قراءة في كتاب "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك" لـ"ناتالي الخوري غريب"
صدر حديثًا عن "دار سائر المشرق" كتاب "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك"، للباحثة الدّكتورة ناتالي الخوري غريب، في 220 صفحة من القطع الوسط. وهنا لا بدّ لنا من أن نقول، أنّ هذ الكتاب هو الدراسة الأكاديميّة الأولى في شعر المونسنيور ميشال الحايك، على الرغم من صدور دواوينه في الستينيّات، وهي: "كهف الذكريات"، "كتاب العبور والمعاد"، و"قصائد إلى الغربة والموت"، أما ديوان "ضاقت الأرض" فقد صدر لاحقًا بعد وفاته، وكانت الباحثة قد أثبتته كملحق في "قصائد الشاعر غير المنشورة"، وبذلك تكون قد استوفت في دراستها كلّ نتاجه الشعري.
قدّم الكتابَ الأديبُ الأستاذ "أمين زيدان" في قطعة أدبيّة أبرز ما جاء فيها" حَريٌّ أن يُقالَ: مَن مِن بني الشّرقِ والغَربِ لا ينحني إجلالًا لمجرّدِ أن يُشَنِّفَ الآذانَ وَقعُ هذا الاسمِ فيها، ولا تُسكِرُ الذّائقاتِ نكهةُ ما قدّمَ على موائدِ الثّقافاتِ والحَضاراتِ من حلى الكَلِمِ وحلوِ المعاني، إرشادًا وَوَعظًا، وبحثًا، وتوجيهًا، وخَلقًا مُكَلّلًا بشعرٍ، أُخَيِّ الأناشيدِ..... يا لهذا الشّاعرِ مِن هالةٍ في سَماءِ الكنيسةِ جَمعاءَ، وفي جواءِ طائفتِهِ السّمحاء، سيرَةَ قداسَةٍ، ومسيرَةَ أنجمٍ هداةٍ، "ورَأسًا"...... ويا لهذِهِ الحاكمة "ناتالي إيليّا الخوري"، من مُجازِفة ارتَضَت الحكمَ على "رجل الله هذا، شاعرًا"، فَأَقدَمَت واثقةً على مغامرةٍ تَهَيَّبَهَا الرّجالُ والنّساء، من بني عَبقَرَ، قَبلَهَا، لا تَحَدِّيًا لِأحَدٍ، ولا محاولَةً لِقياسِ قامَتِها بِقامته الشّامخةِ اتّضاعًا، وَإنّما شَغَفًا بكَشفِ مزايا له ولِنتاجِهِ الشّعري".
جاء الكتاب في مدخل وأربعة فصول، وقد أوردَت الكاتبة في المدخل سيرة حياة الشاعر، الكاهن، المفكّر، اللاهوتي، الموسوعي، والمؤثّرات المكوّنة لشخصيّته بين دينيّة واجتماعيّة وفكريّة وأدبيّة، عارضة لأبرز مؤلّفاته الشعرية والنقدية والفكرية والفلسفية والدينية. ومن ثمّ تناولَت الباحثة في الفصل الأول رؤية الشاعر لمرحلة ما قبل الموت، ونظرته إلى العالم الهيولي والعدم، والحنين إلى ما قبل الخطيئة. وعالجَت في الفصل الثّاني موضوع الغربة في شعره، فتناولَت غربة الدار وغربة الروح وذكريات الأمس، ورحلة التفتيش عن المعرفة والفردوس المفقود ورحلة الفراغ والنسيان، ومن ثم الخضوع للبقاء. وخصّصت الفصل الثالث لصورة الموت في شعر "الحايك"، وصورة الفناء بجميع أشكالها وكيفيّة انفصال الروح عن الجسد والانتهاء بحالة اليأس وطلب الخلاص بالموت. وفي الفصل الرابع ركّزَت على صورة القلق وهواجس المصير، ورؤية الشاعر البيضاء لما بعد الموت ومرحلة العبور والمعاد.
لقد كشفَت الباحثة في دراستها هذه طبيعة فلسفة الممكن الوجودي الذي يمثّل سكناه الإنساني في هذا الوجود، بعد مفارقته عدن الأولى، استكمالاً للنقص الذي أوجدته خطيئته الأولى في وجود الشاعر الكوني الروحاني الأقدس.
كذلك، استطاعت ناتالي الخوري من خلال دراستها أن تظهر معالم التمرّد المقدّس على السدى والموت بمشاربه اللاهوتية، وبيّنت انتماء الشاعر إلى روحانيّة المادة التي تشكّل أيقونة الجسد الأسمى ارتقاءً إلى الروح القدس الذي يكمن في تمثله المسيحي الحق للمسيح، لتخلص إلى أنّ تمرّده كان تحقيقًا وجوديًّا لذاته الطامحة الى استكمال حقائقها المعنويّة في هذا الوجود. كاشفة في هذا الكتاب عن فلسفة خاصّة للقلق الروحاني الفردي الذي فلسفه "الحايك" في رؤياه الجَمْعيّة نورانيًّا، وكأنه سلافة نور تدور في كأس الوجود ولا تستقرّ إلاّ في الذات المبدعة.
وقد بيّنت رؤيا الشّاعر الفلسفية إلى الموت، حيث تبدو الحياة في شعره متحقِّقة في الموت، لكنّه موت يقيني يقود إلى معرفة التجسّد المتجلّي في المسيح. كما أظهرَت الباحثة تحرّر الأب الحايك من التشكّل الطيني، ليحقّق وجودًا نورانيًّا يتماهى في الفكر الوجودي، الذي يجعل وجود الصليب موضوعًا غير محايد في سِفر الخَلق والتكوين الأبدي، مظهرة كيف فلسف الشاعر العدم الوجودي من منطلقه الروحانيّ الإنساني، ليكون القلق على المصير رقيًّا معرفيًّا في حقيقة الوجود.
وبهذا الكتاب، يضاف إلى مكتبتنا العربيّة كتاب نقدي عميق الغور، مع عدّة بحثيّة مكتملة ثقافة فلسفية ولاهوتية وأدبية على منهجيّة رصينة، بحثًا وتحليلًا في الشعر الروحاني، حول شاعر وكاهن وواعظ مشرقي المنبت، غاب عنّا في الجسد، لكنّه حاضر في عظاته وفكره وروح قصائده.
تمّ توقيع كتاب "القلق الوجودي في شعر ميشال الحايك"، في السابع عشر من شهر آذار في إطار المهرجان اللبناني للكتاب، في إنطلياس، جناح دار سائر المشرق.