تعليقُ مهلِ الترشيح لحكـومةِ تصريف الأيـام؟
مع استقالة الحكومة وتكليفِ تمام سلام، حقّـقت قوى 14 آذار، رغم وَفرةِ خلافاتها، نقطةً في مرمى قوى 8 آذار. لا يعبِّر هذا الحدث عن تغيير فعلي بموازين القوى يسمح بإطاحة الواقع القائم رأساً على عقِب، أو بفرض حكومةِ "شاءَ من شاء وأبى من أبى". فالمعادلات السياسية والعسكرية في لبنان والمِنطقة لا تزال نفسها: "توازن ضعف الأقوياء". فنحن أمام عجزٍ أميركي روسي، وعجز إيراني خليجي، وعجز إسرائيلي فلسطيني، وعجزِ الأنظمة والثورات، وصولاً إلى عجز 8 و 14 آذار معطوفٍ على عجز الدولة. لكن ما هو أخطر من ضعفِ الأقوياء هو استقواء الضعفاء، فحذار الاستقواء، إنه حماقة.
فَضلُ هذا العجز المشترك أنه خلق مُناخاً جديداً، لا معادلة جديدة، تعزَّز مع التحرك الأميركي تجاه إسرائيل والأردن وإيران والسلطة الفلسطينية وتركيا وسوريا، وهو تحركٌ يُطِـلّ عادة في بداية كل عهدٍ أميركي جديد، ومع تعيين وزيرِ خارجيةٍ جديد يريد إثباتَ وجوده متمايزاً عن سلفه. هذا المناخ الجديد لم يبلغ الأجواءَ اللبنانية فقط لنتوهَّم أن الكرة الأرضية كلها معنا، بل انسحب أيضاً على العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، والإسرائيلية التركية، والسعودية الإيرانية، والأميركية الإيرانية.
حسنةُ هذا المناخ أنه يُـهدّئ توتراتٍ قائمةً ويُرجئ انفجاراتٍ مرتقَبةً ويحضِّر تسوياتٍ مستقبلية. وسَـيِّـئتُه أنه غيرُ كافٍ لتقديم حلولٍ وتغيير طبيعة الصراعات، لاسيما وأن عملية استنزاف القوى اللبنانية والعربية والإقليمية لم تنته بعد، كما أن التغييرات المخطط لها لا تزال في بدايتها. نحن في مرحلة تقويم الأحداث واحتواء الخسائر وتصويب المسارات. فحذار القراءة الخطأ، إنها قاتلة.
لو هناك موازين قوى جديدة لكان جون كيري عرّج لحظةً على لبنان وقد زار المنطقة ثلاث مرات في شهرين، ولكان المجلس النيابي اللبناني أقـرَّ قانوناً جديداً للانتخابات قـبْل تعليقِ المهل، ولكان سعد الحريري لا تمام سلام كُـلِّف بتشكيل الحكومة العتيدة. وبالتالي، يخطئ من يظن إن تأييد مكونات 8 آذار، وتحديداً المكون الشيعي، للرئيس المكلف هو "وديعة مجانية" في حين أنه تطبيق تجريبي لمناخ سعودي إيراني.
التقارب السعودي الإيراني حول لبنان يقتصر على منع انفجار فتنة سنية شيعية وحصر الصراع في إطار سياسي. لكن التقارب لا يمتد إلى التفاصيل الأخرى، ومن بينها عملية تأليف الحكومة شكلاً ونوعية وأسماء، ذلك أن أسس هذا التقارب هشّـةٌ نظراً لاستمرار جوهر الصراع بوجهيه اللبناني والإقليمي.
وفي هذا السياق، إذا كانت السعودية لا تكترث لمشاركة تيار المستقبل في الحكومة وإذا كان التيار نفسه يفضل ذلك على أملِ قيادة حكومة ما بعد الانتخابات النيابية مع حلفائه الباقين، فحزب الله يريد المشاركة في الحكومة العتيدة لأربعة أسباب على الأقل: الأول: المحافظة على موقعه ومكتسباته في السلطة اللبنانية وعدم إعطاء انطباع بأنه خسر معركة أمام 14 آذار. الثاني: تحصين وضعه تجاه محاولات أميركية لإدراج اسمه على لائحة الإرهاب الأوروبي. الثالث: تثبيت دور إيران في لبنان والشرق الأوسط، وتحديداً في الدول المطِلَّـة على البحر الأبيض المتوسط، في وقت يتعرض فيه هذا الدور للانحسار من خلال التضييق على حزب الله والضغط على النظام العراقي وترنّح النظام السوري. الرابع: تقوية الفريق الحاكم حالياً في إيران قبيل استحقاق الانتخابات الرئاسية التي يراهن الغرب على نتائجها لمعرفة مصير مفاوضاته حول الملف النووي الإيراني، ومدى حظوظ نقل "الربيع العربي" إلى إيران.
إلا أن حصر عملية تأليف الحكومة بالواقع السني الشيعي واعتبار الآخرين، ولاسيما المسيحيين، ملحقين بالفريقين يشكل نقضاً لأسس الميثاق الوطني اللبناني. كما أن اختصار التمثيل المسيحي برئيس الجمهورية هو اختزال لمقام الرئاسة ودورها. فلا نعتقدنَّ أن خَـزْعةً من الوزراء تُمثل رئيس الجمهورية في الحكومة، إنما هو يمثلنا جميعاً.
لذا، واجب القادة المسيحيين تثبيت نفوذهم، لا دورهم فقط، في مفاوضات تأليف الحكومة لأن مسار التأليف يجري وكأن المكون المسيحي بات درجة ثانوية ـ لا ثانية فقط ـ في المعادلة الوطنية وفي تكوين السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد.
متى نضع حداً لهذا الاستهتار؟ متى نقلب الطاولة ونُسقط الاصطفافات المثقوبة والتحالفات المحـنَّـطة؟ متى نَعبُس بوجه الجميع ونصرخ بهم: كفى؟ لم نَخرج من نيسان 1975 لنقع في نيسان 2013.
إن إضعافَ التمثيل المسيحي الصحيح والقوي في الحكومة اللبنانية، في هذه المرحلة المصيرية بالذات، هو ضربةٌ سياسية ومعنوية كبرى تُـوَجه إلى كل مسيحيي الشرق. فلا يجوز تنحية الأحزاب المسيحية عن تحمل المسؤولية في وقت نطالب العالم بدعم وجود المسيحيين في لبنان والشرق وتعزيز دورهم. من يريد إزاحة حزب الله عن السلطة لا يأخذ المسيحيين بدربه.
لذلك إن محاولة استغلال هذا المناخ الإيجابي لاختلاس الحكومة من الناس والأحزاب والقوى الفاعلة، وخلق أمر واقع سياسي لا يملك حماية أمنية وحصانة وطنية هي مغامرة من شأنها أن تقصف طلائع المناخ الجديد المتجسد حول الرئيس المكلف. فبقدر ما كان التكليف "تماماً" نريد التأليف "صائباً".
إن حكومةَ تكنوقراط تُقصي القوى الفاعلة عن تحمّل المسؤولية تقسِّم البلاد بين حكومتين: حكومةٌ شرعيةٌ بلا شارع، وحكومةُ شارعٍ بلا شرعية. الأولى تحكم من دون سلطة، والثانية تسيطر من دون أن تحكم. الحكومة السياسية تستطيع مواجهة التحديات الوطنية والمصيرية وإجراء الانتخابات. أما حكومة التكنوقراط فربما تتمكن من إجراء الانتخابات، علماً أن إجراءها قرارٌ سياسي لا تقني، ولكنها بالتأكيد غير قادرة على مواجهة التحديات الوطنية والمصيرية.
إن تبريرَ تأليف حكومة غير سياسية بحصر مهمة الحكومة الجديدة بإجراء الانتخابات يحتّم التأكد من حصول الانتخابات. لذا، يستحسن التأني بتأليف الحكومة إلى حين معرفة مدى جدية الكتل النيابية في وضع قانون انتخابي جديد، خصوصاً وأن اللجنة النيابية الفرعية تستأنف اجتماعاتها غداً. فإذا لمس الرئيس المكلف اتجاهاً عملياً لحسم قانون الانتخابات فليؤلف حكومةً مُـطـعَّمة بتكنوقراط تشرف على الانتخابات وتستقيل بعدها. لكن إذا تلكأ مجلس النواب عن إصدار قانون جديد، فلا بد من حكومة سياسية إنقاذية تتحمل تداعيات التمديد للمجلس النيابي وحماية البلاد من الأخطار المختلفة والاغتيالات.
إن البلاد لا تحتمل الانتقال من حكومة فاشلة إلى حكومة تصريف أعمال فحكومة تصريف أيام. ومن حكومة أحادية إلى حكومة لا أحد. نحن حريصون على نجاح تمام سلام، وضنينون مثله بـ"المصلحة الوطنية".
نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية