يمكن أن أكون شيئــًا أبيض، وسائلاً، فإنـِّي أعني ذلك فعلاً، إنـَّها حياتي الأخرى، تأخذني إليها دروب مظلمة وملتوية حتى تخرجني ليونة الضرع، فأشخب كائنًا أبيض يرتجُّ في الوعاء.
إنــَّني لا أنتهي، أنا أتقلَّب في حيواتٍ ملوَّنة، أسترسل في الوجود دون أن تصيبني رتابة الجسد المستقرِّ، والهويَّة الساكنة.
5
أفهم الريح، أفهم أنــَّها منقادة إلى المصير، حين تلمسني حافـَّتها في عبورها السريع أدرك كم هي الريح منبتَّة ووحيدة، وكم تبدو مهولةً على أن تنتمي إلى مكان، ومنفلتة على أن تستقرَّ، أشعر بها وهي تلمس كلَّ شيء، تسلك المنافذ، تحمل ما يخفُّ، وينفصل، وتمنح الأماكن المناسبة القدرة على الصفير، لكن لا شيء يحقِّق لها ما أظنُّ أنـَّها تتمناه: أن تغدو كائنـًا يمكن الإمساك به، لو أنَّ في الكون ذراعين ضخمتين تستقرُّ بينهما، وتهدأ، أن تجرِّب هذا الشعور مرَّة، أو مرَّتين على سبيل التغيير.
السعودية